صبحي حديدي
ليس أطرف من ذلك التراشق اللفظي الذي سُمّي خلافاً بين النظامين السوري والسعودي، إلا هذا التراشق اللفظي بين الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، حيث تبدو الأطراف المتراشقة وكأنها لا تمارس طرازاً مبتذلاً من الضحك علي اللحي فحسب، بل تتباري في ترقية الإنحطاط إلي مسخرة.
خذوا، في المثال الأوّل الفاقع، صحوة وكالة الأنباء السعودية علي حقوق الإنسان السوري، وإبرازها خبر قلق منظمة العفو الدولية إزاء محكمة أمن الدولة العليا في سورية ومطالبة السلطات السورية بإدخال إصلاحات جوهرية عليها أو إلغائها. أو خذوا، في المثال الثاني، خيبة أمل السفير الأمريكي في بغداد، رايان كروكر، من العملية السياسية في العراق عموماً، وحكومة المالكي خصوصاً، وكأنّ الاحتلال الأمريكي يمكن أن يعقد أي نوع من الأمل علي بيادقه المحليين.
وعلي المنوال ذاته تقريباً، ولأنّ الملفّ العراقي أحد القواسم المشتركة، نشبت قبل أيام معركة تراشق لفظي كان فريقها الأول مجلة نيو ريبابليك الأمريكية نصف الشهرية (ذات التوجّه الليبرالي، التي ارتبطت بالحزب الديمقراطي عن طريق الديمقراطيين الجدد من أمثال الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، المقرّبة من كتّاب أمريكيين صهاينة علي رأسهم رئيس تحريرها مارتن بيريتز)، وفريقها الثاني وليام كريستول (أحد أبرز مؤلفي النصّ الشهير المسمّي مشروع من أجل قرن أمريكي جديد، الذي صدر سنة 1997 ويعتقد الكثيرون أنه كان المسودة الفعلية لغزو العراق، ورئيس تحرير مجلة ويكلي ستاندارد، لسان حال المحافظين الجدد). اندلع الخلاف، إذاً، حول الواقعة التالية: المجلة نشرت مقالة كتبها سكوت بوشامب، الجندي الأمريكي العامل في العراق، روي فيها بعض الفظائع التي ارتكبها، وبعض زملائه، أثناء الخدمة (العبث بامرأة عراقية تشوّه وجهها جرّاء قذيفة، وقيام جندي أمريكي بوضع جمجمة طفل عراقي علي رأسه بمثابة تاج…)، الأمر الذي استنكره كريستول واعتبره انتهاكاً لشرف القوّات الأمريكية، وطعناً في الظهر لخيرة أبناء أمريكا المقاتلين من أجل الحرّية! ولقد كتب كريستول: إنهم يشعرون بأنّ التاريخ يتقدّم بعيداً عنهم، وأنّ أولئك الجنود المقاتلين بشجاعة في قضية عادلة سوف يربحون الحرب مع ذلك، وأنهم فخورون بالخدمة في الجيش، وسوف يكونون قادة المستقبل لهذا البلد. وصدّقوا، طبعاً، أنّ هيئة تحرير نيو ريبابليك، وليس أسامة بن لادن أو أنصار القاعدة أو الرئيس الإيراني أحمدي نجاد… ، هم الذين قصدهم كريستول في هذه الفقرة المدهشة!
وصدّقوا، كذلك، أنّه استبدل تسمية البطة الأكثر عرجاً بين البطّات العرجاء، التي كان قد اختارها بنفسه لوصف الرئيس الأمريكي جورج بوش، بتسمية جديدة هي البطة الناهضة، وذلك استناداً إلي الإنتصارات الثلاثة التالية التي حققها الجيش الأمريكي في العراق: مقتل الزرقاوي، تعيين نوري المالكي رئيساً للوزراء، و… نجاح الأخير في تعيين وزير للدفاع وآخر للداخلية بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة مع مختلف الأطراف المذهبية ـ السياسية! اليوم لا يطالب كريستول برأس المالكي وتسعة أعشار وزرائه فحسب، بل يهدّد بنزال بوش نفسه، مجدداً، إلي لقب البطّة الأكثر عرجاً!
والحال أنّ إصرار كريستول علي هذا التجميل الدائم (الزائف) للحال الكابوسية التي تعيشها السياسة الأمريكية في العراق، وفي الشرق الأوسط إجمالاً، ليس سوي استئناف لتقليد راسخ التزم به أقطاب المحافظين الجدد، حين اتضح أنّ التسليم بالحقائق العيانية البسيطة يعني الإقرار بهزيمة كامل أعمدة الحكمة التي قامت عليها فلسفتهم، منذ تأسيس وانطلاق مجموعة مشروع من أجل مستقبل جمهوري، الذي بلور رؤيتهم الشاملة حول القضايا الداخلية والخارجية في آن معاً، وكان كريستول (إسوة بوالده الأشهر إرفنغ كريستول) بين أبرز أقطابه. لكنّ العديد من الوقائع الراهنة، المتعاقبة، تشير إلي أنّ ذلك المشروع، وبالتالي فلسفة المحافظين الجدد بأسرها، توشك علي إغلاق أبواب الدكان الذي ظلّ يغذّي التشدّد السياسي اليميني في البيت الأبيض، وينظّر للنزعة الإمبراطورية، وعقيدة التوسع العسكري، والضربات الوقائية.
وقبل خلاف كريستول مع نيو ريبابليك، التي لم تكن مناهضة تماماً لغزو العراق ـ حالها في ذلك حال غالبية قيادات الحزب الديمقراطي ـ كانت واقعة أخري تدقّ ناقوس محاق فلسفة المجموعة: إثنان من كبار منظّري المحافظين الجدد، دانييل بليتكا نائبة رئيس المعهد الشهير المعروف باسم الـ American Enterprise Institute الذي يعدّ قلعة المحافظين الجدد، ومايكل روبن الباحث في المعهد ذاته، نشرا مقالة مشتركة في صحيفة لوس أنجليس تايمز، بعنوان جورج بوش قتل عقيدته بنفسه، كانت أشبه بورقة نعي عقيدة الرئيس الأمريكي حول مساندة الحرية ونشر الديمقراطية في العالم.
واقعة ثالثة تمثلت في لجوء تحرير ويكلي ستاندارد إلي مهاجمة وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رمسفيلد، وبأقلام صقور المحافظين الجدد من أمثال غاري شميت وروبرت كيغان، لأنه تساهل كثيراً مع العراقيين، وسمح للعملية السياسية أن تتفوّق أحياناً علي العمليات العسكرية، ولم يطلق آلة بناء الأمّة العراقية علي غرار ما جري في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية! وبالطبع، يكفي التذكير بأنّ رمسفيلد كان أحد كبار الموقعين علي نصّ مشروع قرن أمريكي جديد، وكان ويظلّ في طليعة المحافظين الجدد، لكي يدرك المرء عمق المأزق الذي تعيشه المجموعة. وأما الواقعة الرابعة، والأشدّ وضوحاً ومغزي، فهي أنّ فرنسيس فوكوياما، المحافظ المخضرم الجديد ـ العتيق، وصاحب النظرية الأشهر حول نهاية التاريخ، لم يكتفِ بكتابة مقال ينعي فيه فلسفة المجموعة، بل أصدر كتاباً كاملاً بعنوان ما بعد المحافظين الجدد: أمريكا عند مفترق الطرق، طالب فيه بطيّ صفحة مشروع القرن الأمريكي الجديد. والكتاب لا يعيد التشديد علي الأسباب التي دفعت فوكوياما إلي الإعتراض علي غزو العراق فحسب، بل يناقش ثلاثة أعطال أساسية في عقيدة بوش: 1) أنها خلطت بين الإسلام الراديكالي ونزعات التسلّح النووي لدي دول مثل العراق؛ و2) تبنّت تقنيات الحرب الوقائية فحوّلت خياراً عالي الأخطار إلي مبدأ جامد أرثوذكسي، دون استراتيجيات مَخْرَج ناجعة؛ و(3 قللّت كثيراً من العواقب الناجمة عن تزايد العداء الدولي لإصرار الولايات المتحدة علي اعتماد فلسفة الهيمنة بالتطوّع، التي جعلت من أمريكا هدفاً للسخط الكوني.
غير أنّ هذا الخلاف الأمريكي ـ الأمريكي لا يلوح وكأنه يغيّر الكثير في جوهر القرار الأعلي الذي تتخذه الأمّة الأمريكية ساعة احتدام الوطيس، حين يصطبغ القرار بصبغة عاطفية ـ دينية (إذْ هكذا يصف جورج و. بول، في كتابه الكلاسيكي الارتباط العاطفي: تورّط أمريكا مع إسرائيل، منذ 1947 وحتي اليوم، طبيعة علاقة الشعب الأمريكي بالدولة العبرية)، أو حين يعيد أيّ قرار مضادّ ترجيع أصداء الكابوس (كما ينذر بوش في هذه الأيام: إمّا الإنتصار في العراق بأيّ ثمن، وإلا… عودة كابوس الإندحار الأمريكي في فييتنام). ضمن مناخات كهذه، ليس مفاجئاً أن تنطق نيو ريبابليك و ويكلي ستاندارد بلسان واحد وحيد، وأن يصبح أيّ وكلّ خلاف نوعاً من تماثل البقرات السوداء في الليل الأسود!
وكان فيليب جيمس، أحد أبرز متقاعدي التخطيط الستراتيجي في الحزب الديمقراطي الأمريكي، قد أطلق صفة الكابوس علي التسجيلات الهاتفية التي أمر بوش، شخصياً وبناء علي توجيهات سرّية، بتنفيذها علي هواتف عدد من الشخصيات الذين تزعم الإدارة إنهم علي صلة بمنظمة القاعدة. هل تنقلب أمريكا إلي الشاكلة التي تخشاها كلّ الخشية، تساءل جيمس قبل أنّ يحدّد الشاكلة تلك: دولة علي غرار الأخ الأكبر، في إشارة إلي الإتحاد السوفييتي، والدولة التي تخيّلها الكاتب البريطاني جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984 ، حيث الحكم للأوامر العليا، ولا أحد مستثني من تنصّت البوليس السرّي، وكلّ شيء مسموح به دفاعاً عن الوطن، بما في ذلك التعذيب؟
والرجل استبق بعض قرّائه الذين قد يرتابون في سلامة عقله، فكتب علي الفور: لعلّي ساذج العقل، ولكني ترعرعت علي فكرة أنّ أمريكا مختلفة بعض الشيء، وأنه إلي جانب جشع الشركات والمادّية الهوجاء وشبكة التأمين الإجتماعي التي لا تكاد تعمل، ثمة مجتمع مرفّه فريد. أمريكا هذه كانت أرض الفرصة بلا حدود، وقطب الفارّين من وجه الإستبداد، والأرض التي تعرض فرصة الحلم الواسع علي الفقير مثل الأمير. فما الذي آلت إليه؟ هنا أحدث تحوّلاتها، حسب جيمس: إنهم سريعاً يستبدلون الحلم الأمريكي بالكابوس الأمريكي، وبعالم أورويلي حيث المذكّرات الإدارية المدافعة عن التعذيب تُسطّر في وزارة العدل ذاتها، ويصبح القضاء مهنة فائضة عن الحاجة في الشأن العام!
وفي واقع الأمر، ألا تدفع الإنسانية ثمناً يومياً باهظاً بسبب تلك المقامرة الديمقراطية التي جعلت الناخبين الأمريكيين، أو 51% منهم في الأقلّ، يجدّدون الرئاسة لهذا الرجل، جورج بوش: المحارب الصليبيّ ـ النفطيّ الذي أنس في روحه قبساً فلم يعد يتخذ القرارات الرئاسية (العسكرية منها، وذات الصلة بغزو الشعوب خصوصاً) إلا في نوبات استلهام سماويّ؟ ألم يتخذ الأمريكيون قرار التجديد لهذا الرجل، وهم يعلمون حقّ العلم أنّ رئاسته الأولي صنعتها الصدفة، بقرار من المحكمة الفدرالية وبطاقات الإقتراع الفاسدة، ودون الحصول علي أغلبية في الإقتراع الشعبي؟
والأمريكيون إياهم لم يأتوا به رئيساً في ولاية ثانية رغم افتضاح كلّ أكاذيبه فحسب، بل فعلوا ذلك بعد تحطيم عدد من الأرقام القياسية: في الهيئة الانتخابية لم يسجّل سوي أربعة أصوات فوق الحدّ الأدني المطلوب للإنتخاب، ولكنه في رصيد الإقتراع الشعبي امتلك ما لم يمتلكه أيّ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة؛ ولقد تفوّق علي خصمه الديمقراطي، جون كيري، بأكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون صوت، وبذلك يكون قد تفوّق علي رونالد ريغان ــ تاج الرؤساء الجمهوريين وقدوتهم الأعلي في العصور الحديثة ــ بأكثر من أربعة ملايين صوت؛ كما حقّق نسبة الـ 51%، التي لم يحققها أيّ رئيس أمريكي منذ العام 1988. وكان السناتور الأمريكي الليبرالي الشهير وليام فولبرايت قد تحدّث، قبل أكثر من أربعة عقود وفي ذروة حرب فييتنام، عن وجود أمريكتَين وليس أمريكا واحدة: الأولي كريمة إنسانية، والثانية أنانية ضيّقة؛ واحدة متعقلة، وأخري رومانسية؛ واحدة طيبة المزاج، وأخري شقية؛ واحدة حكيمة، وأخري متغطرسة في استخدام القوّة العظمي. ولكن… إذْ يتابع المرء خلاف كريستول مع مجلة نيو ريبابليك، (مقابل اتفاقهما علي مساندة إسرائيل بالمطلق، وتدمير لبنان، وحصار الفلسطينيين وتجويعهم)، حول نشر حقائق الغزو البغيضة أو السكوت عنها لكي لا يُطعن فتية أمريكا في الظهر؛ أو خلاف نوري المالكي مع قادة الجيش الذي يحتلّ بلاده، حول مشاعر مثل خيبة الأمل والإحباط (مقابل خضوعه، في آخر النهار، إلي كلّ وأيّ قرار ترتئيه تلك القيادة)؛ فإنّ في وسع المرء أن يتخيّل وجود أمريكا واحدة وحيدة وراء هذه الإنشطارات الزائفة، ويتبيّن طبيعة الفارق بين مأساة الاحتلال وملهاة اختلاف البيادق… وأن يتفهم، كذلك، قرب انتهاء الخلاف بين النظامين السوري والسعودي، بعد أن تتأكد وكالة الأنباء السعودية من صدق نوايا السلطة السورية في… إصلاح محكمة أمن الدولة العليا!9