لِمَ لا تتحرر القصيدة من القافية؟

نعرف جميعا أن القافية لازمة إيقاعية في «قصيدة البيت» أو قصيدة الصدر والعجز، ولكننا نغفل عن كونها كلمة تحمل نبض الكتابة، كما تدل على ذلك الأبيات التي استخدم فيها شعراء العربية هذا المصطلح. على أنه ليس من هدفنا في هذا المقترب، استقصاء المصطلح العروضي « قافية» ولا تتبعه في أمهات الكتب التي عنيت به، منذ أن أفرد له الخليل بابا خاصا، في ما وصلنا من نقول عنه، ووسمه بـ«علم القافية» ولا الوقوف على اختلاف علماء العروض في حد القافية ولا تفصيل القول في دقائق مصطلحاتها، من روي وتأسيس ودخيل، وردف ووصل وإقواء، وإكفاء وسناد وإجازة، وإيطاء وتضمين، ففي هذا ثـقل على القارئ، وتكرار لمعلومات لا يخلو منها مصنف في العروض. بيد أنه لزام علينا أن نحد المقصود بالقافية، فهي ليست تلك المحددة تحديدا عروضيا، أي هي من «آخر حرف في البيت إلى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن». وهو تعريف الخليل القائم على لوازم القافية من حروف وحركات؛ إنما المقصود بالقافية في السياق الذي نحن به «آخر كلمة في البيت» أو»الكلام الذي هو آخر البيت» بل هي «البيت» و«القصيدة» أيضا؛ وهو من باب تسمية الكل بالبعض. فهذه هي المعاني التي يدير عليها الشاعر المأخوذ بالوزن ولوازمه، مصطلح القافية، بل لعل الأصوب أن نقول إن القافية موضوع من موضوعات القصيدة وليست مجرد أداة من أدواتها. فهي تبرح وظيفتها المعنوية الإيقاعية إلى ماهية الشعر نفسه، حيث هي أمارة على الكيفية التي تصنع بها القصيدة ويجود البيت.
وقد لا يخلو الأمر من مفارقة، ففي «قصيدة البيت» ذات الشطرين، لا تظهر القافية إلا انطلاقا من البيت الذي تتمثل هي صورته ولحظته الواهبة، على الرغم من أنها مستقرة في آخره، لا تبرح «بابها الخلفي»؛ والبيت أشبه بفضاء بوجهين أو بابين. ولذلك يظل تعريف الخليل لها، وهو تعريف عروضي إيقاعي، أكثر دقة من سائر التعريفات اللاحقة عليه. وكأن الخليل حدس أن في القافية شيئا ما، يستعصي على الإدراك ويتخطى حجزها في كلمة. فهي صورة زمانية ومخيلة سماعية تقع على الدال ولا تستدعي صورة المدلول ضرورة إلا إذا جرى ذلك اتفاقا أو مصادفة؛ إذ يمكن أن يشكل «آخر حرف إلى أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن» كلمة تامة أو كلمتين. وفي ما عدا ذلك فإن إدراك القافية لا يقتضي تماثل الأطياف الصوتية المنظومة تماثلا قويا، وإنما وحدة صوتية.

كيف يصنع شاعر البيت قصيدته؟

أما مذهب «حذاق الكلام» في صنعة الشعر بعبارة ابن رشيق القيرواني، فيقوم على جمع عدد من القوافي تصلح للوزن الذي تخيره الشاعر، أو الذي هو فيه، وكتابتها، ثم يعمد الشاعر إلى هذه القوافي/ الكلمات، فيجيل فيها نظره، ويعيد عليها تخيره، في حين الصنعة، فيأخذ منها ما يأخذ، ويطرح ما يطرح.

ومهما يكن، فإن عمل الشعر، على نحو ما يصفه ابن رشيق، لا يمكن أن يشمل كل شعر، بل إن ابن رشيق نفسه، يميز في مواضع مختلفة من كتابه، بين شعر الشاعر لنفسه وفي مراده وأمور ذاته، من مزح وغزل ومكاتبة ومجون وخمرية وما أشبه ذلك، وبين شعره في «قصائد الحفل» مثل المديح والرثاء.

وواضح من هذا الكلام أن من الشعراء من يضع القافية، أو يتخذ منها علما منصوبا يستدل به في كتابة البيت، وكأن منشأ البيت آخر كلمة في العجز، وليس أول كلمة في الصدر. وهو ما يستخلص من قوله: «وذلك هو التصدير في الشعر» أو ما يسمى «رد العجز على الصدر» وهو أن يجعل الشاعر أحد اللفظين المكررين، أو المتجانسين أو الملحقين بهما «بأن جمعهما اشتقاق أو شبهه» في آخر البيت، والآخر إما في صدر المصراع الأول أو في حشوه أو في آخره. وليس بالإمكان أن نحمل كلام ابن رشيق على غير ما حملنا، فالبيت، في وصفه، إنما يتولد من القافية، أو أن القافية هي الأصل والمنشأ والمبتدأ، أو هي الكلمة الأولى الواهبة، أو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة، ومما يؤكـد ذلك قوله: «والصواب ألا يصنع الشاعر بيتا لا يعلم قافيته». وقوله في باب التصدير: «وهو أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض. ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك، وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقا وديباجة، ويزيده مائية وطلاوة».
وكانت صناعة الشعر، عند أكثر القدامى تجري على هذه الجادة، وتقتضي مثل هذا الصنيع. من ذلك قول ابن طباطبا وإن كان كلامه إلى الشاعر المبتدئ: «فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة محض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه. فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته». وإلى مثل هذا ذهب حازم القرطاجني في «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» فالشاعر عنده إنما يتخيل، وهو ينشئ قصيدته المعاني الأوائل، فالمعاني اللواحق، فالمناسبة فالأساليب فالقوافي فالوزن ومقاديره ومواطن العلل والزحاف فيه. ولا نخال شاعرا كالمتنبي، وشعره منبت كثير من قواعد «المنهاج» الشعرية، كان يحذو هذا الحذو المنطقي الصارم، في عمل الشعر. ولكن قد يشفع لابن رشيق وغيره من القدامى، أنهم حدسوا العلاقة العضوية بين مكونات القصيدة، فقد ذكر ابن رشيق أن من الشعراء «من إذا جاءه البيت عفوا أثبته، ثم رجع إليه، فنقحه، وصفـاه من كدره». ومنهم من «لا يثبت البيت إلا بعد إحكامه في نفسه وتثقيفه من جميع جهاته». ومنهم «من يسبق إليه بيت واثنان، وخاطره في غيرهما: يجب أن يكونا بعد ذلك بأبيات أو قبله بأبيات». وعد ذلك من قوة الطـبع وانبعاث مادة الشعر. وذكر أن من عيوب الصنعة ونقصها البين أن ينصب الشاعر قافية بعينها، لبيت بعينه، مثل أن تكون ثالثة أو رابعة، أو نحو ذلك، فلا يعدو بها ذلك الموضع إلا انحل عليه النـظم، وصار «محصورا على شيء بعينه، مضيقا عليه، داخلا تحت حكم القافية «. وألمح حازم في إضاءة من إضاءاته إلى أن البيت قد ينتظم كله دفعة في غاية السهولة والبعد عن التكلف».
فلعل الأمر عندهم لا يعدو كونه محاولة لاستبطان ما يجري في نفس الشاعر وهو ينشىء قصيدته، من عمليات لا يمكن إلا أن تكون متعاقدة، ينهض بها الشاعر معا، إذ ليست القصيدة تأليفا لعناصر أو أجزاء منفصل بعضها عن بعض؛ فإذا عاينها النـاقد متفارقة، فإنما ليحلـل مكوناتها وبواعثها والكيفية، التي بها تقول وتشتغل.
ومهما يكن، فإن عمل الشعر، على نحو ما يصفه ابن رشيق، لا يمكن أن يشمل كل شعر، بل إن ابن رشيق نفسه، يميز في مواضع مختلفة من كتابه، بين شعر الشاعر لنفسه وفي مراده وأمور ذاته، من مزح وغزل ومكاتبة ومجون وخمرية وما أشبه ذلك، وبين شعره في «قصائد الحفل» مثل المديح والرثاء. ففي الأول يقبل منه عفو الكلام، وما لم يتكلف له. وفي الثاني لا يقبل منه «إلا محككا، معاودا فيه النـظر جيدا، لا غث فيه، ولا ساقط ولا قلق». ويميز أيضا بين البديهة والارتجال: فالبديهة تقتضي أن يفكـر الشاعر يسيرا ويكتب سريعا، إن حضرت آلة الكتابة «لأن البديهة فيها الفكر والتأييد» على حين أن الارتجال انهمار في الكلام وتدفـق، لا يتوقـف فيها قائله.
من ذلك أن ما يسميه ابن رشيق «قصائد الحفل» مثل المديح والرثاء وغيرهما من الشعر الذي يتوجه به الشاعر إلى أصحاب السلطان، كان يتطلـب وقتا وجهدا، ويدون ويراجع مرارا. ولم يكن بالنظم الآني ولا بالتدوين السريع المباشر. وفي المصنفات الأدبية القديمة، أكثر من خبر عن هذا التـدويـن المتأني والكتابة المحكمة. وبعضها لا يخلو من طرافة. من ذلك رواية عن سلم الخاسر، نقلها أبو الفرج عن أحد أصدقاء سلم. قال: «دخلت يوما على سلم الخاسر وإذا بين يديه قراطيس فيها أشعار يرثي ببعضها أم جعفر وببعضها أقواما لم يموتوا، وأم جعفر يومئذ باقية، فقلت له: ويحك ما هذا؟ قال: تحدث الحوادث، فيطالبوننا بأن نقول فيها، ويستعجلوننا، ولا يجمل بنا أن نقول غير الجيد، فنعد لهم هذا قبل كونه، فمتى حدث حادث آخر، أظهرنا ما قلناه فيه قديما».
على أن ما يعنيني في خاتمة هذا المقال، أن البيت «لا شكلي» ما لم يتوضب فيه فعل التقفية ولم يلحم كلماته. والقافية، بهذا المعنى، مسافة وحد، وأثر ومدى، وشكل وصورة. والسؤال هو: إذن، لِمَ لا يتحرر منها، وهي لازمة من لوازم البيت، القصيدة الحرة أو «قصيدة التفعيلة» التي أعدها «قصيدة النثر العربية»؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية