مآسي الحج في عصر التقدم التقني والتخلف الاداري
د. عبد الوهاب الأفنديمآسي الحج في عصر التقدم التقني والتخلف الاداري أصبح ما يعرف بالسياحة الجماهيرية سمة من سمات عصرنا، ففي اوقات محددة من كل عام يتدفق ملايين الزوار علي بقاع معينة من العالم، من ابرزها السواحل الجنوبية لفرنسا واسبانيا وايطاليا، وملاهي ديزني في باريس وفلوريدا وكاليفورنيا وغيرها من مناطق جذب الزوار. وفي كل هذه المناطق، خاصة ملاهي ديزني، ابتكر المنظمون وسائل تنظيمية وتقنية متطورة لضمان انسياب مئات الآلاف من الزوار يوميا دون تزاحم ملحوظ، وبالقطع بدون حوادث مأساوية متكررة.(2)المشاعر المقدسة في مكة المكرمة وما حولها، وخاصة مني وعرفات، ليست اذا بدعا من الاماكن التي يتدافع نحوها مئات الآلاف من البشر في فترات معينة، سوي ان التزاحم في مكة والمشاعر يقتصر علي فترة معينة من العام لا تتجاوز ايام معدودات، بخلاف الاماكن الاخري التي تستقبل تدفق ملايين السياح لاشهر، واحيانا طوال العام كما هو حال ديزني لاند.(3)لماذا اذن لا نسمع بكوارث تدافع في ديزني لاند كل اسبوع، بينما لا يكاد يمر عام لا تقع فيه حوادث كارثية في المشاعر المقدسة؟ هل لأن الامر قدر مقدور لا يملك انسان دفعه كما يردد المسؤولون السعوديون؟ ولماذا لا يقع قدر الله الا علي الحجاج المحرمين الملبين بينما ينصرف عن رواد الملاهي وغيرهم من عباد الله الآخرين؟(4)هناك عدة عوامل تجعل كوارث الحج قدرا محتوما، ابرزها دأب الحجاج علي التقاطر نحو نقطة واحدة في وقت واحد في منطقة رمي الجمرات في مني، والذين يدفعهم لهذا هو فتوي متنطعة للعلماء السعوديين ظلت تؤكد علي وجوب الرمي في وقت محدد (تراجع البعض عنها لحسن الحظ).(5)هناك عوامل اخري ابرزها سوء المواصلات وتخلف تقنية التنقل في مكة والمشاعر. فالطريق الوحيد من والي المشاعر هو بالسيارات، مما يخلق زحاما لا مثيل له، ويفرض علي الجموع قضاء ساعات متواصلة في الاختناقات المرورية، وهو بدوره ما يدفع الحجاج للخروج من مني في عجلة لتجنب الزحام. في الحرم الملكي ايضا تستخدم وسائل بدائية، مثل الحمل علي الاكتاف، لحمل الضعفاء او المقعدين من الحجاج ومساعدتهم علي قضاء مناسكهم.(6)الحكومة السعودية اختارت الا تقيم مشروعات متطورة للنقل والمواصلات في الحرم والمشاعر، مثل السكك الحديدية، او مترو الانفاق او السيور المتحركة او غيرها من الوسائل، وقد يكون السبب هو عدم الجدوي الاقتصادية لمثل هذه المشاريع، خاصة وان فترة اقامة الحجيج بالمشاعر لا تتجاوز الاسبوع كل عام. وقد يكون السبب هو الحرص علي مصالح اقتصادية لمن يقدمون خدمات النقل ومساعدة الحجاج المقعدين.(7)اذا كان العامل الاقتصادي هو الاهم، كما هو الارجح، فمن الممكن ان تطلب الحكومة السعودية من الدول الاسلامية والقادرين من المسلمين التبرع لتغطية نفقات اقامة نظام مواصلات متطور بغرض التيسير علي جميع الحجاج وتجنب الكوارث مستقبلا. ويمكن ايضا جمع مبالغ لتعوض من تتضرر مصالحهم من التطوير والتحديث، وستجد الكثيرين من المتحمسين للمساهمة في هذا العمل الخيري.(8)كوارث الحج هي بالفعل قدر مقدور، مثلها في ذلك مثل الطاعون وانفلونزا الطيور والفقر والتخلف والحكام الجهلة، ولكن الله يبتلي الخلق بقدره لينظر كيف يعملون، ومدي همتهم واجتهادهم في التخلص من هذه البلايا والرزايا والتعامل معها.9