‘المربد’ 2010: في محاولة رؤية العراق!
بيان الصفديعندما وصلتني دعوة وزارة الثقافة العراقية إلى مهرجان المربد لهذا العام اجتاحتني مشاعر متنوعة، والسبب هو أنني سأرى العراق بعد أن ظننت أنني لن أراه ثانية. كانت مشاعر الخوف والقلق تسيطر على كل من عرف بالأمر، الأهل والأصدقاء وزملاء العمل، الجميع نصحوني بعدم الذهاب ‘ أأنت مجنون؟’ وراحت اتصالات حارة من العراق تؤكد على ضرورة مجيئي وتذليل العقبات الشكلية التي كادت تعيق سفري، أخيراً كنت في صالة الانتظار صباح 21 آذار (مارس) 2010، ومن هناك اتصلت بعدد من الأعزاء لأودعهم لأنني قد لا أراهم ثانية. توسلات أخيرة من البعض بأن ‘ لا تذهب’. كنت مشحوناً بمشاعر لا توصف وأنا أتحرك أخيراً إلى طائرة شركة ‘ أجنحة الشام’ وعذوبة الترحاب في رسالة الأستاذ عقيل المندلاوي: ‘ نحن بانتظارك في مطار بغداد’! عندما كانت الطائرة تحلق لم يكن يبدو سوى أرض قفراء شاحبة، كنت أشعر أنها معجونة بالجثث، أنا السوري الوحيد، والمسافرون العراقيون ينظرون شزراً إلى حامل الجواز السوري وربما يكون قد خطر لبعضهم أن يظن ‘ لعله انتحاري متخف!’. شاهدت من الطائرة صفوفاً كالحة من خنادق لعلها من أوهام حماية بغداد ذات يوم، كذلك بدت تجمعات وخطوط سيارات طويلة، فتهامس الركاب ‘هاي الحواجز’ كما بدا قصر من قصور صدام في غاية الضخامة والفخامة بناء وحدائق. هبطت الطائرة، بدت أكثر من طائرة شحن عسكرية أمريكية ضخمة في ركن عسكري من المطار يعج بالحركة والحواجز والحوائط. تقدمت إلى الجوازات بلا تأشيرة دخول، فأشاروا لي أن أذهب إلى مكان آخر، الملامح قاسية ومرتبكة وشكاكة، لعلها قد شاهدت أهوالاً شتى في بلد الذبح هذا.
قدمت جوازي ثانية، فسألني الضابط بعد أن عرف سبب مجيئي، لأن اسمي لديهم: لأول مرة تدخل العراق؟
لذعني السؤال: خطر في بالي أن أقول له: ‘ اسأل العراقيين’. فكرت أن أراشيفهم كلها قد ضاعت ربما، ولا داعي لأسرد له أنني عشت في العراق خمس سنوات، قلت مع غصة: أول مرة. جلست منتظراً في الخارج على مقعد فأبصرت شاباً يحمل لوحة مكتوباً عليها ‘ضيوف المربد’ وبلا كلمة مني شاهدته يتقدم مني بابتسامة من القلب قائلاً: أعتقد الأستاذ بيان؟
؟ تعانقنا بود كبير وقدم نفسه لي ‘عقيل السوداني’. بعدها سارت أموري بلا تدخل مني، فقط كان التفتيش قاسياً لدى كل عبور لمنفذ ما، همس لي بود: أرجو أن تتفهم حالة البلد، نحن معتادون على ذلك.
لا أنسى صوتاً مخيفاً انطلق مراراً لنباح كلاب بوليسية ونحن نستقل سيارة صالون أنيقة انطلقت بنا.
أخيراً أنا على طريق المطار، كنت ألتهم بعيني كل شيء حولي، أريد أن أتحسس أي أثر لما مر على المطار وطريقه: يا إلهي أين النخيل؟ قالوا لي: لقد أزيل النخل المحيط بالطريق لدواع ٍ أمنية لأنه كان أخطر طريق في بغداد. لم أرَ نخلاً، شاهدت صفوفاً لا تنتهي من جدران كونكريتية عديدة تعلوها أبراج مراقبة، عندما دخلنا بغداد أحسست أنني بدأت أدخل معسكراً ضخماً في حالة استنفار. نقاط عسكرية في كل مكان.. حواجز.. أجهزة كشف المتفجرات.. كلاب بوليسية.. آثار انفجارات، أبنية مقصوفة خالية.. حفر.. وحوائط كونكريتية في كل مكان تقريباً، لم ألمس شيئاً من معالم بغداد التي أعرفها إلا نادراً، بدت لي بغداد خارجة من زلزال حديثاً. سالت دموعي بهدوء مراراً. تذكرت جامع أم الطبول، ولم أتذكر مكاناً في الصالحية سوى ظهور الفندق الذي نزلت فيه ‘المنصور- ميليا’. اختفى بهاء الفندق وما يحيط به من شجر ونخيل وأناقة في ذاكرتي ( كان أفخم فندق أنشىء حديثاً عندما غادرت العراق عام 1982. والغريب أنه المكان الأخير الذي غادرت منه بعد أن استضافني في سهرة فيه أحد الأصدقاء العراقيين للوداع، وبعد أن طـُلب مني مغادرة العراق خلال 48 ساعة وقتذاك). التفتيش لدى مدخل الفندق في منتهى الدقة، حتى لمرافقي، لكن ما إن دخلت بهو الفندق حتى رأيت عدة وجوه باشة، وقف الجميع بود عراقي خبرته طويلاً، لكن لم يكن بينهم من أعرفه شخصياً، منهم عقيل المندلاوي ومنعم الفقير ومظفر الربيعي، أذكر أنني كنت مضطرب المشاعر، وتملكتني حالة ضيق لدرجة أنني لم آكل غدائي تقريباً، لم أتصور أن بغداد مدمرة وكئيبة وشاحبة بذلك الشكل.
عندما صعدت إلى غرفتي في الطابق الرابع، كان أن وقفت فوراً في الشرفة لأتأكد من أنني أرى بغداد حقاً. كل شيء شاحب، طائرات عمودية تعبر بين حين وآخر، أكوام عليها نقاط عسكرية، شعرت أن بغداد تنوح بصمت، لماذا مرّ عليها كل الذي مر، من دولة الرعب والحروب، حتى الحصار، وصولاً إلى الاحتلال وتدمير البنى الأساسية والمجازر الطائفية؟
سمعت كثيراً ‘العراق في ظرف استثنائي’، ‘صدام هو الذي جرّ الكوارث علينا’، ‘على الأقل نحن الآن أمام فرص الاختيارات الحرة، ولهذه ضريبتها’. أحياناً أسمع تحليلات وأقوالاً مبتذلة في تصوير المشهد، عموماً كان يرد الزملاء على استفساراتي بكلام من نوع ‘ الله كريم’، ‘ الجايات أحسن من الرايحات’. بدأ يهمس لي عديدون: ‘مشكلتنا أن البلد اليوم بيد جهلة وحرامية وطائفيين.. كلهم جاؤوا من خارج الحدود.. كل شي عدنا هسه تشتريه بفلوس. الشهادات والمناصب والوظائف’. لا أنسى عاملاً بسيطاً في الفندق قال لي بصوت مسموع: ‘ يابه رحم الله على أيام صدام.. صدام رجال، على الأقل كان أكو دولة.. هسه هوسه.. ما تعرف شنو السالفة!’ قلت له: ‘مع أنني لست معك لكن قد يكون هذا الكلام خطراً عليك’، فقال لي بحماسة عالية فاجأتني: ‘يمعوّد ذولا دمرونا.. إنت ما تعرف شسوو بينا’. الغريب أن التذمر من الوضع سمعته من بعض العسكريين القلائل الذين رافقونا.
طبعاً مثل هذا الحوار كان مستحيلاً من قبل، وقد فوجئت من طريقة العراقيين في التعبير، إلى درجة أن إحدى الموظفات من وزارة الثقافة راحت تشتم الحكومة ورئيسها في المطار، لأن أحدهم أخذ منها رشوة بسيطة، وتقول: ‘بكرة جاييكم علاوي يطيح حظكم’. وكان نجاح قائمته قد أعلن للتو! لهذا السبب أحسست أن ‘المقاومين’ قد ينبثقون فجأة من أي مكان.
عموماً لفت نظري أنه يندر أن تسمع كلمة نابية بحق صدام حسين، الأغلبية تعرف أنه دكتاتور ظالم، ويتحمل مسؤولية كبيرة لما حصل، لكن مرور كل هذا الوقت على الفوضى والنهب والقتل ومشاريع تمزيق العراق أعطى صدام حسين على ما يبدو مكانة ما لما فعله من تطوير للدولة وقوتها ووحدتها.
سيدة مسيحية قالت لي: ‘أستاذ شعليّه بالسياسة بس على الأقل بزمن صدام كنا مواطنين وما حد يظلمنا لأنا مسيحيين أو صبَّة شوف هسه وين صرنا أكثرنا مشرد بالعالم’. الطريف أن الفوضى تضرب أطنابها، وتعرف في أول تعامل أن كل شيء غير دقيق وعشوائي وأحياناً لا أحد يرد على أحد بدقة، إلى درجة أننا وصلنا المطار لنذهب إلى البصرة فاكتشفنا أن الطائرة قد انطلقت منذ ساعة ونصف ساعة لأن الموعد الذي أعطي لوكيل وزارة الثقافة غير دقيق، فظللنا في مطار بغداد لأربع ساعات بانتظار تأمين طائرة أخرى لأن المهرجان سيبدأ اليوم التالي في البصرة. وأخيراً وصلت طائرة خاصة انطلقت بنا وكنا في حدود الأربعين بين ضيوف وبعض المسؤولين في وزارة الثقافة، فقال فوزي الأتروشي وكيل الوزارة: ‘يا به والله العراقيين تفوقوا على حاتم الطائي.. ذاك يكرم بجمل.. منو يجيب طيارة خاصة لضيوفه غيرنا؟
؟’ الأستاذ التروشي خفيف الظل، مرح، علماني.
الغريب ان الأمر تكرر عند العودة فقد وصلنا مطار البصرة، ومعنا كل المسؤولين الثقافيين، فقالوا لنا أن طائرتنا قد طارت منذ ساعتين!! وتكرر طلب الطائرة الخاصة كوننا ضيوفاً، وأدخلونا قاعة الشرف، ولأن المطار ليس فيه طعام فقد ذهبوا وجلبوا لنا سندويشات لحم من البصرة، وأقمنا ما يشبه مربداً صغيراً لنقطع الوقت الذي طال حوالي خمس ساعات.
مربد البصرةوصلنا البصرة مساء، ولا أنسى أننا مررنا بطبيب يتأكد من أننا غير مصابين بإنفلونزا الخنازير!! طبعاً هذا الإجراء هنا فقط، ثم علينا أن نملأ بطاقة صحية، ومكتوب عليها أن نراجع مركزاً طبياً في البصرة أيضاً ونبرز ذلك أثناء المغادرة، واستغربنا الأمر، فقال لي أحدهم: هذا إجراء شكلي تقدر أن ترمي الورقة في أقرب سلة!! الأطرف ان الطبيب المكمم الذي كنا أمامه أشبه برجل جمع أمراض الدنيا في جسمه.. شحوب.. هزال.. صوت مخنوق!! الغريب الآخر أن العراقي يبرز جوازه مثلنا أمام الجوازات، بل لماذا إبراز الجواز طالما نحن في البلد نفسه. كأنني في بلد آخر لم أعرفه يوماً، حيث الأعلام والرايات المرفوعة فوق البيوت، وجميعها تحمل دلالات طائفية صارخة ‘ يا علي’ ‘ يا حسين’ لكن مع بؤس شديد وشوارع محفرة ترابية، وبيوت في غاية الدمامة والبشاعة، ومظاهر أمنية لا تقل عن بغداد!! نزلنا في فندق ‘مناوي باشا’ خمس نجوم وحراسته استثنائية، لأول مرة أشاهد نزلاء من قوات الاحتلال، أشخاص أشبه بثيران بشرية، يمشي أحدهم كأنه عربة عسكرية صغيرة محملة بالأجهزة والسلاح، يتبادلون مع الآخرين نظرات كلها حذر وكراهية، مراراً حاولت أن آخذ صورة، وعلى الفور كان يهب أحدهم محذراً وملوّحاً أنه ممنوع. بالمناسبة الكراهية صارخة للأمريكيين لدى الجميع، حتى صديقهم يقول أنه مجبر على هذه الصداقة، وحدثني كثيرون عن مظاهر الرفض لقوات الاحتلال، وكيف كانت تتلقى ضربات المقاومين في كل مكان عندما كانت تتجول في الشوارع. الشيء الذي نجح فيه الاحتلال وأذنابه إلى حد كبير هو تأجيج الطائفية التي لم تصل سابقاً إلى حد التقاتل أو تحويلها إلى موضوع ثقافي في تاريخ العراق المعاصر.
حتى في المربد فوجئنا بشعراء يقرؤون شعراً رديئاً ليس أكثر من صراخ طائفي مريض، أحدهم ببساطة وفي أمسية الافتتاح التي شاركت بها وكانت تنقل مباشرة على الفضائيات راح ذلك ‘الشاعر’ يكيل الكلام الدنيء إلى عثمان بن عفان!!! قلت: لأحدهم: ‘ ما هذا؟’ فرد: ‘ ماذا نفعل؟ نحن لا نراقب النصوص على الإطلاق لذا توقع كل شيء؟’ لكن الغريب أنني لم أسمع كلمة واحدة لها علاقة بالمحتل أو فلسطين أو ‘ العروبة’. أكثر القصائد كانت تهريجاً طائفياً حتى وهي تنتقد عهد صدام، ولولا قصيدة لموفق محمد وأخرى لعبد الكريم كاصد واشعر الجميل لدى أحمد عبد الحسين وعمر السراي وحسام السراي وعبد الرزاق الربيعي ومروان عادل وعارف الساعدي وأمثالهم، لقلنا أن مأساة آل البيت صارت الموضوع الرئيسي للشعر العراقي الآن!! ولم يبق َ للشعراء العراقيين سوى البكاء على الحسين، وشتم صدام عدو آل البيت.
موفق محمد الوحيد الذي صفع الجميع بقصيدة هجائية طريفة راح يمجد فيها الخمرة ويطلب من الأئمة الأطهار أن يروا ما يفعل رجالهم الآن من راكبي الهمرات وجامعي كل ما لذ وطاب من مال حرام. لقد بث في الجو البليد للمربد روحاً من التمرد والطرافة والنبل، وهذا ما فعله عبد الكريم كاصد وهو يسخر من المشهد العراقي اليوم خاصة في قصيدته ‘ طائفيون’. شخصياً كنت سأقرأ قصيدتين كنت أرسلتهما للمنظمين للاطلاع والترجمة كما أبلغوني، فوجدت نفسي مدفوعاً لأقرأ قصيدتين غيرهما، واحدة اسمها ‘ طللية’ تنتهي بمقطع عمودي أقول فيه: قفا نبك ما في الدار إلا غرابُهاطلـولٌ بقلب الليل، والليل بابُها أؤمـِّل كالمجنـــون ظلَّ كرامةٍ ولا يتبدَّى اليـوم إلا سَرابهاألملم أشلائي طـَريداً ولا أرىسوى الروم أو كالروم تعلو حِرابهاوثانية هي ‘ آن له أن ينام’ في رثاء محمود درويش، أردت أن أقول ببساطة أن العراق تحت الاحتلال، وأن فلسطين والعروبة حاضرتان.
على الرغم من اللطف والطيبة لدى أصحاب الدعوة والأصدقاء والمعارف إلا أننا لمسنا إهمالاً واضحاً للمدعوين العرب، سواء من حجم المشاركة أم من وسائل الإعلام، أليس غريباً ألا نتعرف إلى رئيس أدباء البصرة ولم يكلف نفسه بمصافحتنا؟ وهذا ينطبق على رئيس اتحاد الكتاب العراقيين وقيادة الاتحاد، أليس المطلوب بروتوكولياً أن يرحبوا بنا؟ ( هنا لا أتحدث عن أصدقاء شخصيين كمالك المطلبي وآخرين من الأعزاء) ومن خلال عدم استشارتنا في الكلمة التي ألقتها باسم الوفود شاعرة تركية، بعد انتهاء تلك الكلمة ألقى الزميل منعم الفقير كلمة المربد فحيا العراقيين ووفود فرنسا وأمريكا والنروج والسويد وإسبانيا وإيطاليا والدنمارك وتركيا، همست للشاعر المغربي كمال أخلاقي: هيا نخرج من القاعة، فوجدته مستاء مثلي، فانسحبنا من دون أن يوقفنا أحد ورحنا نتمشى في بهو ملاصق لقاعة المهرجان، سألنا أحدهم لماذا لسنا في الداخل فشرحت له بحدّة ما حصل، عند انتهاء الحفل أسرع عقيل المندلاوي قائلاً بالحرف الواحد: ‘ ترى اللي حصل مو مقصود وعاتبنا لمنعم على خطئه وأجبرته يرجع ويرحب بيكم ويطلبكم للصعود على المسرح’. وجاء منعم الفقير محتقن الوجه ومرتبكاً يحاول تبرير ما حصل. المهرجان محاولة للقول أننا ما زلنا أحياء، هذا واضح، على الرغم من اقتصار الحضور على المدعوين، وعدم الحضور الشعبي لأسباب أمنية واضحة، تنظيم المهرجان شيء يدعو للأسف، فالتقشف والفوضى ومشاكل الصوت وانقطاع الكهرباء مشاهد دائمة مصاحبة لكل فعالية، إلى درجة أن الحافلة سارت مرة ونسيتني أمام المبنى الذي أقيم فيه المهرجان في البصرة، ووجود غريب وحده يعرضه للخطف الأكيد أو القتل في الظروف التي كنا فيها، فقد كان حراسنا الكثيرون الذين يحيطون بنا، لا يسمحون لنا بالخروج خارج قوس حمايتهم عندما نتحرك في أي مكان.
كنت أنتظر بالقرب من رجال أمن ولما كاد المكان يفرغ من المشاركين طلبت من بعض الجنود إيصالي إلى الفندق الذي ننزل به، فأشاروا إلى سيارة فيها بعض أدباء البصرة وطلبوا منهم إيصالي.
قالوا لنا: سنأخذكم في رحلة لرؤية أحد قصور صدام. فرحنا للأمر، إنها فرصة للتعرف على بعض حيوات ذلك الطاغية، وبعد مسير مرهق وانتظار، وإذا بهم يأخذون الضيوف إلى مكان موقعة الجمل!!! وفي بغداد تكرر الأمر عندما قالوا: نحن ذاهبون في جولة إلى الأسواق. وإذا بنا في زيارة لا تنسى إلى الكاظم، والطريف جداً أننا ظللنا تحت المطر ما يقارب الساعة حتى أنهوا إجراءات دخولنا، وجردونا من جوالاتنا، ثم تعرقل دخولنا لأن المسؤول الأمني ليس لديه علم بنا، مما جعل شاعرة إيطالية تبكي وتنفجر في وجوه المرافقين: ‘ أعيدوني إلى الفندق، لا أريد أن أرى شيئاً’. وبعد كل ذلك الانتظار لم يكن مسموحاً لنا الدخول إلا إلى ورشة حفر خشبي عادية ملحقة بالمقام!!!!!!!!! العودة إلى بغدادأما أطرف أمر فقد حصل مع الشاعر المغربي كمال أخلاقي، فبعد رجوعنا إلى بغداد بالطائرة كان أخلاقي قد أفرغ زجاجة فودكا في زجاجة ماء كبيرة، وما إن انطلقت الطائرة حتى راح يفقد توازنه، بل غط في نوم عميق أنساه اضطراب الطائرة في ذلك الجو السيىء الذي سيطر على الأجواء أثناء سفرنا، ووصلنا في حدود الثانية صباحاً مرهقين من الانتظار والتفتيش الطويل، وصعدنا حافلة كبيرة، ولما وصلنا الفندق أسرعنا إلى غرفنا متهالكين.
في اليوم الثاني وعلى الغداء لأننا ظللنا جميعاً نائمين إلى الظهر تقريباً، قال لي كمال:’ البارحة كيف تركتوني؟’ قلت: ‘كيف تركناك يعني؟’ فأضاف: ‘ تركتوني بالباص’، وراح يحكي لي وأنا أنفجر ضاحكاً: ‘ البارحة أفقت حيث وجدت السائق يوقظني، فبعد أن أوصلكم إلى الفندق وعاد إلى المرآب انتبه مصادفة إلى وجودي نائماً في مقعد في آخر الباص، والمشكلة أنه وجد أن عليه مسؤولية إعادتي إلى الفندق والطرق تحتاج إلى اتصالات وسماح بالسير، بل إن بعض الأحياء فيها منع تجول منذ الثانية عشرة ليلاً، وبعد مدة لا أعرف كم هي أعادني إلى الفندق وأخذت كرت غرفتي من الاستعلامات، ولما فتحت الباب في الطابق الخامس، انشق قليلاً فوجدت أن سلسلة أمان من الداخل تمنع فتحه، ولأنني متهالك تعباً وسكراً دفعت الباب بقوة فانفتح، أشعلت النور فوجدت رجلاً على السرير ينظر وقد استيقظ للتو، ولما أحس بي أمامه صرخ بوحشية وهجم باتجاهي، فرحت أصيح وأستنجد وأسرعت بالهرب خارج الغرفة، وظللت أركض مذعوراً حتى وصلت الاستعلامات، وهناك قالوا ببساطة أنهم أعطوني كرت غرفة غير غرفتي خطأ’!! من طرائف استعلامات فندق ‘ المنصور ميليا’ انّ صديقاً جاء يسأل عني بعد مغادرتي الفندق إلى مطار بغداد متوجهاً إلى دمشق، فقالوا له: لا نعرف أين هو؟ وفتحوا غرفتي ووجدوا فيها هدايا متنوعة تركتها بسبب الوزن، وأخبرني ذلك الصديق أنه قلق كثيراً، وحسب أنني مختطف!! ومن طرائفهم أن الصديق علي المندلاوي كلمني بعد وصولي، وقلت له أنني بانتظاره، ولما وصل الفندق، قالوا له عندما أخبرهم أنه يريد رؤيتي: ‘ سافر!’ فضحك علي وقال لهم: ‘هسه خابرته وداينتظرني’. طبعاً لا تحسبوا أن المسألة أمنية، بل فوضى عارمة، إذ وضعت كتباً في الأمانات قبل ذهابنا إلى البصرة، ولما عدت استحال على أحد أن يعرف أين ذهبت الأمانة، وغادرت ولم يجدوها، وكلما سألت أحداً أحالك إلى آخر وهكذا!
أحد الأدباء قال لي: ‘لا تغرك الإجراءات وكثرة الحراس.. ترى العراق صار هوسه!’. تحدثنا كثيراً، الشعراء الأجانب قرؤوا أشياء مهمة ضد الحرب والعدوان، وبعضهم ضد الولايات المتحدة الأمريكية. الشاعر الإيطالي ‘ مسيلا’ قال لي أنه قاد مع آخرين الحشود التي نامت على الخطوط الحديدية في إيطاليا لتمنع عبور القوافل العسكرية التي غزت العراق، وقال عندما كنا مندهشين لحجم البؤس والخراب: ‘هذا هو العراق الذي تريده أمريكا’. كم سعدت للقائي بالشاعر ياسين طه حافظ المكرم في المهرجان، فقد أثلج الصدور بكلمة رائعة هاجم فيها وحشية الإمبريالية الأمريكية، ولعل الشيء الوحيد الذي أعجبني في الجو العام هو هذه الحالة الحرة في التعبير.
لقد طلب مني الصديق المغربي مراراً أن أخفف من كلامي الحاد المعارض للاحتلال والسلطة الفاسدة وطريقة المحاسبة السياسية والتمييز الطائفي وتمزيق العراق والعداء للعروبة وطريقة إعدام صدام حسين، والبلد المدمر الذي لم يفعلوا له شيئاً إلى الآن سوى النهب والتمزيق وووو، وكنت أجيبه مازحاً بأنني جئت أساساً لأموت هنا. استغربت من شاعر معروف ذي ماض ٍ تقدمي، كان متحمساً لأشياء كثيرة فعلتها السلطة الجديدة بحجة مظالم صدام قال لي: ‘أنا مستغرب من أنك متطرف’ كيف، لأن رأيي أن الذي يريد أن يكون ضد صدام وأفضل منه لا يقوم بأعماله نفسها بل يزيد عليها، وما المانع ألا يعدم أحد؟ ولماذا اجتثاث البعث وهو حزب كبير ( طبعاً حتى لو كان صغيراً)؟ ولماذا التستر على مؤامرة تدمير العراق بحجج اعترف بها حتى صانعوها؟ وقلت لهم أين شعراء العراق بمختلف أطيافهم؟ أين سعدي يوسف ومحمد سعيد الصكار ابنا البصرة؟ أين سامي مهدي وفاضل العزاوي وجليل حيدر وعبد الرزاق عبد الواحد وفاروق يوسف وحميد سعيد وعلي العلاق والعشرات غيرهم؟
للأمانة أن عقيل المندلاوي قال لي: تأكد أنك سترى هؤلاء قريباً جداً في مربدنا، حتى عبد الرزاق عبد الواحد.
الغريب أن المربد لم يجر ِ إلا في البصرة، فقد رفض فرع اتحاد أدباء البصرة أن تقام أية فعالية باسم المربد في بغداد كما جرت العادة، لهذا أقامت وزارة الثقافة أصبوحة شعرية مستقلة شارك فيها الضيوف مع عدد من الشعراء العراقيين، وكم فرحت بشاعر عراقي تركماني اسمه أكرم فوزي على ما أذكر قدم شعراً هزنا على الرغم من ترجمته إلى العربية.
دعا الأستاذ فوزي الأتروشي الوفود في بيته بعد يوم من عودتنا من البصرة، كانت سهرة لطيفة جداً، وأذكر أننا جلسنا مع مسؤولين وإعلاميين وشعراء أتراك محافظين، وراحت الأحاديث تتحول إلى نقاشات جافة، بينما بعض المدعوين يتسللون إلى غرفة ثانية، و أمامنا أكل وعصير فواكه، وإذا بالأتروشي يقول لي: ‘أستاذ بيان.. أنصحك بالالتحاق بالقسم الأوروبي بالغرفة الثانية’. وعرفت الأمر، وإذا ‘القسم الأوربي’ عامر بما لذ وطاب من السمع والنظر والشراب!! ألم أحدثكم عن عراقة الكرم العراقي الرسمي؟ حتى أصدقائي في دار ثقافة الأطفال، قالوا: ابق أسبوعين معنا!! غادرت الوفود، وبقيت وحدي، فلم أستطع التملص من زملاء لي في تلك الدار لأيام، لقد كان لقاؤنا خرافياً بعد 28 سنة من الفراق بكل ما حل بهذا البلد، زرت الدار مرتين، وزرت أماكن عزيزة علي مثل الأعظمية وشارع المغرب ومبنى دار ثقافة الأطفال القديم في الوزيرية ومنطقة الصرافية، واستحال أن أشاهد أماكن أخرى بسبب وضع المدينة الاستثنائي.
بيوت الأعظميةمساء نهاري الأخير في بغداد حدث شيء كاد يتحول إلى أمر خطير، فقد كنت برفقة صديق مسؤول ثقافي في شارع الكرادة، وكنا نتناقش بحدة بسبب محاولته الدفاع عن السلطة الحالية، ويبرر كل مظاهر العسكرة، ويؤكد لي أن لا أحد يسألك إن لم تقم بشيء خطير، وكنت لحظتها ألتقط صوراً، بعضها فيديو من داخل السيارة لبقايا المحلات وعربات الخضار والملابس حيث الحركة هنا أكثر من أي حي آخر شاهدناه، وإذا بسيارة مسلحة تتبعنا وتعطي تعليمات من مكبر الصوت بأن نتوقف، سمعت أحدهم من داخلها يصرخ: ‘ أوقف أنتو داتصورون’. وعلى الفور، أمرونا بالتوقف جانباً، لحظتها كنت قد نزعت كرت الكاميرا بهدوء، وأخفيته.
