ليت غباغبو الوحيد في افريقيا

حجم الخط
0

مصطفى رحماني تلك هي افريقيا… القارة السوداء المليئة بالتناقضات والتجاذبات وقوم تبع لهؤلاء أو لأولئك.. قارة تجمعها الأمراض والأوبئة التي تعود بها إلى الأزمنة الغابرة، توحدها في الحين ذاته المجاعة والفقر وانعدام التنمية، تمزقها الحروب، على شاكلة داحس والغبراء، كما أنها تحمل في جوفها حنينا إلى عصور ما قبل التاريخ، ولكنها تتطلع مرغمة في الآن نفسه، محاولة أن تحجز مكانا لنفسها على مشارف القرن الواحد والعشرين.. تحمل في باطنها ثروات الذهب والماس والنحاس والعاج والبترول، ولكن تقبع على كراسي رئاستها ديناصورات تنتمي قسرا إلى عصور ما قبل التاريخ.

قد يكون من الظلم والجور جر افريقيا هاته إلى حدائق الديمقراطية الغناء، وهي القارة التي لا تغرد فيها البلابل، بعد أن ولت هاربة بلا رجعة، لان سماءها ملآى بالغربان السود، ولا لشم عبيق الحرية الناعم لان رائحة الموت والدم والحروب والنزاعات الطائفية والقبلية ذات سيادة فيها، استأسدت فيها الغربان وعلا صوتها، فها هي تبدو مكسورة الجناح، حتى وان كانت أعين العديد من أبنائها ترنو أملا إلى نتائج صناديق قد تثور عليها قبلا، وتكسرها غصبا إن هي لم تكن في صالح التسعات الأربعة التي عودتنا عليها منذ زمن ليس بالقريب، ولم تفرز الفارس الوحيد الموعود.

قد لا يكون لوران غباغبو رئيس جمهورية ساحل العاج المنتهية ولايته قد جانب الصواب حين رفض التنحي عن السلطة، فليس وحده في القارة السمراء من يرغب في الموت فوق كرسي الرئاسة، فلا حديث فيها عن شيء اسمه التداول، فلا حماقة في تصرفه إذا لم يقبل الدخول في العملية الانتخابية على مضض، فليس جديدا على غباغبو والعديد من زملائه الأفارقة في منتدى الاتحاد الافريقي، كما يسمى ضرورة، ابتكار طرق جديدة حديثة تمكنهم من الخلود على الكرسي، ولتذهب بعدها شعوب افريقيا مجتمعة إلى الجحيم. ذلك هو ديدن الديكتاتوريات المتشبثة بقشة الخلود في الحكم… شعوب قدرها أن تبقى رهينة حسابات مافيوية، ومما يحسب لغباغبو هذا انه لم يقم بعملية التزوير المفضوح، مثلما هي الحال هنا أو هناك، ولم يورث السلطة لابنه أو أخيه، كما الأمر في العديد من الدول، وأكثر من ذلك فلم يكن غباغبو جنرالا أو عقيدا قاد انقلابا أوصله إلى سدة الحكم، كما هي السنة عند العديد من الدول الافريقية والعربية، وهو أمر يحسب له، لأن الاتحاد الافريقي يهدد بأنه لن يعترف بأي كان سيصل إلى الحكم عن طريق القوة، رغم الأمثلة الواضحة هنا وهناك وتم غض الطرف عنها ليس لاعتبار أن حججهم قوية بقدر ما يمثل امتهانا للقرار الافريقي الفاقد المصداقية منذ الأساس، فقد يقول قائل بأن غباغبو حاد عن الطريق الذي رسمه بمعية زملائه في الاتحاد الافريقي، لكن هو لم يمارس القوة في الوصول إلى السلطة، بل وصل عبر انتخابات اقل ما يقال عنها انه يشوبها ما يشوب كل انتخابات العالم الثالث، ولكنها كانت بداية طي صفحة من الممارسات الأحادية، ومضى الأمر بعدها إلى نشوب الحرب الأهلية التي انطفأت ذروتها بعد إقرار العودة إلى الديمقراطية والمصالحة، فغباغبو لم يمارس التزوير أبدا بحسب المحللين، فالنتائج المعلنة كانت إلى حد ما واقعية 45′ و54′ وهو بعيد جدا عما وقع في مصر قبل أيام مثلا.. وليست من قبيل التسعات الأربعة في شيء.. فالأمر هو أن افريقيا لازالت في بداية الطريق، ولم يرق لغباغبو الذي كان يقبع على كرسي الحكم لمدة 10 سنوات أن يغادره طوعا ويفسح المجال لمن هو اقل منه شأنا ولا يملك من القوة العسكرية شيئا، غباغبو هذا المدعوم من طرف المؤسسة العسكرية يأبى أن يفارق الكرسي شأنه شأن العديد من نظرائه الذين يموتون على كراسيهم ولا يزحزحهم سوى الإطاحة بهم عن طريق انقلاب عسكري، فهل هناك منهم من يمتلك الشجاعة بأن يقول لشعبه وأمته ولقارته، إنني قدمت واجبي وقد آن الأوان لأن أترك الأمر لمن يخلفني.. تعالوا وخذوا كرسيكم مني وأجلسوا عليه من تريدون.. لم يحدث هذا قط.. ولا أخاله سيحدث… وقد تكون المعجزة أن يحدث حيث ينصرف أحد الحكام عن كرسيه طواعية قبل أن تخطفه المنية، أو يباغته على حين غرة متربص به من هاته الجهة أو تلك. فما وجه الغرابة في أن يستحدث غباغبو هذا الأسلوب الجديد للخلود في السلطة، ما دام الأمر سيان وكلها هي افريقيا مجتمعة، وجهان لعملة واحدة هي العملة الافريقية، ولربما وللأسف الشديد العملة الخالدة.

أقدم الاتحاد الافريقي على تجميد عضوية ساحل العاج، كما أن الأمم المتحدة عن طريق ممثلها في البلاد وأمينها العام ومجلس أمنها نددت بخرق المسار الديمقراطي وتحفظت على بقاء غباغبو في السلطة وطالبته بالانسحاب فورا، ومن جهتهم حلفاء ساحل العاج يتحفظون على إبداء رأي واضح وصريح قصد توضيح ما يجري في ذلك البلد الافريقي الممعن في السمرة… ديمقراطية ناشئة في بلد خرج لتوه من أتون الحرب الأهلية ومخالب الانقسام، في حين لم نلحظ ذلك بنفس التعبير ولا الوتيرة في ما حدث في انتخابات مجلس الشعب المصري يوم أعيدت تلاوة التسعات الأربعة على مرأى ومسمع من العالم أجمع، ولم نسمع حينها لا تهديدا ولا وعيدا ولا تعليق عضوية ولا غير ذلك، لأن حلفاءها ليسوا بمنزلة حلفاء ساحل العاج، ووزن مبارك مصر ليس من قبيل غباغبو هذا.

افريقيا التي تضم من وصل إلى السلطة عن طريق الانقلاب، وكذا من ثم يخلد في الحكم على مدار خمسة عقود وزيادة، جمهوريات الموز التي تهب عليها رياح الثورة الشعبية ليس لنقض الحكم فيها ولكن لقيام الحرب الأهلية وفقط، إنها فعلا هذه هي افريقيا المريضة بجميع مكوناتها، تقاليدها الضاربة في العمق الافريقي الأسود، القارة التي لم تنفع معها جهود التنمية ولا برامج مكافحة الفقر مادامت مواردها تستنزف من تحت أقدام أبنائها الذين يعيشون الفقر المدقع لصالح الشركات متعددة الجنسيات، قادتها ينتقون القصور والمنتجعات على ضفاف الأنهار في القارة العجوز ويمتلكون في باحة الاليزيه ما لا يمتلكه أبناء البلد.. يكتنزون بالمقابل في حسابات العملة الصعبة في العديد من البنوك الأجنبية، ويضعون في المقابل يدا على الحقيبة، وكذا طلبا للجوء السياسي جاهزا وقتما قررت الجهات الأخرى إنهاء مهامها على عجل، في مقابل ذلك هناك شعب يقتات من الفريسة التي تخلفها الضباع الهائمة في أدغال افريقيا السوداء أو ليمت جوعا إن شاءت الأقدار ذلك، شعب تمزقه النزاعات والحروب الطاحنة، يتساوى الموت والحياة في افريقيا، كما يتساوى فيها الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، فخلال جولة بسيطة في عواصم هذه القارة المريضة تجبرك على إحالة الغالبية من حكامها الى المتحف، حكام أكلهم الصدأ، مزقت أجسادهم أمراض التخمة، يترنحون بين حكام مرضى ومعتوهين ومغيبين بين الحياة والموت، يتحكمون برقاب شعوبهم، يتكلمون باسمهم، يمضون الاتفاقيات على ظهرهم، يأكلون ويشربون ويستنزفون من خيراتهم ويضحكون في الآن نفسه على ذقونهم، تلكم آلية جديدة من آليات الحكم المتقدم في العالم الافريقي المائع الذي يأبى الانصياع لمنظومة التقاليد الإنسانية الحديثة، حيث لم تنتج لنا الديمقراطية الافريقية على غرار ما يحصل هنا وهناك ولم تكن البداية فيما حصل في ساحل العاج فما الأمر سوى أن أنجبت لنا دولة تنساق وراء نابي فيل أحدهما في الشمال وآخر في الجنوب، ولتذهب ساحل العاج بعدها إلى الجحيم.

ليس في ما يحصل هذه الأيام في ساحل العاج ما يثير الغرابة، فافريقيا بطولها وعرضها مملوءة بغباغبو وأمثاله، فهو لم يخترع جديدا، فانطلاقا من مصر الفرعونية ووصولا إلى زيمبابوي الموغابية وهلم جرا من السودان وغينيا وأنغولا وغيرها كثير هنا وهناك ممن أمعنوا في إذلال شعوبهم وتمزيق دولهم، وسلب خيراتهم، وكانوا أسوأ من موغابي هذا. ‘كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية