لِمَ تعادي الولايات المتحدة إيران النووية ؟

حجم الخط
0

لِمَ تعادي الولايات المتحدة إيران النووية ؟

جواد البشيتيلِمَ تعادي الولايات المتحدة إيران النووية ؟ ليس الآن، وإنما بعد 5 أو 8 سنوات يصبح في مقدور إيران صنع قنبلة نووية. هذا ما يتوقَّعه، أو يفترضه، البنتاغون ، بحسب تقرير لصحيفة واشنطن تايمز . إيران أكدت، وما انفكت تؤكد، أنها، ولأسباب عديدة، بعضها ديني ، لا تنوي، ولا تعتزم، صنع، أو حيازة، أسلحة نـــــووية، وأن لا هدف لها سوي إنتاج الطاقة الكهربائية من خلال إنتاجها للطاقة النووية، فالنفط والغاز إنما هما مَصْدران للطاقـــــة سينضبان وينــــفدان، ولا بد، بالتالي، من اتخاذ الطــــاقة النووية مَصْدرا للطاقة الكهربائية. ولإيران، بموجب القانون الدولي، حق لا جدال فيه في امتلاك كل الشروط اللازمة لإنتاجها الطاقة الكهربائية من الطاقة النووية، أو لاستخدامها السلمي والمدني للطاقة النووية. إنَّ القانون الدولي، مع المعاهدات الدولية التي تلتزمها إيران، يمنعها من الاستخدام العسكري للطاقة النووية؛ ولكنه لا يمنعها، عمليا، من تطوير برنامجها النووي إلي الحد الذي يسمح لها بـ امتلاك القدرة علي صنع السلاح النووي ، وكأنَّ إيران تريد، في رسالتها النووية إلي العالم، أن تقول: لن نصنع القنبلة النووية؛ ولكننا نسعي في امتلاك القدرة علي صنعها.المجتمع الدولي، وعبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، يملك من الوسائل القانونية ما يفي بالغرض، وهو ضمان الاستخدام السلمي والمدني للطاقة النووية؛ ولكن المشكلة النووية الإيرانية تكمن في أنَّ الولايات المتحدة (مع إسرائيل وقوي أخري) لا تثق بنظام الحكم الإيراني، الذي، في تقويمها له، لا رادع يردعه عن صنع وحيازة أسلحة نووية، وعن جعلها امتدادا لخطابه السياسي الشرِّير ، في استخدامه لها والإفادة منها. ولكن، دعونا ننظر إلي المشكلة النووية الإيرانية من خلال عيون المصالح الإستراتيجية الحقيقية للولايات المتحدة.ليس للولايات المتحدة من مصلحة في أن تتمكَّن إيران من جعل الكهرباء المنتجَة من الطاقة النووية أساسا لاقتصادها المدني، فالقوة العظمي في العالم، ولو تأكدت أنَّ إيران لن تصنع، ولن تملك، القنبلة النووية، تقف ضد هذا المسعي الإيراني السلمي. أما السبب فهو أن الولايات المتحدة تريد لإيران، الغنية بالنفط والغاز، والمطلة علي مضيق هرمز، والمجاوِرة لأهم مَصْدر للثروة النفطية العالمية في العراق، وفي الدول العربية في الساحل الغربي للخليج، وفي بحر قزوين، أن تظل في تبعية اقتصادية استراتيجية، وشبه تامة، ودائمة، لصادراتها من النفط والغاز، فليس ثمة ما هو أخطر، بمعيار المصالح والأهداف الاستراتيجية للقوة العظمي في العالم، من أن يقلِّل الخصم ، الإيراني وغير الإيراني، من حاجته الاقتصادية إلي سلعة كمثل النفط والغاز في وقت تشتد وتعظم حاجة العالم (والولايات المتحدة أيضا) إليها، فهذا الفرق في حجم الحاجتين هو ما يغري الخصم باستخدام نفطه، وموقعه في الخريطة النفطية العالمية، سلاحا سياسيا ـ استراتيجيا. هذا الخصم سيملك، عندئذٍ، القدرة علي خلق أزمة نفطية عالمية تنزل عليه هو بردا وسلاما. إنَّ النفط يجب أن يظل سلاحا اقتصاديا وسياسيا استراتيجيا في يد واحدة فحسب هي يد الولايات المتحدة؛ واحتكار السلاح إنَّما هو الوجه الآخر لنزع السلاح من يد الخصم.أذْكُر في هذا الصدد أن دمشق، في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، أبدت استعدادا لقبول أن يمر أنبوب السلام الاقليمي المائي التركي في أراضيها؛ ولكنها رفضت استخدامه في تلبية حاجة سورية إلي الماء الصالح للشرب. ولكم أن تتصوَّروا المعاني الإستراتيجية الكامنة في هذا الرفض، وفي ذاك القبول.إيران قد تنتقل، في طموحها النووي، من الاستخدام السلمي والمدني للطاقة النووية إلي الاستخدام العسكري، أي أنها قد تصنع وتملك القنبلة النووية بعد امتلاكها القدرة علي صنع السلاح النووي. وليس في الدين ما يمنعها منعا مطلقا من التحوُّل إلي قوة نووية عسكرية، ففي العقيدة الدينية الإسلامية ينبغي للمسلمين أن يرهبوا عدو الله وعدوهم بأن يعدوا لهذا العدو ما يستطيعون من قوة. وغني عن البيان أن إرهاب العدو لا يختلف في معناه عن الردع النووي ، فالسلاح النووي هو في المقام الأول ليس للاستعمال وإنما للردع.إذا صنعت إيران القنبلة النووية فلن تصنعها قبل أن تصنع وتملك ما يكفي من وسائل نقلها التي أهمها الصواريخ . والقنبلة النووية الإيرانية مع الترسانة الصاروخية تستمد أهميتها الاستراتيجية من إيران بصفة كونها دولة غنية بالنفط والغاز، ومن مجاورتها لأهم مصادر الطاقة النفطية في العالم، ومن كونها مطلة علي مضيق هرمز، وعلي مقربة من إسرائيل بما تعنيه استراتيجيا بالنسبة إلي الولايات المتحدة، ومن كونها مجاورة للوجود العسكري الكبير للولايات المتحدة في العراق ذي الأهمية النفطية (والسياسية) الاستراتيجية.العراق، بمقاومته العسكرية العربية السنية، هو الذي أضعف كثيرا الولايات المتحدة في نزاعها النووي مع إيران، فلو لم تُمْنَ فيه تجربة الغزو والاحتلال بالفشل لتجرأت الولايات المتحدة علي القيام بالتجربة ذاتها في إيران. ولا شك في أنَّ هذا التجرؤ قد تلاشي بعد، وبفضل، الإخفاق العسكري البري الإسرائيلي الكبير في جنوب لبنان. ولم يبقَ لدي الولايات المتحدة، بالتالي، من خيار عسكري سوي خيار الحرب عن بُعْد ، والذي ثَبُت وتأكد عجزه عن الإتيان بـ نصر عسكري ، فـ نصر سياسي ، للذي يأخذ به.الولايات المتحدة تدرك خيرا من سواها ما يعنيه استراتيجيا وجود قنبلة نووية إيرانية في جوار أهم المصادر للطاقة النفطية في العالم، ففي مناخ نووي كهذا لا بد للنفط من أن يختلف كثيرا لجهة الإنتاج والتصدير والأسعار.. ولجهة القواعد السياسية والاستراتيجية للعبته الدولية.إنَّ السؤال الذي ينبغي لإدارة الرئيس بوش إجابته بقليل من الجنون، وبكثـــــير من التعقُّل، هو الآتي: كيف لها أن تَحُول، بوسيلة غير الحرب، بين إيـــــران النووية وبين صنعها وامتلاكها للقنبلة النووية؟ توصُّــــلا إلي إجابة كهذه، ينبغي لها أولا أن تقر بحق إيران في الاستخدام السلمي والمدني للطاقة النووية؛ ثمَّ ينبغي لها أن تغري إيران، سياسيا واقتصاديا، بالبقاء دولة لا تصنع القنبلة النووية وإنْ امتلكت القدرة علي صنعها. العقوبات ليست بالسلاح المجدي لجهة منع إيران من المضي قُدُما في برنامجها النووي؛ أمَّا الحــــرب عن بُعْد فلن تأتي إلا بنتائج تذهب بما توقَّعته وأرادته واســــتهدفته الولايات المتحدة.قد تجنح الولايات المتحدة، إذا ما جنحت للتعقُّل والحكمة، لحلٍ يقوم علي توازُن المصالح بينها وبين إيران، التي في هذه الحال ستكون الفائز الأكبر. أما الخاسرون فأصغرهم إسرائيل، وأكبرهم العرب، الذين في ليلتهم الظلماء سيفتقدون البدر العراقي!لقد صنعنا بأيدينا، وبـ التعاون مع دولنا وحكوماتنا، كل أسباب عجزنا القومي الشامل.. عجزنا عن إنشاء وتطوير علاقة سليمة مع الولايات المتحدة، أكانت علاقة صداقة أم علاقة عداء، وعجزنا عن جعل الحجم النفسي لإسرائيل، أي حجمها في نفوسنا، مساوٍ لـ حجمها الواقعي ، وعجزنا عن إنشاء وتطوير بنية تحتية للانتماء القومي، وعجزنا عن التمثُّل بـ إيران النووية ، والذي منه، ومنه فحسب، نبتني عداءً عربيا لإيران، فمتي كان لـ العداء المفيد مَصْدَرٌ كهذا؟!كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية