الموصل ـ «القدس العربي»: استذكر العراقيون الذكرى السنوية الحادية عشرة لجريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم «داعش» الإرهابي بحق المكون الإيزيدي في قضاء سنجار عام 2014، بالتزامن مع دعوات متصاعدة لإنهاء آثار نكبة النازحين الإيزيديين وإعادة إعمار القضاء وإبعاده عن الصراعات السياسية المحلية والإقليمية.
وضمن مواقف التضامن الشعبي مع مأساة الإيزيديين في العراق، شهدت ساحة التحرير وسط بغداد، وقفة تأبينية بمناسبة الذكرى 11 للإبادة الجماعية للإيزيديين في آب/اغسطس من عام 2014، على يد تنظيم «داعش» الإرهابي، وطالب المشاركون في التجمع من الناشطين ومنظمات حقوق الإنسان والأوساط السياسية والشعبية، بالاعتراف الرسمي بالجريمة، وتفعيل القوانين الخاصة بالمكون الإيزيدي، ودعم الناجيات والنازحين من المكون والكشف عن مصير المختطفين، وإعادة إعمار مناطقهم، وضمان حماية عادلة لهم، ومحاسبة الجناة محلياً ودولياً، لتحقيق العدالة.
وفي مدينة أربيل، مركز إقليم كردستان، أقيمت فعالية لمنظمة (يزدا) الإيزدية إحياء للذكرى 11 للإبادة الجماعية للإيزديين، حضرها القنصل العام الأمريكي في أربيل وعدد من المسؤولين. وألقى خلالها المتحدث باسم رئاسة إقليم كردستان، دلشاد شهاب، كلمة رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، الذي أكد فيها على الاستمرار في مساعي تحرير بقية المختطفين الإيزيديين والكشف عن مصائرهم. فيما حمل الحكومة الاتحادية العراقية، مسؤولية السماح باستخدام سنجار والمناطق الإيزيدية من قبل الفصائل المسلحة والميليشيات كميدان لها. وشدد على الحكومة الاتحادية، من أجل إعادة الأمان والأمن والخدمات لسنجار وأطرافها لطمأنة الإيزيديين ومساعدتهم في العودة إلى ديارهم وإعمارها واستئناف الحياة فيها.
كما جرى تنظيم العديد من التجمعات بهذه المناسبة في منطقة سنجار في نينوى ومخيمات النازحين الإيزيديين في دهوك.
مواقف بغداد من نكبة الإيزيديين
واستغلت حكومة بغداد، هذه المناسبة، للإعلان عن التضامن مع مأساة الإيزيديين ومحاولة تقديم بعض الإجراءات لدعمهم. كما أقرت بعض المشاريع لتشجيعهم على العودة الى مناطقهم وترك مخيمات النزوح.
فقد أعلن مستشار رئيس الوزراء لشؤون الإيزيديين خلف سنجاري، أن الحكومة أقرت مشاريع في سنجار ضمت قطاعات الماء والزراعة والصحة والتعليم العالي، لمعالجة تراكمات استمرت لعشرات السنوات. ولفت أن «الحكومة أصدرت قرارات أخرى، بينها قرار تمليك المجمعات السكنية عبر 11 مجمعا وبواقع 14 ألف وحدة سكنية وهذا القرار لتعويض الإيزيديين جراء الدمار الذي لحق بهم».
وفي إقرار بوجود تقصير رسمي تجاه مأساة الإيزيديين، دعا رئيس مجلس النواب محمود المشهداني الحكومة والجهات المعنية إلى الانتقال من مرحلة التصريحات إلى الإجراءات العملية لمعالجة تداعيات جريمة سنجار، مشددًا على ضرورة التطبيق الكامل لقانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021، وتخصيص موازنات واضحة لإعادة إعمار القضاء وتأهيل بنيته التحتية بما يضمن عودة كريمة وآمنة للسكان.
كما أكد المشهداني أهمية تشريع قانون الجرائم ضد الإنسانية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضرورة تضمين ما جرى للمكون الإيزيدي في المناهج التعليمية، بهدف تعزيز الوعي المجتمعي وضمان عدم تكرار مثل هذه الفظائع.
أما وزارة الخارجية العراقية، فإنها جددت في بيان رسمي، دعوتها للمجتمع الدولي للاعتراف بما جرى للإيزيديين في صيف 2014 بوصفه جريمة إبادة جماعية، مؤكدة أن ما تعرض له المكون الإيزيدي والمكونات الأخرى يعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني ويمثل عنفا ممنهجا واستعبادا إنسانيا. ويذكر أن 18 برلمانا ومؤسسة من مختلف دول العالم اعترفوا بالإبادة الجماعية للإيزديين حتى الآن، من بينها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
موقف إقليم كردستان
أما حكومة إقليم كردستان فإنها غالبا، تنتقد مواقف حكومة بغداد من مأساة الإيزيديين، حيث أعلن رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، أن نحو نصف الإيزيديين ما زالوا في المخيمات، وأن القضاء لا يزال مرتعًا للميليشيات، مطالبًا بغداد بتنفيذ اتفاق سنجار لعام 2020 وتوفير الأمن والخدمات للقضاء.
رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني من جانبه أعرب عن أسفه الشديد لتجاهل بغداد تنفيذ اتفاقية 2020، مبينًا أن استمرار الوضع غير المستقر في القضاء يعرقل الإعمار وعودة النازحين، محذرًا من أن «غياب الإرادة السياسية الجادة يسهم في إبقاء الأزمة قائمة».
ولتوضيح أبعاد مأساة الإيزيديين، ذكر منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كردستان، ديندار زيباري، أن عناصر داعش أقدموا على اختطاف 6.417 مواطنا إيزيدي، حيث «تم حتى الآن إنقاذ 3.590 شخص منهم»، فيما لا يزال 290 ألف نازح إيزيدي يتواجدون في مخيمات إقليم كردستان وخارجها، كما تم إرسال أكثر من (1100) من النساء الناجيات إلى ألمانيا لتلقي العلاج».
وقال زيباري: «لا يزال أكثر من 290.000 إيزيدي نازح في إقليم كردستان، منهم 120.000 يعيشون في المخيمات و170.000 خارجها». وأرجع عدم قدرتهم على العودة إلى «عدم استقرار المنطقة، وغياب الخدمات الضرورية، ووجود قوات غير شرعية في سنجار ومحيطها».
وبدوره كشف مدير مديرية الهجرة والمهجرين واستجابة الأزمات في دهوك، بيرديان جعفر، في محافظة دهوك، عن «وجود 15 مخيمًا للنازحين الإيزيديين، يضم حوالي 20 ألف شخص و830 عائلة في المخيمات، وأكثر من 35 ألف عائلة إيزيدية تعيش خارج المخيمات، ما يجعل العدد الإجمالي حوالي 280 ألف لاجئ من سنجار. وخلال العامين الماضيين، عاد أكثر من 800 عائلة إلى سنجار، إلا أنه وبسبب عدم وجود خدمات الكهرباء والطعام والخوف من المنطقة، عادت إلى المخيمات مرة أخرى».
وأضاف «قررت حكومة العراق أنه في 31 تموز/يوليو 2024، لن يبقى أي مخيم للنازحين الإيزيديين، وسيتم إعادتهم إلى ديارهم، وستدفع لكل عائلة أربعة ملايين دينار كمساعدة، لكن القرار لم يُنفذ. وفي العام الماضي، سجل فقط ستة آلاف شخص اسمهم للعودة إلى سنجار، ولكن تمت إعادة فقط ثلاثة آلاف شخص، وهذا ما جعل النازحين غير مطمئنين للعودة إلى ديارهم».
تواصل عمليات تحرير الإيزيديين
ونظرا لوجود اعداد كبيرة من الإيزيديين في مخيمات اللجوء في سوريا، يجري الإعلان بين فترة وأخرى عن العثور على بعضهم وإعادتهم إلى العراق.
