مؤتمرات القمة والتاريخ والفلسفة
د. علي محمد فخرومؤتمرات القمة والتاريخ والفلسفةاجتماعات مؤتمرات القمة العربية هي من أفضل المناسبات للتمعُّن في الكيفيًّّة التي يتعامل بها القادة العرب مع قضايا الشعوب العربية، دعنا أولاً نفحص البديهيات النظرية:أولا: ان المؤتمر هو في الأساس لقادة الدول العربية وليس لوزراء خارجيتهم أو موظًّفي دولهم الكبار، وهو مؤتمر لاتخاذ القرارات التي لايمكن التوصل اليها الاً بالحوار بين متخذي القرار أنفسهم، لكن الذي يحدث في الواقع أن الحوار يجري بين الوزراء لبضعة أيام تسبق القمُّة بينما يجتمع القادة لمدة يوم واحد فقط ليصادقوا علي القرارات، هناك مقولة شهيرة من أن الهدف من الحوار ليس الانتصار وانما التقدم، فاذا كان الحوار معدوماً في اجتماعات القمة بين الرؤساء فهل نأمل في تقدم يذكر في نوعية القرارات التي تصدر عن مؤتمرات القمة سنة بعد سنة وعقداً بعد عقد؟ثانياً: كان الفيلسوف اليوناني أفلاطون يقول بأن هناك فرقاً بين الرأي وبين الحقيقة، فالرأي هو محلي وهو مؤقًّت وهو غير كامل، بينما أن الحقيقة، نُعني بما هو كامل ودائم وغير متغير ولا يحتاج الانسان الي كبير عناء ليخلط أن أغلب ما يقال في مؤتمرات القمة هو خليط من الثرثرة الديموغاجية التي لا تراعي حتي أبسط قواعد التعامل مع حقائق القضايا المطروحة ومن الآراء الشخصية المؤقتة التي لاتذهب الي جذور المواضيع التي تناقش، ولنتذكر أن ابنة عم الرأي هي العواطف الفجًّة وليس العقل المتٍّزن. واذن فالمقدمٍّات النظرية تشير الي ضرورة عدم أخذ مؤتمرات القمة العربية بجدية وعدم انتظار نتائج كبري، ومع ذلك فهناك فوائد يمكن أن يجنيها القادة العرب لأنفسهم كأشخاص من جًّّّراء اجتماعهم في الخرطوم بالذًّات.فأولاً: لعلًّ مدينة الخرطوم تذكٍّر أصحاب تمديد ولايات الحكم غير الشرعية بسوار الذهب السوداني الذي وعد شعبه بترك الحكم في نهاية مدة حدُّدها ثمُّ نفًّذ وعده ذاك، سوار الذهب سيدخل التاريخ من خلال احترام الشارع العربي كله له، وغيره من المتلاعبين بالدساتير والقوانين ليبقوا هم وأولادهم في الحكم سيدخلهم التاريخ في حفره وسيهيل عليهم تراب النٍّسيــان الأبدي. وثانيا: هناك تعريفان لكلمة المستبد : أحدهما انه الحاكم المطلق، والثاني أنه الحاكم القامع لشعبه، ولقد مُّر الحكم في الخرطوم بممارسة كلا النوعين من الحكم، المطلق والقمعي، فلم يجن سوي الخراب الذي سيشاهده القادة العرب في كل مكان، ولقد تمًّ كل ذلك تارة باسم مبادئ ثورية عظيمة وتارة باسم دين عظيم ففشل الحكم في كلتا الحالتين لأنٌّ عظمه ولحمه كان الاستبداد، فلعلًّ القادة العرب يعون كل ذلك في الخرطوم ويبقونه في نفوسهم بعد عودتهم الي عواصم بلدانهم.ثالثا: ان السودان الذي يزورونه كان ولايزال من أغني بلاد العرب، وكان يستطيع، لو وجد فيه الحكم الرشيد، أن يكون شعبه في بحبوحة من العيش الكريم، لكن تعاقب حقب الفساد الاداري والمالي والسياسي وتبديد الثروات في الصٍّراعات الأثنية والدٍّينيًّة أضاعا فرصة تاريخية قد لا تعود أبداً، واليوم يواجه معظم قادة العرب في بلدانهم نفس المشاكل ويتعاملون معها بنفس الأساليب، في بلد كالعراق تهدر أموال البترول علي الصٍّراعات الفرعيُّة ايُّاها وفي الخليج تهدر أموال البترول علي كثير من السًّفه والفساد والأقليات المترفة وفي بلدان كثيرة أخري تتركًّز الثروات في أياد قليلة ويتركًّز الفقر في جموع الناس، لعلًّ القادة يتعلمون في الخرطوم درساً مفاده أن الخير الذي لايعمٌّ الجميع، وأن الثروة التي لا تستعمل في أغراض البناء والتقدم والتنمية لايقودان الاُ لما رأوه بأم أعينهم من أناس حفاة عراة ينخر عظامهم الذل والقهر والضياع.هل يأمل الانسان في أن ينتج عن مؤتمر الخرطوم بعض من هذه الفوائد علي الأقل؟ أشك في ذلك، لقد كان الكاتب اليوناني القديم ثيوسيدس يقول بأن التاريخ هو فلسفة تعلُّم بالقدوة والتماثل، لكن من قال بأن قادة العرب يعرفون التاريخ أو الفلسفة؟ 9