مأرب في قلب الاصطفافات الإقليمية والدولية الجديدة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

كان اليمن من البنود الأولى في سياسة الرئيس الأمريكي الخارجية، حيث أكد في خطاب له بوزارة الخارجية على أهمية وقف الحروب الدائمة أو التي لا تنتهي، وكان قراره الأخير سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول الذكرى العشرين لهجمات 9/11 متماشيا مع فكرته عن السياسة الخارجية التي تركز أقل على أزمات الشرق الأوسط وتتعامل بجدية مع التحدي الصيني والروسي.

لا يعرف

وكان من ضمن تحركات الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن اليمن تعيين مبعوث خاص لها وهو تيموتي ليندركينغ الذي قدم يوم الأربعاء رؤيته عن دور الولايات المتحدة في اليمن. وقال إنه لا يعرف عن طبيعة دور الجيش الأمريكي في اليمن، وذلك عندما سأله المشرعون في الكونغرس. وقال إنه لا يعرف إن كان قرار الرئيس بايدن وقف الدعم العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية ضد الحركة الحوثية التي تدعمها إيران قد طبق. وقال «لست في دائرة المعلومات» ولا يمكنه والحالة هذه الحديث عن الموضوع. وأكد أنه معني في المقام الأول بالتوصل لاتفاق وقف للنار «حتى نخرج من سؤال السلاح الهجومي والدفاعي» في إشارة لصفقات السلاح الأمريكية التي أوقفتها إدارة بايدن للمراجعة التقليدية، بخاصة أن الإدارة السابقة لدونالد ترامب هي التي أقرتها. وكان المشرعون الأمريكيون الذين ضغطوا لوقف الدعم الأمريكي للحرب التي تقودها السعودية قد كتبوا رسالة بداية هذا العام طلبوا فيها من بايدن توضيحات حول ما يعنيه بالضبط وقف الدعم العسكري. إلا أن الإدارة ومنذ إعلان السياسة في شباط/فبراير لم تقدم أية تفاصيل حول دور الجيش الأمريكي في الحرب. ووصف ليندركينغ في شهادته كلا من السعودية والإمارات بالشركاء وإيران بالدولة الإرهابية، بشكل عكس الموقف الأمريكي الجيوسياسي. وقال «لو استمر الحوثيون في علاقاتهم مع دولة إرهابية مثل إيران فهذا لا يحمل منظورا جيدا للأمن والسلام في اليمن». وتأتي شهادة المبعوث الأمريكي الذي أكد فيها على أهمية فتح المعابر الجوية والبحرية مثل الحديدة التي تعتبر الشريان المهم لنقل المواد الغذائية في بلد يعيش معظم سكانه على المساعدات الإنسانية ووصفته الأمم المتحدة بأن يعاني من «أسوأ كارثية إنسانية في العالم» ويواجه أزمات إنسانية مركبة من نقص الطعام والدواء وتداعي البنية الصحية التي دمرت بفعل قصف التحالف، وانتشار وباء فيروس كورونا. كل هذا إلى جانب حروب متعددة تتصارع فيها الأطراف على توسيع مناطق نفوذها، سواء في الجنوب أو الشمال. وفي الوقت الذي تقول فيه الإمارات العربية المتحدة، الحليف الرئيسي للسعودية في الحرب إنها سحبت قواتها من اليمن في 2019 إلا ان الناشطين اليمنيين والدوليين يؤكدون استمرار مشاركتها في الحرب، بخاصة منطقة الجنوب التي سيطرت فيها على الموانئ الحيوية فيها. وبعد سبعة أعوام من الحرب التي شنتها السعودية بعد سيطرة الحوثيين، القادمين من الشمال على صنعاء لم تتحقق أهداف الحرب «السريعة». فمن المعروف أن الانتصار الحازم لم يعد على الأجندة، وهو ما يشي عنه رفض الحوثيين لمقترح وقف إطلاق النار من السعودية، فهم ليسوا متعجلين لنهاية الحرب التي يخوضونها على عدة جبهات منها الحملات الصاروخية على الأراضي السعودية. ويعلنون كل يوم أنهم أصابوا منشآت نفطية وقواعد عسكرية وبنى تحتية.

واحة مأرب

ويرى الحوثيون أن المقترح السعودي جاء من أجل وقف تقدمهم على مدينة مأرب التي تعتبر مركز الصناعة النفطية اليمنية وتوسعت هذه المدينة الصحراوية بسبب تدفق الفارين من الحملات الحوثية وبأعداد كبيرة. فهذه المدينة الأسطورية التي عاشت فيها ملكة سبأ ظلت واحة استقرار وسط حروب متعددة، وأصبحت رمزا عن اليمن ومستقبله. وفي تقرير ميداني لشبكة «سي أن أن» (23/4/20121) قالت فيه إن مأرب هي البوابة للثروة النفطية في البلاد وهي مركز للفارين من الحرب أو النازحين داخل بلادهم بحيث زاد عدد السكان فيها إلى مليوني نسمة، وهي أيضا آخر معقل لحكومة عبد ربه منصور هادي الذي أطاح به الحوثيون في عام 2015 وأجبروه على الفرار إلى السعودية. ولو خسرت الحكومة مأرب فلن يكون لديها أوراق نفوذ قوية على طاولة المفاوضات إن عقدت وستنفع الحوثيين أن بإمكانهم السيطرة على كامل اليمن ومواصلة الحرب. ويسيطر الحوثيون على كل شيء غرب مدينة مأرب بما فيها العاصمة صنعاء، أما القبائل بالمناطق الجبلية جنوب مأرب فهي التي تتحكم بالأمور. وفي الجنوب أعرب المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تدعمه الإمارات ويطالب بالانفصال عن عدم رغبته بالتشارك مع حكومة هادي الضعيفة. وبات اليمن ساحة تصفية حسابات إقليمية، فالسعودية ترغب كما فعلت في الماضي مع جارتها الجنوبية بحكومة مستقرة وصديقة لها في صنعاء. أما إيران، فقد وجدت في الحركة الحوثية التي لا تكلفها الكثير وسيلة لتوريط السعودية واستنزافها ماليا وعسكريا. وتحاول الإمارات عبر المجلس الانتقالي الجنوبي الحفاظ على الوضع في الجنوب كما هو لأن انتعاشا لميناء عدن الإستراتيجي سيؤثر على دبي التي باتت مركزا للنشاط التجاري بالمنطقة. وفي الوقت الذي تؤكد فيه الإمارات على هدف الوحدة إلا أن الكثير من اليمنيين لا يصدقون هذا الكلام ويعتقدون أنهم أصبحوا ضحايا القوى الخارجية.
حصار
ويتهم التحالف بقتل 18.500 مدني جراء القصف الجوي، حسب أرقام الأمم المتحدة. ومنع ناقلات النفط في الأشهر الأخيرة من الرسو في ميناء الحديدة زاد من نقص المحروقات. وفي الوقت نفسه اتهم الحوثيون بجر البلد إلى الأزمة عبر سيطرتهم على مناطق واسعة في الشمال، وهناك من يرى أن الإمارات لديها مصلحة راسخة في استمرار الفوضى بالبلد. ومن هنا تأتي أهمية مدينة مأرب، فهي بعيدا عن الحرب والقيادة المهلهلة قد تكون ساحة للاستقرار وتقف على احتياط من النفط والغاز الطبيعي يكفي لمساعدة 16.2 مليون نسمة أو نصف السكان ويخرجهم من الجوع والمعاناة التي يعانون منها. ووصف وزير في الحكومة اليمن بأنها «ماسة ولكن بيد تجار الفحم الحجري» ولكن اللوم لا يقع فقط على النخب المتحاربة بل وعلى العالم الخارجي، ففي مأرب ووسط الحكومة يحملون الرئيس بايدن المسؤولية وقراره شطب الحركة الحوثية من القائمة الأمريكية لرعاة الإرهاب، مما جرأ الحوثيين ودفعهم على مواصلة حربهم ضد المدينة التي يرون أنها باتت تمثل اليمن وسكانه الذين فروا من كل مناطق النزاع. ويحاول اليمنيون فهم السبب الذي دفع بايدن لإلغاء قرار اتخذته إدارة دونالد ترامب في الساعة الأخيرة قبل مغادرتها البيت الأبيض وإن كان نتاجا لسوء تقدير أم انه مرتبط بسياسة واشنطن الجديدة للدفع باتجاه التفاوض مع إيران والعودة إلى خطة العمل المشتركة الشاملة أو الاتفاقية النووية التي وقعها باراك أوباما مع طهران عام 2015 وبمشاركة عدة قوى دولية. فربما كان شطب الحركة من قوائم الحركات الراعية للإرهاب بمثابة «عظمة» رماها بايدن لداعمتهم إيران، ومهما يكن من أمر فإن القرار يثير مشاكل للمستقبل. فقد خلق عن قصد أو بدون قصد فتحة للحرب في اليمن أنعشت الحوثيين ودفعتهم للوصول إلى مأرب. ويحاولون من خلال الضغط على مأرب خلق وقائع على الأرض بحيث يكون موقفهم قويا عند بدء المفاوضات. ويطالب حكام صنعاء، بعملية وقف إطلاق للنار تتم على ثلاث مراحل: وقف الغارات الجوية، ووقف إطلاق النار على الحدود السعودية- اليمنية ثم يتم الحديث عن وقف إطلاق النار في داخل اليمن. وما يمنع سقوط مأرب هي الغارات الجوية السعودية التي تدعم جيشا منتشرا على مساحات واسعة وبمعدات عسكرية قديمة وبدون إمدادات ويعوض نقصه المقاتلون من القبائل الذين يحاولون منع تقدم الحوثيين. والمخاوف لا تزال قائمة عن سقوط المدينة بعد خسارة القوات الخاصة قائدين في الفترة الأخيرة مما هز قوات الحكومة. ومن هنا فسقوط مأرب لا يعني فقط خسارة الحكومة معقلا آخر من المعاقل التي خسرتها في السنين الماضية، بل وستكون هناك تداعيات إنسانية، حيث سيحاول النازحون البحث عن مكان لجوء آخر أو مواصلة المعاناة تحت سلطة الحوثيين الذين أثبتوا كغيرهم من أطراف النزاع في الحرب الجارية قسوة ضد السكان.

محادثات سعودية-إيرانية
ضمن هذا السياق يمكن فهم المحاولات السرية للحوار بين السعودية وإيران، حيث كشفت صحيفة «فايننشال تايمز»(19/4/2021) عن محادثات في بغداد وكان موضوعها اليمن. ورغم نفي المسؤولين السعوديين المحادثات مع إيران إلا أنها فهمت على انها جزء من محاولات بايدن وقف الحرب أو بحث السعودية عن مخرج من اليمن عبر الحديث مع طهران راعية الحركة الحوثية للضغط عليها والقبول بوقف النار ومنع سقوط مأرب. ويرى ديفيد غاردنر في مقال بصحيفة «فايننشال تايمز» (20/4/2021) أن المحادثات وإن كان طابعها استشكافي إلا أنها تعتبر جزءا من بالونات اختبار لجس النبض حول إمكانية التعاون في الملفات الإقليمية، كما أنها جزء من محاولات إدارة بايدن العودة إلى الاتفاقية النووية. ويقود مبعوثه الخاص روبرت مالي فريق مفاوضات غير مباشرة في فيينا مع الجانب الإيراني. ورأت صحيفة «واشنطن بوست» (23/4/2021) أن الإدارة تحاول دراسة مجمل العقوبات المفروضة على إيران وتصنيفها بين ممكن وغير ممكن وقيد الدراسة. ذلك أن شرط طهران للعودة إلى اتفاقية 2015 هو رفع العقوبات كلها، بما فيها تلك التي فرضها ترامب ضمن استراتيجية «أقصى ضغط» وشملت قطاعات حيوية منها المصرف المركزي والحرس الثوري وشخصيات بارزة بمن فيها وزير الخارجية محمد جواد ظريف. لكل هذا تبدو محاولة التباحث بين السعودية وإيران ضمن سياق التحركات الجارية، ففي كانون الثاني/يناير ظهر بالون اختبار بصحيفة «الغارديان» وناقش فيه كل من عبد العزيز صغير وحسين موسويان المرتبطان بالجانبين السعودي والإيراني، أهمية التعاون الذي يأخذ بعين الاعتبار المصالح الأمنية للبلدين. ويبدو أن هذه المحادثات الأخيرة بدأت تقوم بالمهمة. وأشار غاردنر إلى قيام إيران في أيلول/سبتمبر 2019 بشن هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة على منشأة النفط في كل من إبقيق وخريص، ومع أن المملكة أنفقت مليارات على منظومة باتريوت إلا أنها فشلت في صد الهجوم الذي جاء على موجتين كما قال مسؤول عربي بارز. وأظهر الهجوم على المنشآت النفطية أن أمريكا ليست درعا أمنيا يمكن الثقة به.

العراق: دور جديد
وفي هذا الإطار أثار دور العراق في ترتيب اللقاءات السرية، الحديث عن عودته للعب دور إقليمي. وناقشت كاثرين هارفي وبروس ريدل، بمقال نشره معهد «بروكينغز» (23/4/2021) الدور العراقي الجديد. وقالا إن بغداد يمكنها لعب دور «الجسر» بين السعودية وإيران. وأشارا إلى التحسن التدريجي في العلاقات بين السعودية والعراق منذ عام 2015 في وقت شهدت فيه الأشهر الماضية عددا من التطورات المهمة، مثل افتتاح معبر عرعر الحدودي، الذي يعتبر المعبر الرئيسي بين البلدين المغلق منذ 30 عاما. وزيادة الاستثمارات السعودية في العراق 3 مليار دولار من 500 مليون دولار. ثم جاءت المحادثات السرية في بغداد بين السعوديين والإيرانيين. وبعد استعراض تاريخي للعلاقات في منطقة الخليج، قالا إن النزاع فيها ليس قائما على قطبين إقليميين، وهو المفهوم السائد منذ غزو العراق عام 2003 بل هو متعدد الأقطاب أو مثلث، يمثل إيران والسعودية والعراق. والعراق الذي يعتبر الحلقة الأضعف بسبب عقود الحرب، يبحث عن دور لجسر الخلاف السعودي-الإيراني، وكما قال مسؤول عراقي معلقا على المحادثات الأخيرة «من مصلحة العراق أن يلعب هذا الدور، فكلما استمرت الخلافات في المنطقة كلما كانت ساحتها هنا» أي العراق. ومن هنا فالتقارب السعودي-الإيراني يعني منطقة هادئة وعراقا هادئا. ولو أدت المحادثات هذه لوقف إطلاق النار فستكون تطورا مهما ويساعد على وقف أسوأ كارثة إنسانية في العالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية