مأساة مهندس سوري!

حجم الخط
0

ليست المأساة في أن تختبئ أنت وعائلتك فقط، من الصواريخ والبراميل المتفجرة، المأساة بأنك لا تستطيع أيضا أن تخبئ معك المباني التي قضيت العمر كله في بنائها أو الإشراف عليها..
أو حتى المباني التي أعجبت بها.. كيف تستطيع أن تلف كل هذه المباني وكل هذه الذكريات معك وتختبئ معها في مكان آمن!! كيف تستطيع أن تتجاهل وجودها دفعة واحدة وتهرب أنت وعائلتك إلى غرفة داخلية بانتظار الصوت المدوي من الصاروخ الروسي أو الإيراني القادم إليك، كيف تستطيع النظر إلى البرميل المتفجر الذي يتأرجح في السماء ليسقط عليك أو على بيتك الذي هربت منه، أو على المبنى الذي قضيت سنتين أو ثلاث وأنت تذهب إليه منذ الصباح إلى المساء، وشهدته أرضا خربة، وترعرع بين يديك حتى أصبح بناءً شامخا يتطاول عاليا ويعج بالحياة؟؟
يشعر الناس بالأمان عندما يتأرجح البرميل المتفجر مبتعدا عنهم، وأنا أشعر بالانقباض والقلق المهدد بوقف التنفس عندما يقترب البرميل من مبنى أعرفه، مبنى عايشته مع أعداد كبيرة من العمال والفنيين المختلفي الأشكال والألوان والأمزجة، مبنى أعرف حتى ساكنيه الذين تناقشت معهم بسبب مشكلة في التمديدات الصحية أو في حركة المصعد أو الوان نوافذ وأبواب الواجهات الخارجية، وكيف هدأ التوتر، مع طول إعادة قراءة شروط العقد والتعويض أو المطالبة بنصف التكلفة.. وكيف انتهى النقاش إلى شرب فنجان قهوة وبدء طرق ودية، للاختلاف حول طريقة الاكساءات في الشقة العلوية، وأصوات صاروخ قص السيراميك والبلاط وإزعاجه للجيران الذين بكروا في السكنى، للخلاص من دفع الإيجارات المتسارعة في التهام دخولهم ورواتبهم!!
ما يدهشني حقا في هذه الحرب هو نوعية البشر وتباين مهنهم!!
أول مرة أرى الفروق الشاسعة بين مهن البشر، بين عامل الهدم وعامل البناء، أول مرة أرى غريمي طائرا في السماء التي فوقنا..
أنا المهندس أرى غريمي الطيار ينتقي المنازل التي يهدمها، أو ربما لا ينتقيها.. فقط يضغط الأزرار المتسببة بالتقويض وبالهدم وإرعاب الناس، من أجل أن يطمئن حاكما مرعوبا على كرسيه أو مستمتعا بساديته المتجاوزة لحد الجنون..!!!
الطيار المحلق في السماء هو غريمي أنا المهندس الذي قضيت العمر في انتزاع الاستقامات والارتفاعات من كتل الجمادات، ومن سواعد العمال التي تنوء بالتعب وبالجهد، ليعود العمال في المساء إلى بيوتهم مطمئنين على أهلهم ومستقبل أطفالهم!!!
كيف لمهنة الطيار التي كانت تمتزج بالرومانسية في أذهاننا،عندما كناأولادا، نحلم جميعا بان نكون طيارين، نحلق عاليا في السماء.. كيف لهذه المهنة التي كانت نبيلة أن تتحول إلى هذا الشكل الشيطاني..
كيف يحلم الإنسان في صباه حلما يراه جميلا ويحقق في حياته العملية حلما معاكسا.. أن تحلم بأن تكون طيارا وتنتهي بان تكون مهندسا.. وتجد نفسك وعائلتك و أشياءك ومستقبلك مهددين جميعا من حلمك القديم في أن تكون طيارا..يا للشر المستطير الذي يداهمنا كل يوم، وكل لحظة، وكل غفلة نوم عابرة!!؟؟
تفهم زوجتي ما يدور في ذهني من قلق على البيوت وعلى المباني، ونحن مختبئون بين الحمام وممر البيت، وتوشك أن تبدأ لومها لي، لكنها سرعان ما تقلع عن ذلك!!
لا ارثي الحجر بدلا من البشر، لكنني ارثي حياتي التي قضيتها في البناء، ليأتي طيار أخرق ويطلق الصواريخ والبراميل المتفجرة عليها.. إنني ارثي قيم البناء التي تغلبت عليها قيم الهمجية العسكريتارية، والتي لا تجد نفسها إلا في هذا الدمار الهائل الذي يوفر لها الرضا عن النفس، والرضا عن الأداء، و يوفرابتسامة القائد المباشر، التي توفر بدورها ابتسامة القائد غير المباشر على دروب الموت والدمار!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية