الطاهر إبراهيمعندما انفجرت ثورات الربيع العربي، ظن الرئيس بشار أسد أنه بمأمن – أو هكذا أراد أن يفهم السوريون- من وصول كرة الثلج المتدحرجة من تونس إلى مصر أنها لن تصل سورية. فشل بشار في قراءة نذر الثورة السورية منذ اليوم الأول لاندلاعها. وعندما بدأ المنشقون في الجيش الحر برفع السلاح حماية للمتظاهرين، أخطأ الحساب وظن أنها فقاعة يستطيع اطفاءها -لأنها قليلة العدد والتسليح- بأجهزته الأمنية التي كانت تشكل جيشا آخر موازيا للجيش النظامي. كان أمام بشار عدة فرص كي يدرك خطأ حساباته. لكن كيف يفهم من أرعى سمعه لببغاوات مجلس الشعب وهم يصرخون: بالروح بالدم نفديك يا بشار؟ وحين سالت الدماء وسقط القتلى في درعا التي يعتبرها السوريون أقرب إلى النظام من غيرها من المدن السورية فشل بشار في أن يتصرف بحكمة. كان من المناسب تطييب خواطر أهالي أطفال درعا. لكنه ترك الحبل على غاربه لحماقة ابن خالته العقيد ‘عاطف نجيب’ رئيس الأمن السياسي في درعا. وحين عمت المظاهرات المدن السورية واستعصت على الأمن والشبيحة، أوقع نفسه في الخطأ الاستراتيجي عندما زج بالجيش الوطني ليرعب المتظاهرين. رفض الجنود أن يوجهوا سلاحهم نحو صدور إخوتهم المتظاهرين، فأطلق على الرافضين الرصاص من الخلف.في هذه الأجواء الملبدة والمحتقنة، كانت سورية تدار بعقلية العصابة يساعده في ذلك مجموعة من أقرباء للرئيس احتكرت القرار، ويا ليته كان قرارا في بناء سورية، بل قرارا في تدميرها، حتى أن الأخضر الإبراهيمي قال في القاهرة بعد عودته من روسيا: ‘سورية أمام حل سياسي أو الجحيم’. فما هو هذا الجحيم الذي يحذر منه الإبراهيمي؟ باختصار نقول: ليس عن جدارة وصل بشار أسد إلى سدة الحكم في سورية بل لأنه ابن حافظ أسد الحاكم القوي الذي لم يدخر وسعا ليترك لورثته من بعده ملكا لا ينازعهم فيه أحد. وفي سبيل ذلك اقترف من الموبقات ما لم يفعله حاكم من الحكام الجبابرة في القرن العشرين، ومدينة حماة خير شاهد على مانقول. قد نتفق وقد نختلف من هو الأكثر توحشا من الآخر؟ حافظ أسد الذي دمر نصف حماة وقتل أكثر من 25.000 حموي في عام 1982؟ أم وريثه بشار أسد الذي دمر أكثر من 300 ألف مبنى وقتل حتى الآن أكثر من 60000 سوري؟ لكننا إذا سوينا بينهما في التوحش، فقطعا لن نختلف في أن بشار أسد ليس لديه القدرة على الانحناء أمام العواصف السياسية العاتية، كما كان يفعل أبوه. ففي عام 1980 أفزع حافظ أسد المظاهرة المليونية تجتاح حلب في آذار عام 1980، فدار حافظ أسد حول نفسه مايقرب من180 درجة ليخرج خطيبا في لقاء للشباب، على ما ذكر ‘باتريك سيل’ في كتابه ‘الصراع على الشرق الأوسط’ قال: (إن الإخوان المسلمين في سورية ليسوا كلهم مع القتلة، ولا خلاف لنا معهم إطلاقا بل نحن نشجعهم، ولهؤلاء الحق، بل وعليهم واجب أن يقترحوا علينا وأن يطالبونا بكل ما من شأنه خدمة الدين ورفع شأن الدين).وطبعا انقلب حافظ أسد بعد ذلك على نفسه وأقام سوق المجازر في سورية للإخوان المسلمين حين أصدر القانون 49 الذي يحكم بإعدام كل منتم للإخوان المسلمين. وطبعا كانت الظروف الدولية مواتية للسكوت على المجازر لأن حافظ أسد كان يخدم كل الدول الاستعمارية التي يهمها قمع الشعوب.بالإضافة لمقدرته على الانحناء أمام العواصف والاستفادة من الظروف الدولية، فقد تمتع حافظ أسد بالمقدرة على قيادة ضباطه الذين قادوا المعركة مع الشعب السوري. كما ضبط تطلعاتهم إلى الحكم مثلما فعل مع شقيقه ‘رفعت أسد، الذي استغل مرض حافظ أسد عام 1984 ليجعل من نفسه وريثا له قبل أن يموت، فنفاه خارج سورية بعد أن شفي من مرضه. إضافة إلى فقدان بشار أسد صفات والده في سياسته الداخلية والدولية، فقد اكسب نفسه عداوات دول عربية لطالما مدت يدها لسورية في الأزمات. كما تورط بالإساءة إلى زعامات عربية، وتحالف مع إيران وحزب الله اللذين لا يحظيان بتعاطف الشارع العربي، كما تجاوز كثيرا من الخطوط الحمر. وهذا أفقده تعاطف الدول التي كانت تقف إلى جانب والده. وعندما تفجر الشارع العربي بربيعه الذي ما يزال يزهر ورودا، وقع بالخطأ الفظيع عندما ظن أن الشعب السوري الذي روضه أبوه بالقتل والاعتقال والتشريد، سوف لن يجرؤ على الثورة على حكمه الفاسد الجائر، وكان ذلك خطيئته الكبرى. رفض بشار أسد عندما بدأت ثورة آذار 2011 الوصول مع الشعب إلى الحلول الوسط، ‘بحيث لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم’. وعندما أدرك أن عليه أن يرجع وأن يتراجع بعد أن سقط أكثر من 60000 شهيد، عدا عمن لم تستطع الأمم المتحدة إحصاءه، كان الشعب السوري قد شب عن الطوق، ولم يعد يقبل إلا بحريته الكاملة وبالدولة الديمقراطية على كامل التراب السوري. وأن يرحل بشار عن سوريا طوعا أو كرها. فعل يدرك ذلك بشار أسد قبل فوات الأوان؟.’ كاتب سوري qmdqpt