يعتبر مفهوم الشباب مفهوما اشكاليا تتعدد وتتنوع دلالاته في مختلف الدول والمجتمعات وفي مختلف المنظورات العلمية. ومن جانبها تحدد المنظمات التـــــابعة للامم المتحــــدة الفــــئة العمرية 15-24 كتحديد للشباب. جاء ذلك في اطار تعريف الجمعية العامة للامم المتحدة بغرض السنة الدولية للشباب 1995، في حين تعتمد منظمات اقليمية ومؤسسات اكاديمــية الفئة العمرية 15-35 كتحديد لفئة الشباب. ونحن من جانبنا نعتمد التحديد الثاني باعتباره الاكثر وضوحا وتعبيرا عن واقع الشباب في مجتمعاتنا المعاصرة. والشباب كمفهوم لا يشير الى فئة او شريحة بذاتها بل يشير الى كتلة كبيرة من السكان غير متجانسة في جذورها الاجتماعية، اي ان هناك روافد متعددة يتشكل منها ما نسميه بالشباب. ومن الخطأ الاعتماد في تعريف الشباب بالقول انهم مجرد شريحة عمرية في المجتمع، فهذا لا يعبر الا عن جانب واحد من جوانب التحديد الشامل للشباب… فالشباب يجب النظر اليهم من خلال حجمهم الكمي في التركيب الديمغرافي (شباب المدن/ شباب الريف). وحجمهم الكمي والنوعي في البنية الاقتصادية الحديثة (حضور/غياب)، وحجمهم الكمي والنوعي في البنية السياسية وممارساتها وتنظيماتها الرسمية والاهلية. وكلنا يعلم بان المجتمعات العربية مجتمعات فتية نظرا لتزايد معدلات المواليد (الزواج المبكر وتعدد الانجاب) وبروز ظاهرة الشباب باعتبارهم الشريحة الاكثر عددا من سكان المجتمع. وهؤلاء الشباب وفقا لخصائصهم الذاتية المرتبطة بالعمر والتعليم وبالرغبة في تحقيق مكاسب عالية في الوظيفة والتطلعات لتقدير اجتماعي وسياسي اكبر يصطدمون بنظام سياسي وحكومات بليدة وبائسة تعمل ضمن مؤسسات منغلقة، تعاني من الانسداد ووفق نخب لا مجال معها للتناوب الديمقراطي، بل يتم السماح لقلة من اقرباء الوزراء ومراكز القوى بان يصعدون في مراتب تدريبية بجوار الصف الاول من قيادات الحكومة والدولة. وحتى الاحزاب السياسية وهي بائسة فكرا وممارسة وتتصف بانتمائها الى الشخصيات المتحفية، لا تسمح للشباب بالولوج الى هيئات الحزب القيادية العلياء الا من خلال زبانية ترتبط بالصف الاول من تلك القيادات كبيرة السن والفاقدة للفاعلية. ومن هنا يبقى امام الشباب الاهتمام ببناء قدراته الشخصية في التعليم والتحصيل المعرفي والمهني والعلمي وتمكين ذواتهم من الولوج الى الوظائف ودوائر صنع القرار، من خلال مهاراتهم ومعارفهم، ومع ذلك فهذا الطريق مغلق بفعل الازمات الاقتصادية والفساد وغياب المواطنة المتساوية وعدم وجود ديمقراطية حقيقية تسمح بالتغيير والتناوب في المواقع والمراتب السياسية والادارية. ومن هنا تبدأ مظاهر وعلامات الازمات والبؤس والاغتراب لتحاصر الشباب فتدفع بهم نحو مسارات شتى، اما ان يصطف بعضهم مع النظام الفاسد او الاحزاب البائسة شريكة النظام بفساده او الهجرة والكفر بالوطن والانتماء اليه. في هذا السياق يمكن القول اننا ننظر الى الشباب باعتبارهم اهم الفئات والشرائح الاجتماعية في مجتمعنا العربي من حيث انه يمثل كتلة سكانية كبيرة وهو اكثر دينامية وتطلعا للتغيير واكثر اندفاعا للعمل والانتاج والتفكير المتجدد، والشباب العربي وفي اي مجتمع- هم عماد المجتمع وقواه المنتجة الفعالة يجب النظر اليهم وفق منظور استراتيجي يضعهم في اولويات الاهتمام الحكومي سياسيا واقتصاديا وتعليميا والاهتمام الحزبي ايضا. ومن هنا فتعليم الشباب واكسابهم المهارات اللازمة لحياتهم ولمهنهم اللاحقة انما هو اعداد وتأهيل لمستقبل الوطن كله. والسؤال ما هي الاستراتيجيات التي اعدتها الحكومات العربية للشباب؟ ان تزايد الحجم الكمي للشباب في الوطن العربي كافراد وكطاقات كامنة يبعث على القلق والخوف من كيفية تعامل الدولة وادارتها لهؤلاء الشباب وكيفية توجيههم وتثقيفهم وكيفية استثمار قدراتهم بشكل افضل، ومن ثم كيفية ادماجهم في الدولة والمجتمع باعتبارهم رأس مال بشريا فاعلا. هنا نحتاج الى فهم فئة الشباب من الداخل ولا يمكن التعبير عنهم او الحديث باسمهم، اذ لا بد من ان تسمع الدولة اصواتهم ومطالبهم. ومع ذلك عمدت حكومات ما بعد ثورات الربيع لاستقطاب نفر من الشباب الانتهازي ليكون ممثلا للشباب في بعض المراكز القيادية، فاظهر تبعية وخنوعا لمن قام بتعيينه ولم يعبر بكلمة واحدة عن حاجات زملائه وكل الشباب بمطالبهم السياسية والاقتصادية. فالشباب كفئة عمرية هم الاكثر عرضة للتغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية وفي تذبذب علاقاتهم وتفاعلاتهم، وهي فئة لا تحظى بالاهتمام الكافي من حيث الابحاث والدراسات ولا في السياسات الراهنة والمستقبلية. ومع تعدد وتنوع المتغيرات العولمية وتسارع حركيتها يكون لزاما علينا معرفة انماط التفاعل بين الشباب العربي وبيئته الاجتماعية والاقتصادية وكيفية ادماجه في مسار التشغيل الانتاجي ومسارات الادماج السياسي، ومن هنا كانت الفرصة ماثلة امامهم بثورات الربيع التي علقوا امالا كبيرة عليها لتخرجهم من ازماتهم وتضعهم في بؤرة المشاركة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. لكنهم لم يحصلوا على شيء مما تطلعوا اليه لان ثورتهم تم سرقتها وتمت معاقبتهم امنيا والتنكر لادوارهم. في هذا السياق يكون فهم لماذا شارك الشباب بثورات الربيع العربي ولماذا قدم اغلى التضحيات بالروح والدم. فقد كان مصدقا ان يصنع تاريخا جديدا وانه يحقق تغييرا سياسيا هاما يؤسس لدولة مدنية تمكنه من المواطنة المتساوية التي تضمن العيش والحرية والعدالة، وتساعده في التمكين السياسي وفق الممارسة الديمقراطية الحرة والنزيهة ليصعد من خلالها الى مختلف دوائر صنع القرار السياسي، ودون العلاقات الزبائنية. ومن هنا عمق صدمتهم بحقيقة المشهد السياسي الذي تم اجهاضه وسرقته من رفاق ظن الشباب انهم معه في صف الثورة، فكانت الاحزاب والمكونات التقليدية التي تحايلت على مسار الثورة وعقدت صفقات مع مراكز القوى ورموز النظم السابقة ليعمل جميعهم من اجل اعادة انتاج النظام السابق بتعديلات طفيفة في مواقع بعض القيادات واعادة توزيع البعض الاخر في مواقع مغايرة وخرج الشباب من دائرة الفعل السياسي وصناعة القرار مع انهم صانعو الثورة والمساهمون الاكثر اثرا فيها . وهنا وجد نفسه محاصرا، اما العمل مع مراكز القوى وفق منطق الاستزلام والتبعية او منطق المستأجر لبعض الوقت او المتسول او الهارب الى خارج الوطن او المندمج مع حركات عبثية تمزق الوطن وتدفع به نحو الانهيار. وهذه الامور جميعها لم تكن مصادفة بل هي نتاج ادراك ووعي مخطط وممنهج من اجل تحجيم دور الشباب وتقليص فاعليتهم.. فظهورهم الاول في بدايات الربيع اظهر خوفا وذعرا كبيرين لدى الانظمة ولدى الاحزاب في آن واحد. وهذا يعني اننا ازاء نظم سياسية وحكومات فاشلة تفتقد الى الكفاءة والى الاهلية والتمييز ولا تعبر عن حركية المجتمع وليست مؤهلة لان تكون في موقع القرار في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ مجتمعاتنا العربية، ولا وفقا للاستحقاق السياسي العظيم الذي صنعته الشعوب العربية وفي مقدمتها الشباب الثائر. ففي السابق اعتادت الانظمة على تجهيل الشباب بنظام تعليمي تقليدي لا مجال معه للتفكير والبحث والتساؤل الخلاق ومن خلال نمط تدين وخطاب ديني مغرق بالجهل دونما معرفة حقيقية باصل الدين وصحيحه ومنعته من المشاركة السياسية بذرائع متعددة، وغضت الطرف عن انخراطه في مجالات التغييب العقلي والروحي واسمتها اعلاميا مجالات ترفيهية ودفعت ببعض من هؤلاء الى حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل تحت تبريرات جهادية خدمة للامريكان ومشروعهم الاستراتيجي الذي يقتضي باشعال حروب صغيرة اقليمية لتصفية حسابات لصالحها. واليوم الشباب العربي امام امتحان عسير ومأزق اشكالي لا فكاك منه، الا بتغيير النظم السياسي برمته، من افراد وتوجهات وسياسات واحزاب وولوج الثوار الحقيقيين الى دوائر صنع القرار وبدون هذا الامر لن تتغير السياسات الراهنة، وستبقى الحكومات مرتعشة ومترددة امام صناعة اي تغيير ايجابي يصب في مصلحة عموم المجتمع والشباب اولا. ولا يمكن للشباب ان يخرج من اشكلاته واغترابه السياسي الا من خلال دولة مدنية ديمقراطية تتصف بالادارة الرشيدة وباعتماد سياسات اقتصادية تحقق تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وهنا لا بد ان يكون الشباب فاعلا وساهرا على حقوقه وطموحاته وان يعمل من خلال تكتل شبابي – كتلة تاريخية- تجمع كل فئات الشباب ليخلقوا لانفسهم موقفا موحدا مطالبا وضاغطا بل وصانعا لتغيير يصب في مصلحتهم سياسيا واقتصاديا ومصلحة مجتمعهم وامتهم في آن واحد.