ومؤخرا ذكرت خلية الإعلام الأمني (حكومية) في بيان لها، أن» جهاز الأمن الوطني أشرف على عودة 13 عائلة إيزيدية يصل عدد أفرادها إلى 70 شخصا من مخيم نيروز السوري إلى مناطق سكناهم في قضاء سنجار بعد هروبهم من عصابات داعش الإرهابية في عام 2014».
وقبل أيام عادت فتاة إيزيدية من سيطرة داعش إلى حضن عائلتها بعد 11 عاما من الاختطاف.
فقد أعلنت المخابرات العراقية، نجاحها في إعادة الفتاة الإيزيدية ريهام حجي التي اختطفها تنظيم داعش إلى أهلها في سنجار، بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، حيث كانت مختطفة لدى إحدى العائلات المنتمية لتنظيم داعش الإرهابي في سوريا، وذلك بعد أكثر من عقد على اختطافها من قضاء سنجار في محافظة نينوى خلال اجتياح التنظيم للمنطقة عام 2014.
وكانت ريهام، اختُطفت مع عدد من أفراد عائلتها قرب قضاء سنجار، وتم العثور عليها قبل أيام بعد عمليات تتبّع استمرت لأسابيع، ليتم تحريرها أخيراً من منطقة سورية خاضعة للسيطرة غير الحكومية، ما أعاد الأمل لعوائل آلاف الإيزيديين المفقودين الذين اختطفهم تنظيم داعش عند سيطرته على بلدات نينوى في 2014 وما زالوا مجهولي المصير.
ويذكر أن «القدس العربي» قد زارت مدينة سنجار بعد تحريرها عام 2016، وشاهدت الدمار الهائل فيها بعد المعارك وخلوها من السكان آنذاك، كما زارت مخيمات النازحين في دهوك حيث أكد النازحون الإيزيدون فيها، عدم اقتناعهم بالخدمات والمشاريع التي تقدمها الحكومة لإعادة النازحين من سنجار، وسط غياب الاستقرار الأمني والسياسي فيها.
الصراع السياسي في سنجار
وبالرغم من المأساة التي تعرض لها المكون الإيزيدي في سنجار على يد تنظيم داعش الإرهابي، فإن المنطقة ما زالت تعصف بها صراعات سياسية لقوى وفصائل مسلحة للسيطرة عليها.
فبعض القوى الشيعية تسعى لفرض سيطرتها على سنجار، عبر بعض فصائل الحشد الشعبي وتجنيد بعض السكان المحليين، ونفس الشيء تقوم به حكومة الإقليم. ولذا تتداخل في سنجار سلطات الجيش العراقي، وقوات الحشد الشعبي، وقوات البيشمركه، فضلاً عن فصائل مرتبطة بحزب العمال التركي الكردستاني، وهو ما أعاق تطبيق اتفاق 2020 الذي نص على تطبيع الوضع في القضاء تحت إدارة مشتركة بين بغداد وأربيل.
ويرى المتابعون لمأساة الإيزيديين أنه مع تجدد المطالبات في كل عام باتخاذ خطوات فعلية لتحقيق العدالة الانتقالية، وتعويض الضحايا، ومحاسبة الجناة، لم تبعد المخاوف من إمكانية تكرار المأساة في ظل غياب الحماية الكافية.
فالمأساة هناك لم تنته حتى الآن، إذ تم تخليص القضاء من تنظيم داعش ولكنه ابتلى بسيطرة الميليشيات وحزب العمال والصراع بين الإقليم وبغداد، بل والتنافس السياسي لكسب أصوات الإيزيديين مع قرب الانتخابات البرلمانية.
وبالتالي فإن عودة الحياة الطبيعية في قضاء سنجار، وتشجيع أهلها على العودة إليها، لن يتحقق إلا بتوفر الاستقرار الأمني والسياسي وتوفير الخدمات وإعادة إعمار القضاء وتعويض الضحايا. وفي غير ذلك فالسكان يفضلون البقاء في المخيمات على العودة إلى المدينة التي أصبحت وأهلها ضحية الصراعات.