أيمن نزال هذه ليست مقالة دينية تستعرض الفساد من وجهة نظر إسلامية على الاطلاق. ولكن كشخص معني بالأداء الحكومي وأنظمة الإدارة الحكومية بفعل خلفيتي الأكاديمية وجدت بأن هذا الحديث النبوي يجمع في ثناياه الكثير من النظريات التي صيغت عن الفساد وكيفية مكافحته. ففيه الحزم المعلل بالقسم ومايقابله في أيامنا هذه بالإرادة السياسية الفاعلة. وهو صادر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وما يقابله في أيامنا هذه برأس الدولة فيما يتعلق بالقيادة فقط. والرسول يعلي في هذا الحديث من قيمة الأخلاق ومصلحة الأمة و يتحدى نمطاً اجتماعياُ مازلنا نعاني منه الى الأن وهو صلة القربى والثقافة الأجتماعية السائدة التي تعلي صلة الدم على حساب مصلحة الوطن أو الأمة. وفي النهاية فيه القصاص والعقاب والذي قلما يطبق في أيامنا إلا على قلة قليلة.
فالحديث عن الفساد في الأردن أصبح من المواضيع الساخنة إلى درجة أن البعض أخذ يتذمر من أن مشاكل الأردن لايمكن حصرها فقط بمشكلة الفساد. ولكن من الدقة بمكان أن نوضح بأن الفساد يقبع في صميم كل المشكلات الأخرى التي تحيق بالوطن. فالفضائح المتعلقة بالفساد والتي يكشف عنها بين الحين والاخر تظهر مكامن الضعف في بنية الأنظمة الإدارية السائدة في الحكومة و التي سمحت بحدوث الفساد وفشلت في رصده وإيقافه. فالبرغم من وجود هيئة مكافحة الفساد والتي تأسست عام 2006 يوجد أيضاً اللجنة العليا لمكافحة الفساد والتي تأسست سنة 2000 وهناك مديرية مكافحة الفساد التابعة للمخابرات العامة، إلا أن الفساد مازال مستشريا في القطاع الحكومي وجميع محاولات إستئصاله لم ينتج عنها إلا عدد قليل من الإدانات التي لا تتجاوز أصابع اليد. وهي كذلك تظهر مكامن الضعف في نظام العقوبات المتعلق بالفساد والذي لم يشكل رادعاً لفاسد لإنه إما نظام غير فاعل او غير مُفعل. ومكامن الضعف في بنية الدولة الإدارية وعدم جدية مكافحة الفساد إلا في حالات إنتقائية أدت الى سوء توزيع الثروات وبالتالي إلى ظهور طبقة من الأغنياء والمتنفذين الذين أرتبطوا بمناصب حكومية أو برلمانية ضمنت لهم عوائد مالية مجزية وشبكات أعمال وتجارة من مقدرات الدولة وثروات الوطن. وكذلك عمل الفساد في حالات معينة على إعاقة النمو الاقتصادي من خلال وضع عراقيل على تدفق الإستثمارات وعلى تبديد المساعدات التي تصل إلى الأردن والتي تستهدف المشاريع التنموية في المناطق الفقيرة والأقل حظاً. فبدلا من أن تصل هذه الأموال الى أماكن صرفها بانشاء مشاريع تنمية محلية وتعزيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم وتحسين المدارس والمراكز الطبية، نجد بأن النزر اليسير منها يستخدم لهذه الغايات أما جُل المساعدات فيتلاشى في قنوات انشأها الفاسدون. وكذلك عمل الفساد على إتلاف الحياة السياسية من خلال قيام البعض بشراء الولاءات الشعبية للوصول إلى البرلمان أو من خلال ‘التعيين المباشر’ في البرلمان لضمان تمرير سياسات إقتصادية وإجتماعية وسياسية تمس جميع جوانب الحياة. فوصل بنا الامر الى مجالس نواب مزورة لا تعكس الإرادة الشعبية. ويعمل الفساد على حماية شخصيات فاسدة مارست الفساد بكافة أشكاله حتى بعد مغادرتها مناصبها فتبقى تتمتع بحصانة تمتد متى أمتد عمر الفساد. وتستخدم أموال الفساد في بعض الحالات لإنشاء أحزاب سياسية وصحف ومواقع إخبارية الكترونية تخرج بفرقعات إعلامية تدافع عن الحكومة متى وجب الدفاع عنها. لكن إن كنا نطالب الحكومة بمكافحة الفساد وتعزيز تطبيق التشريعات والآليات التي تحاربه على كافة المستويات وتقديم الفاسدين إلى القضاء وليس فاسد واحد في كل مرة لأن عملية الفساد تتضمن طرفين أو أكثر وهما الراشي والمرتشي أو الفاسد والمُفسد ومن تواسط بينهما أليس من الحكمة أن نكافح الفساد على المستوى الشعبي أيضاً. أليس من الأولى أن نغيرمن ثقافتنا الإجتماعية لدور العشيرة والحمولة وأبن القرية في تسيير أعمالنا اليومية وتحصيل ماهو حق لنا وماهو ليس حق لنا في حالات عديدة؟ عندما سُئل والامير حسن عن دور العشيرة في الأردن قال بان دور العشيرة مهم ولاغنى عنه ويجب ان يوضع في الإطار التكافلي وبأنه يجب مأسسة هذا الدور. ومما أقدر أن افسربه كلام الأمير بأنه يعني أن تدخل العشيرة في علاقتها مع الدولة إلى عصر الحداثة وعصر الدولة المدنية ذات المؤسسات وأن ينحسر دورها في الدعم الإجتماعي التكافلي عند الضرورة من مثل أعمال الخير أو من خلال تشكيل صناديق عشائرية أو جمعيات أهلية بمساهمة أبناء العشيرة للمساهمة في التنمية في مناطقها. على أن يبقى دورها في هذا الإطار وتبقى مهمة فرض القانون والقدرة على فرض القانون من مهام الدولة ليصبح الجميع تحت سيف القانون سواء.
فكما هو واضح أننا شعب يعشق الواسطة والمحسوبية فمن ليس له معرفة أو ‘قرابة’ في دائرة حكومية أو مركز أمني يعتبر نفسه مقطوع من شجرة. حتى أنا أمارس الواسطة متى سنحت لي الفرصه وهي نوع من أنواع الفساد. فقد أصبحت عملية تسيير الأعمال والقفز فوق التعليمات والكثير منها فعلياً بيروقراطي من أمور الوجاهة التي تستدعي التباهي بين الاقران وهي جزء مهم من مسؤولية العشيرة تجاة أبنائها إلى درجة قد تضيع فيها حقوق بعض الناس إذا ما تبارز شخصان لإظهار واسطاتهما. قد يعلل البعض الأمر بأن التعليمات البيروقراطية التي تضعها الدولة تجعل مثلا من إستصدار رخصة تجارية عملية مرهقة لذلك لابد من الواسطة لاختصار العملية. وهنا يأتي دور الحكومة من عملية الإصلاح وإعادة هيكلة الإجراءات وتبسيطها وليس فقط إعادة هيكلة الرواتب. ولايقل أهمية عن ذلك دور مؤسسات المجتمع المدني التي يقع عليها عبء الضغط نحو إعادة الهيكلة وتعريف المواطن بحقوقه. وماعملية الصراعات التي نسمع بها في الجامعات الاردنية بين الطلبة بين الحين والآخر إلا إمتداد لسطوة العشيرة والحمية القبلية التي لايمكن أن تعبر بنا الى دولة المؤسسات والعدالة و القانون. كذلك بعض عمليات تعيين موظفي القطاع الحكومي تتم بالواسطه لتحقيق محاصصة مناطقية وهي ضرب من ضروب الفساد. حتى أن من تعين بواسطة إخترقت كل القوانين كيف يمكن له أن يحترم أي قانون بعد ذلك وكيف له أن لايمارس الواسطة في كل مناحي الحياة وهو وليدها. فتجد من لا كفاءة لدية يرغب بالوظيفة الحكومية رغم دخلها المنخفض ومن لدية الكفاءة إما عاطل عن العمل أو توظف بالقطاع الخاص بحثاً عن راتب أفضل أو غادر الى خارج البلد بحثاً عن لقمة عيش مما أدى الى إنخفاض الأداء الحكومي نتيجة إنخفاض الكفاءات. أن عملية إنجرار العشيرة الى النظام الاداري الحكومي ومن ثم سيطرتها عليه هو فعلياً عملية تزاوج بين الفساد الحكومي والفساد الشعبي الثقافي لذلك قد نجد تناقضاً في بعض الأحيان بين مطالبات بعض قطاعات الحراك بمكافحة الفساد وبين مواقفهم الداعمه لبعض الاشخاص المتهمين به خصوصاً إن كانو من أبناء مناطقهم. إن البنية الثقافية التي ميزت الأردن على مر السنين قد تتغاضى عن بعض الممارسات التي تقع في إطار الفساد بإعتبارها ممارسات إعتيادية تمليها صلة القربى والدم والجوار أو العادات والتقاليد. ولذلك عندما تمت دراسة طبيعة الفساد للقضاء علية من جهات دولية كالبنك الدولي إصطدم الخبراء بحواجز ثقافية لاتنظر إلى بعض الممارسات بأنها فساد من مثل الهدية أو ‘الحلوان’ والتي هي بالأساس رشوة أو من مثل دعوات الغداء والولائم والتي نسميها ‘القيام بالواجب’ أو حتى تقديم خصومات عند الشراء لكسب معرفة المشتري.
لذلك نجد أنه من الضروري أن تتلاقى جهود مكافحة الفساد التي تقوم بها الحكومة بالرغم من قصورها الحالي مع جهود شعبية تعلي قيمة الانتماء للوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه دون النظر إلى إقليمية ضيقة وعصبية قبلية تعلي قيمة المنطقة أو العشيرة لتحقيق منفعة على حساب الوطن. وبذلك تتم مأسسة العشيرة ووضعها في إطارها التكافلي الصحيح. فالرسول علية الصلاة والسلام توعد فاطمة الزهراء وهي أحب الناس إليه ولن يشفع لها أنها إبنته إن قامت بالسرقة. كذلك ينبغي على الحراك الشعبي وجميع القوى التي تطالب بمكافحة الفساد بنشر التوعية التي تطالب بعدم الإنخراط في أية أعمال أو واسطات أو استغلال وظيفي لمنفعة خاصة وتعريف المجتمع ماذا يعني الفساد وماهي اشكاله فالفساد ليس فقط الصفقات التي تتم بالملايين وتستنزف مقدرات الوطن وليس فقط عمليات الخصخصة التي تمت دون شفافية بل هي ايضاً إستغلال السيارة الحكومية لأغراض عائلية وإستخدام المعارف لتجنب مخالفة سير وعدم دفع التراخيص التجارية لسنوات بمساندة القرابة، فكل ذلك فساد. حين يتم نشر هذا الوعي على مستوى شعبي يصبح لجميع اللافتات التي تُرفع في المسيرات وتطالب بمحاكمة الفاسدين قيمة أعلى ووقع أكبر على أسماع المسؤولين الحكوميين. ‘ كاتب فلسطيني