قال العسكري: ‘دا تصورون أكو نقطة بلغتنا إنها شافتكم’. طلب جواز سفري، أمسك بالكاميرا فلم يجد فيها صوراً تهمه، وبين أخذ ورد وحرج صديقي الذي راح يرجوه مشيراً إلى أنني شاعر ضيف مدعو رسمياً، وحاول التأثير عليه: ‘ على بختك الرجال جاي على دمّـه وأهله يبشون حتى يشاركنا مهرجاناتنا، وإنتو تسوّون وياه هيشي’ قال بجفاء: ‘ أنا ما عليّ هسه يجي مسؤول القاطع وتتفاهمون وياه’. ولما حضر أعاد صديقي الكلام على مسؤول القاطع، وقلت له: ‘ما تصورت العراقي يعامل الخـُطـَّار هالشكل!!’ وبعد جدال وكنت مستفزاً من الموقف راح المسؤول يهدئني بلطف بالغ ويكرر:’ أخي لا تصير عصبي، بسيطة إذا تريدون أدز وياكم حماية للفندق.. بس لا تصير عصبي.. لازم تتفهم وضعنا’. الطريف أنني ما زلت أحتفظ بصورة الفيديو الباقية لمتابعة السيارة العسكرية لنا وصراخها المتكرر للتوقف حيث حرصت على تسجيل تلك اللحظة رغم المخاطر. لا أخفيكم أنني في الليلة الاخيرة التي قضيتها في الفندق أحسست بوحشة هائلة، فالفندق شبه خــال ٍ مرمم على عجل، خارج من معارك، كل شيء فيه مدبر بعدم دراية وإهمال واضح، وحراسه أكثر من نزلائه، أكثرهم حليقو الرؤوس مفتولو العضلات، وبأجهزة سمع واتصال ولا أدري ماذا أيضاً، وسلسلة الأمان مقطوعة في غرفتي، ولا تستطيع أن تغادر أو تتمشى خارج الفندق، ولا كحول فيه، فاتصلت بوكيل وزارة الثقافة الأتروشي منتصف الليل طالباً منه أن ينقذني بزجاجة فودكا، وقلت له مازحاً: ‘ إذا جايبينا لتموتونا على الأقل خلينا نموت منتعشين’ وضحك ورد على ذلك بالكثير من المرح، وما هي إلا ساعة وإذا بزجاجتين في خدمتي. لا أدري لماذا خطر لي أن عليّ أن أبقى مستيقظاً إلى الصباح، وهذا ما حصل، في السادسة صباحاً غادرنا باتجاه المطار، حيث الانطلاق في الثانية عشرة ظهراً، ولكن إجراءات التفتيش على طريق المطار مخيفة خاصة لأنني وحدي مع سائق تابع لوزارة الثقافة وليس مع مسؤول يمتلك بطاقة خاصة للمرور، كانت بغداد مثل جثة ما تزال تنبض فقط، ليس هناك ما يبهج، وما يشير إلى الربيع، الطريق المؤدي إلى حي المنصور كأنه يؤدي إلى معسكر، وفي بداية طريق المطار سلمني السائق إلى محطة أمنية، وودعني وقال لي: ‘ خلصت مهمتي الجماعة رح يؤمنوك’ هنا الشركات الأمنية هي التي تتولى نقل كل المسافرين بسيارات وسائقين تابعين لها. وكان الموت الأحمر الذي شاهدته لأول مرة، فقد عبرت ثلاث مرات في رحلتي ولكن بمرافقة مسؤولين، وهنا شاهدت إجراءات قاسية ومكربة تتكرر كلما قطعت مسافة صغيرة، إلى آخر نقطة قرب المطار حيث شاهدت بعيني الكلاب المدربة ذات النباح المرعب وهي تشم كل شيء.
لقد عجبت، كيف تأقلم العراقي مع كل هذا الرعب؟ صعدت سلم الطائرة السورية ‘ أجنحة الشام’ هناك من يفتش كل الداخلين إليها عند بابها بجهاز خاص، أنا السوري الوحيد فيها، باستغراب شديد يقول لي ذلك الرجل: ‘ شو جابك لهون؟’لكن أعماقي أجابت: هذا العراق بكل ما فيه كنت على استعداد أن أموت من أجل أن أراه.