لُورْكَا‭ ‬وَشَارْلُو‭… ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬قبعة‭ ‬الفنان‭ ‬إلى‭ ‬إكليل‭ ‬من‭ ‬شوك‭ ‬

محمد الخطابي
حجم الخط
0

مدريد‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬: نشرت‭ ‬الصحافة‭ ‬الأدبية‭ ‬الإسبانية‭ ‬مؤخرا‭ ‬شذرات‭ ‬من‭ ‬مخطوطات،‭ ‬ورسائلَ‭ ‬تتضمن‭ ‬نصوصا‭ ‬شعرية،‭ ‬وكتابات‭ ‬نثرية‭ ‬للشاعر‭ ‬الإسباني‭ ‬الأندلسي‭ ‬الراحل‭ ‬فيدريكو‭ ‬غارسيا‭ ‬لوركا،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬كتبها‭ ‬بين‭ ‬1928‭ ‬و1930‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬صعبة‭ ‬من‭ ‬حياته،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإبداعي،‭ ‬أو‭ ‬العملي،‭ ‬أو‭ ‬الشخصي‭. ‬يشير‭ ‬الناقد‭ ‬الإسباني‭ ‬ميغيل‭ ‬غارسيا‭ ‬بُوسادا،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مخطوطات‭ ‬غارسيا‭ ‬لوركا‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬مراسلاته،‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أغنى‭ ‬وأعمق‭ ‬ما‭ ‬كُتب‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الإسباني‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬إذ‭ ‬يحركه‭ ‬دوما‭ ‬فيها‭ ‬واعز‭ ‬المعرفة‭ ‬والاتصالات،‭ ‬وهوَسه‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬بواسطة‭ ‬التعبير‭ ‬الأدبي‭.‬
كانت‭ ‬كتابات‭ ‬لوركا‭ ‬تسمو‭ ‬فوق‭ ‬بؤس‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬لتحلق‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬اللانهائي‭ ‬المُشرَع‭ ‬للخلق‭ ‬والإبداع،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬وجود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأشعار،‭ ‬والخواطر،‭ ‬والانطباعات،‭ ‬والرسومات‭ ‬في‭ ‬بعضها،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إشارات‭ ‬الشاعر‭ ‬الدائمة‭ ‬إلى‭ ‬مغامراته‭ ‬الإبداعية،‭ ‬المتحدث‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الكتابات‭ ‬هو‭ ‬الشاعر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬مادة‭ ‬أساسية‭ ‬لحياته،‭ ‬لذا‭ ‬فإنه‭ ‬عندما‭ ‬يتوجه‭ ‬بالكتابة‭ ‬إلى‭ ‬أقرب‭ ‬الناس‭ ‬إليه،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬الذين‭ ‬يحبونه،‭ ‬فإن‭ ‬كتاباته‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬أبدا‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬ومعاناته‭.‬

والدة شابلن لم تكن تعترف سوى بعبقريتيْن اثنتين في العالم هما شكسبير وَوَلدُها!

انطباعات‭ ‬مُبكرة

هذه‭ ‬المخطوطات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نشرها‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬الملحق‭ ‬الثقافي‭ ‬لكبرى‭ ‬الجرائد‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ (‬أ‭.‬ب‭. ‬ث‭) ‬تعود‭ ‬لتؤكد‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬كنا‭ ‬نعرفه‭ ‬عن‭ ‬لوركا،‭ ‬ففيها‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نتأمله‭ ‬مراهقا‭ ‬وهو‭ ‬بعدُ‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العُمر،‭ ‬وشرخ‭ ‬الشباب‭ ‬وريعانه،‭ ‬ينشر‭ ‬ويشعر‭ ‬بالزهو‭ ‬والفخار‭ ‬من‭ ‬مقالاته‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يدافع‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬اختياراته‭ ‬وقناعاته‭ ‬وإبداعاته‭ ‬الأدبية،‭ ‬إزاء‭ ‬التوجهات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬اختارها‭ ‬له‭ ‬والدُه،‭ ‬إننا‭ ‬واجدون‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬المبكرة‭ ‬الشاعر‭ ‬لوركا‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُكافح،‭ ‬ويُصارع‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬مدريد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬النجاح‭ ‬الأدبي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتوق‭ ‬إليه،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إيصال‭ ‬مختلف‭ ‬إبداعاته‭ ‬الشعرية‭ ‬والمسرحية‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭. ‬تتضمن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المخطوطات،‭ ‬والمراسلات‭ ‬أخبارا‭ ‬عن‭ ‬لقاءاته‭ ‬بشخصيات‭ ‬مشهورة‭ ‬معاصرة‭ ‬له،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬بلده‭ ‬إسبانيا،‭ ‬أو‭ ‬خارجها،‭ ‬منها‭ ‬شخصية‭ ‬شارلي‭ ‬شابلن،‭ ‬وإعجابه‭ ‬بوالدته‭ ‬هانا‭ ‬شابلن‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقدم‭ ‬عروضَها‭ ‬الموسيقية‭ ‬باسم‭ ‬فني‭ ‬مُستعار‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬لِيلِي‭ ‬هارلي‮»‬‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬قبل‭ ‬انتقالها‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬انطباعاته‭ ‬عن‭ ‬شخصيات‭ ‬أخرى‭ ‬تنتمي‭ ‬لعالم‭ ‬الأدب‭ ‬والشعر‭ ‬والفنون،‭ ‬كما‭ ‬تحفل‭ ‬هذه‭ ‬المخطوطات‭ ‬بأوصاف‭ ‬دقيقة‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تقع‭ ‬عليه‭ ‬عيناه‭ ‬خلال‭ ‬سفرياته‭ ‬وتنقلاته‭ ‬المتعددة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭ ‬والجهات‭ ‬الإسبانية،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬وكوبا‭ ‬والأوروغواي‭ ‬والأرجنتين‭.‬

لوركا‭ ‬وشارلو‭ ‬ووالدته

في‭ ‬هذه‭ ‬المخطوطات‭ ‬بعض‭ ‬الكتابات‭ ‬والإنطباعات‭ ‬التي‭ ‬خصها‭ ‬الشاعر‭ ‬عن‭ ‬الفنان‭ ‬العالمي‭ ‬شارلي‭ ‬شابلن،‭ ‬كان‭ ‬شارلو‭ ‬يتقاسم‭ ‬مع‭ ‬الشاعر‭ ‬الغرناطي‭ ‬الشهير‭ ‬غير‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬أوجه‭ ‬التشابه‭ ‬والتماثل‭ ‬والتقارب،‭ ‬وكان‭ ‬لوركا‭ ‬قد‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬‮«‬الخبر‭ ‬المقتضب‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬نشرته‭ ‬الصحافة‭ ‬الإسبانية‭ ‬وقتئذ‭ ‬عن‭ ‬موت‭ ‬والدة‭ ‬شارلي‭ ‬شابلن‭ ‬مَنهلا‭ ‬لتحريك‭ ‬خياله‭ ‬الإبداعي‭ ‬والجنوح‭ ‬به،‭ ‬وبعاطفته‭ ‬ومشاعره‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬الفنان‭ ‬الفريد،‭ ‬الذي‭ ‬أضحك‭ ‬الملايين،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬أبكى‭ ‬الملايين،‭ ‬وكان‭ ‬لوركا‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬المُعجبين‭ ‬بفنه‭ ‬وعوالم‭ ‬إبداعاته،‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬الخبر‭ ‬العابر‭: ‬‮«‬نتيجة‭ ‬تعقيدات‭ ‬في‭ ‬جهازها‭ ‬العصبي‭ ‬ماتت‭ ‬الممثلة‭ ‬السابقة،‭ ‬والدة‭ ‬الفنان‭ ‬الشهير‭ ‬شارلو‭ ‬شابلن،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬علم‭ ‬شارلو‭ ‬بهذا‭ ‬الخبر‭ ‬أغمي‭ ‬عليه‮»‬‭.‬
يقول‭ ‬الناقد‭ ‬الإنكليزي‭ ‬كرستوفر‭ ‬مورير‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬‮«‬هارفارد‮»‬‭ ‬أن‭ ‬فيديريكو‭ ‬غارسيا‭ ‬لوركا‭ ‬لابد‭ ‬أنه‭ ‬قرأ‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬في‭ ‬جرائد‭ ‬العاصمة‭ ‬الإسبانية‭ ‬،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يمر‭ ‬بهذا‭ ‬الخبر‭ ‬مرور‭ ‬الكرام،‭ ‬إذ‭ ‬بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬من‭ ‬نشره‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬يعيش‭ ‬فترات‭ ‬حرجة‭ ‬وصعبة‭ ‬من‭ ‬حياته،‭ ‬فإزاء‭ ‬النجاحات‭ ‬المتوالية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحققها‭ ‬كتاباته‭ ‬وأشعاره،‭ ‬ومسرحياته‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإبداعي‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬أزمة‭ ‬نفسية‭ ‬حادة‮»‬‭.‬

الشهرة‭ ‬الغبية

كان‭ ‬شارلو‭ ‬يجيد‭ ‬فن‭ ‬الضحك‭ ‬وسط‭ ‬الآلام،‭ ‬كان‭ ‬يدعو‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬أمرين‭ ‬‮«‬الحزن‭ ‬الداخلي‭ ‬والحبور‭ ‬الخارجي‮»‬‭ ‬كأي‭ ‬ممثل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الإبان‭ ‬فإن‭ ‬شارلو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يُسمع‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬صوت‭ ‬خلال‭ ‬أدائه‭ ‬التمثيلي،‭ ‬وكان‭ ‬مجهوده‭ ‬بالتالي‭ ‬للتعبير‭ ‬الخارجي‭ ‬مضاعفا،‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬عواطفه‭ ‬ومشاعره‭ ‬الداخلية‭ ‬بواسطة‭ ‬التلميحات،‭ ‬والإيحاءات‭ ‬والهمسات‭ ‬والحركات‭ ‬الميمية‭ ‬الصامتة،‭ ‬وكان‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الفرق‭ ‬الكامن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬ويراه،‭ ‬وفي‭ ‬المقام‭ ‬التالي‭ ‬فإن‭ ‬شارلو‭ ‬كان‭ ‬ضحية‭ ‬‮«‬الشهرة‭ ‬الغبية‮»‬،‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬لوركا‭ ‬يقول‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المفارقات‭: ‬‮«‬الرجل‭ ‬الشهير‭ ‬يشعر‭ ‬بمرارة‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬بينما‭ ‬تخترق‭ ‬صدره‭ ‬البارد‭ ‬الكلمات‭ ‬الصماء‭ ‬التي‭ ‬ينعته‭ ‬بها‭ ‬الآخرون‮»‬‭. ‬وهكذا‭ ‬تتحول‭ ‬قبعة‭ ‬الفنان‭ ‬إلى‭ ‬إكليل‭ ‬من‭ ‬شوك‭. ‬يقول‭ ‬كريستوفر‭ ‬مورير‭: ‬‮«‬إن‭ ‬هذه‭ ‬التأملات‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬لوركا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تصور،‭ ‬أو‭ ‬تعبر،‭ ‬أو‭ ‬تصف‭ ‬شابلن،‭ ‬فكثيرا‭ ‬ما‭ ‬وصف‭ ‬شاعر‭ ‬نيكارغوا‭ ‬المُجدد‭ ‬روبين‭ ‬دارييو‭ ‬لوركا‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬مليونير‭ ‬الدموع‮»‬‭ ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النعت‭ ‬أطلق‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬شارلو‭.‬

‬لوركا‭: ‬‮‭ ‬كانت والدة‭ ‬شابلن‭ ‬سخيفة‭ ‬جدا،‭ ‬وكانت‭ ‬تبكي‭ ‬بدون‭ ‬انقطاع‭ ‬عندما‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬سمعها‭ ‬رنين‭ ‬أجراس‭ ‬صلاة‭ ‬التبشير،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كانت‭ ‬رقيقة‭ ‬وناعمة‭. ‬

تأملات‭ (‬رقم‭ ‬1‭)‬

يقول‭ ‬الشاعر‭ ‬لوركا‭: ‬‮«‬عندما‭ ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬نزلتُ‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬ضيفا‭ ‬على‭ ‬والدة‭ ‬شابلن،‭ ‬كانت‭ ‬امرأة‭ ‬سخيفة‭ ‬جدا،‭ ‬وكانت‭ ‬تبكي‭ ‬بدون‭ ‬انقطاع‭ ‬عندما‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬سمعها‭ ‬رنين‭ ‬أجراس‭ ‬صلاة‭ ‬التبشير،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬كانت‭ ‬رقيقة‭ ‬وناعمة‭ .‬كانت‭ ‬والدة‭ ‬شابلن‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬سوى‭ ‬بعبقريتين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬وهما‭: ‬وليم‭ ‬شكسبير‭ ‬وولدها‭ ‬فقط‭. ‬لقد‭ ‬أقمت‭ ‬حدادا‭ ‬من‭ ‬دموع‭ ‬على‭ ‬موتها،‭ ‬إذ‭ ‬صادف‭ ‬أخيرا‭ ‬أنني‭ ‬اصبحتُ‭ ‬إلى‭ ‬البكاء‭ ‬أقرب،‭ ‬وإنه‭ ‬لشيء‭ ‬مُمتع‭ ‬حقا‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬وداعا‭ ‬والدة‭ ‬شارلو،‭ ‬مأساتكِ‭ ‬كممثلة‭ ‬هزت‭ ‬المسرح‭ ‬المعاصر‮»‬‭. (‬الذي‭ ‬نلاحظه‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬لوركا‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬السابق‭ ‬أنه‭ ‬نزل‭ ‬ضيفا‭ ‬على‭ ‬والدة‭ ‬شابلن،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أننا‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬والدة‭ ‬شارلو‭ ‬ماتت‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬أغسطس‭/‬آب‭ ‬1928،‭ ‬ونعلم‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬فرناندو‭ ‬دي‭ ‬ريوس‭ ‬مُعلم‭ ‬لوركا‭ ‬السابق،‭ ‬وصديق‭ ‬العائلة‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬اقترح‭ ‬عليه‭ ‬مرافقته‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬لتعلم‭ ‬الإنكليزية،‭ ‬واكتساب‭ ‬تجارب‭ ‬أدبية‭ ‬وإبداعية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الجديد،‭ ‬وركبا‭ ‬البحر‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬الباخرة‭ ‬العملاقة‭ (‬أوليمبيك‭) ‬وهي‭ ‬أخت‭ (‬تيتانيك‭) ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬غرقت‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ووصل‭ ‬لوركا‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬بتاريخ‭ ‬26‭ ‬يونيو‭/‬حزيران‭ ‬1929،‭ ‬ومكث‭ ‬فيها‭ ‬تسعة‭ ‬شهور‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬1929‭ ‬إلى‭ ‬مارس‭/‬آذار‭ ‬1930‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬كوبا،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الأوروغواي‭ ‬والأرجنتين،‭ ‬لذا‭ ‬فإننا‭ ‬نشك‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬ومصداقية‭ ‬الرواية‭ ‬السابقة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬جاءت‭ ‬هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬مبثوثة‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬المخطوطة‭ ‬الآنفة‭ ‬الذكر‭ ‬المنسوبة‭ ‬إلى‭ ‬لوركا‭).‬
ثم‭ ‬تلي‭ ‬ذلك‭ ‬قطعتان‭ ‬شعريتان،‭ ‬الأولى‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬‮«‬الدجاجات‭ ‬البياضة‮»‬‭ ‬والثانية‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬صوت‭ ‬الشعب‮»‬‭ ‬وهما‭ ‬قطعتان‭ ‬مُبطنتان‭ ‬بسخرية‭ ‬مُرة‭ ‬وألم‭ ‬ممض‭. ‬

تأملات‭ (‬رقم‭ ‬2‭)‬

‭ ‬يقول‭ ‬لوركا‭: ‬‮«‬هناك‭ ‬فرق‭ ‬واضح‭ ‬جدا‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬الرجال‭ ‬وشارلو،‭ ‬كل‭ ‬الرجال‭ ‬يضحكون‭ ‬من‭ ‬الأسماك‭ ‬الملونة،‭ ‬وشارلو‭ ‬كان‭ ‬يبكي‭ ‬عند‭ ‬رؤيتها‭. ‬لم‭ ‬يستعمل‭ ‬أحد‭ ‬قبل‭ ‬شارلو‭ ‬‮«‬البكاء‮»‬‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬الصافي‭ ‬النقي،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬البكاء‭ ‬باستمرار‭ ‬نتيجة‭ ‬حدث‭ ‬أو‭ ‬شيء،‭ ‬وجعل‭ ‬شارلو‭ ‬منه‭ ‬قضية،‭ ‬جعل‭ ‬منه‭ ‬نبعا‭ ‬محايدا‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالسبب‭ ‬الذي‭ ‬يثيره،‭ ‬أو‭ ‬يبعث‭ ‬عليه،‭ ‬إنه‭ ‬بكاء‭ ‬مدور،‭ ‬بكاء‭ ‬داخل‭ ‬بكاء‮»‬‭. ‬فالضحك‭ ‬من‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬الأسماك‭ ‬الملونة‭ ‬أمر‭ ‬واقع،‭ ‬وهو‭ ‬قد‭ ‬ضحك‭ ‬كثيرا،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الضحك‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬كبيرَ‭ ‬مجهود‭ ‬أو‭ ‬عناء،‭ ‬أما‭ ‬البكاء‭ ‬فهو‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬يعطيَ‭ ‬أو‭ ‬يقدم‭ ‬للحب‭ ‬وللميت‭ ‬الراحل‭ ‬كذلك،‭ ‬فالذي‭ ‬يبكي‭ ‬ينقضي،‭ ‬وشارلو‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬يقدم‭ ‬بكاءَه‭ ‬للأسماك‭ ‬الملونة‭ ‬ضاربا‭ ‬بذلك‭ ‬المثل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬تقديمه‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬لذلك‭ ‬فلحركاته‭ ‬وسكناته،‭ ‬وهمساته‭ ‬وضحكاته‭ ‬معنى‭ ‬جديد‮»‬‭.‬
‭ ‬ويضيف‭ ‬لوركا‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬إن‭ ‬شارلو‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬عندما‭ ‬وصله‭ ‬نبأ‭ ‬وفاة‭ ‬أمه‭ ‬لم‭ ‬يبكِ‭ ‬بل‭ ‬أغمي‭ ‬عليه،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬أعظم‭ ‬لحظة‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬وحياته،‭ ‬إذ‭ ‬أبان‭ ‬بذلك‭ ‬عن‭ ‬قلب‭ ‬‮«‬آنسة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬بين‭ ‬أعطافه‭ ‬وضلوعه‭ ‬وأحشائه،‭ ‬واكتشف‭ ‬شارلو‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬جناحيْ‭ ‬إوز،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬أغمي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬لأي‭ ‬سببٍ‭ ‬كان‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬المثير‮»‬‭.‬
وبعد‭ ‬أن‭ ‬استرسل‭ ‬لوركا‭ ‬في‭ ‬تخيل،‭ ‬ووصف‭ ‬جنازة‭ ‬والدة‭ ‬شارلو‭ ‬بغير‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬السخرية‭ ‬المغلفة‭ ‬بالآلام‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬مقطوعة‭ ‬شعرية‭ ‬جديدة‭ ‬له‭ (‬بعد‭ ‬أن‭ ‬لوحظ‭ ‬نقص‭ ‬أو‭ ‬فراغ‭ ‬في‭ ‬الصفحتين‭ ‬10‭ ‬و11‭ ‬من‭ ‬المخطوط‭) ‬يقول‭ ‬في‭ ‬بعضها‭: ‬‮«‬فلنُعطِ‭ ‬الأشياءَ‭ ‬المفرحة‭ ‬للموت‭ ‬السعيد‭ ‬فنأخذ‭ ‬الأشياءَ‭ ‬الرقيقة‭ ‬الناعمة‭ ‬لموت‭ ‬الأمس‭ /‬نَصِفُ‭ ‬طفلا‭ ‬نائما‭ ‬وإبرا‭ ‬للخياطة‭ /‬الجيران‭ ‬يقدمون‭ ‬المشروبات‭ ‬لشارلو‭/‬وعازفات‭ ‬البيانو‭ ‬يتقدمن‭ ‬للرقص‭/ ‬الطلبة‭ ‬القدامى‭ ‬يشترون‭ ‬له‭ ‬عكازا‮»‬‭. ‬
ونقرأ‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬صفحة‭ ‬12‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المخطوط‭ : ‬‮«‬ماتت‭ ‬والدة‭ ‬شارلو‭/ ‬التابوت‭ ‬أهدي‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬المِستر‭ ‬هنري‭ ‬فورد‭/‬شارلو‭ ‬في‭ ‬الشباك‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬البكاء‭/‬دموعُه‭ ‬فتافيت‭ ‬خبز‭/‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬المقبرة‭ ‬يقبلها‭ ‬مُخترع‭ / ‬منذ‭ ‬الصباح‭ ‬لم‭ ‬تمطر‭ ‬السماء‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬الداخلي‭/‬ثلاثة‭ ‬عصافير‭ ‬ميكانيكية‭ ‬تغني‭ ‬بدون‭ ‬انقطاع‭/ ‬لو‭ ‬شئتُ‭ ‬لأمكنني‭ ‬بعث‭ ‬الآلهة‭ ‬من‭ ‬جديد‮»‬‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية