الدوحة ـ”القدس العربي” يفضح تهافت عواصم عربية وتسابقها لإعلان مباركتها لمؤتمر المنامة، وما يرتبط به من هرولة لتنفيذ أجندات الإدارة الأمريكية، وتوقيع صك على بياض لخطة رئيسها دونالد ترامب السرية والمعلنة لتصفية القضية الفلسطينية، المدى الذي وصلت إليه هذه الدول من تطبيع لعلاقاتها مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
الورشة التي تنظمها الولايات المتحدة في البحرين، لتعرض من خلالها الإدارة الأمريكية الشق الاقتصادي من خطة “صفقة القرن” التي يشرف عليها صهر الرئيس جاريد كوشنر، قسمت العرب، قسم مع الرؤية ويزكيها جهراً، وآخرون رافضون لها، مع تباينات واضحة في الموقف أيضا.
الحدث الذي تستضيفه المنامة بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية اختير له عنوان فضفاض: “السلام من أجل الازدهار” وخلفه يتستر على الأجندات الحقيقية.
وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، ادّعى أن استضافة بلاده لورشة العمل الاقتصادية بالتعاون مع واشنطن، تندرج ضمن نهج المنامة المتواصل لدعم الشعب الفلسطيني.
واعتبر أن “موقف مملكة البحرين الرسمي والشعبي، كان وسيظل ثابتا، ومناصرا للشعب الفلسطيني، في استعادة حقوقه المشروعة في أرضه وإقامة دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية” من دون أن يوضح أي عاصمة يقصد، والتي اعتبرتها حليفة بلاده خاصة بسلطات الاحتلال.
وشرعت آلة الدعاية البحرينية التي تساندها الإمارات والسعودية ومصر، في الترويج للورشة على أنها الفرصة المحورية لقادة الحكومات، ومؤسسات المجتمع المدني، وقطاع الأعمال، لتبادل الأفكار والرؤى، ومناقشة استراتيجيات تحفيز الاستثمارات، والمبادرات الاقتصادية الممكنة، لتحقيق السلام في المنطقة.
أما واشنطن فادعت بتصريحات وزير الخزانة ستيفن منوشين، أن هذه المناقشات المهمة، توفر للفلسطينيين فرصًا نوعية جديدة، لتحقيق إمكانياتهم الكاملة، وستساهم الورشة في جمع القادة من قطاعات عدة، ومن جميع أنحاء الشرق الأوسط، لبحث سبل تعزيز النمو الاقتصادي، والفرص المتاحة للشعوب في هذه المنطقة المهمة.
وحتى الآن تصر البحرين وأمريكا في بيان يروج له أن ورشة “السلام من أجل الازدهار” هي أساساً رؤية قابلة للتحقيق، وإطار عمل يضمن مستقبلاً مزدهراً للفلسطينيين ولشعوب المنطقة، لكن من دون أي إعلان رسمي، أو اعتراف أنها مقدمات، تمهد الطريق أمام إطلاق صفقة القرن التي لم تعلن تفاصيلها رسمياً بعد.
الإشارات التي ترسلها الدولتان، بالإيحاء أنه بحال تبني هذه الرؤية وتطبيقها، فإنها من الممكن أن تغير حياة الأشخاص وتضع المنطقة على الطريق نحو بناء مستقبل أكثر إشراقاً، لم يرافقها أي تفصيل للسبيل الأمثل لتحقيق ذلك، في ظل الخطوات التصعيدية لسلطات الاحتلال وداعميها في المنطقة.
جاريد كوشنر، المشرف على ملف الخطة الأمريكية للسلام، اعتبر أن تجمع البحرين سيركز على أربع نقاط، هي البنية التحتية والقطاع الصناعي والاستثمار في البشر وتقويتهم، وأخيرا الإصلاح الحكومي.
وبينما أوضح مسؤول أمريكي في إفادة صحافية أن الخطة الاقتصادية، تشمل منحاً مالية، وقروضاً بفائدة مخفضة واستثمارات خاصة، يرى مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى روبرت ساتلوف -الذي استضاف وحاور كوشنر قبل أسبوعين- أن الخطة سيكون من الصعب نجاحها.
وقال جيري فيرنشتاين السفير الأمريكي السابق في دول عربية عدة “إن كل ما يقوم به كوشنر قد تم تجريبه من قبل، وكانت نتيجته الفشل. ومن ثم لا بديل عن حل سياسي أولا”.
ترحيب إسرائيلي ومباركة بعض العرب
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فضح المطبعين العرب، بتأكيده أن دولة الاحتلال ستشارك، في مؤتمر المنامة لبحث الشقّ الاقتصادي من خطة السلام الأمريكية، لحلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، من دون تحديد أسماء الذين وجّه البيت الأبيض الدعوة لهم.
وصرّح نتنياهو أنه يرحّب بالمبادرات الأمريكية التي تتضمن حلولاً إقليمية من أجل ما اعتبره مستقبلا أفضل.
وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، غرّد معلناً، مشاركة بلاده، في ورشة البحرين من دون مزيد من التفاصيل.
وسريعاً أعلنت الإمارات العربية المتحدة ترحيبها بالإعلان عن ورشة العمل الاقتصادية، وأكدت دعم الورشة والمشاركة بوفد فيها.
وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في بيان إن الإمارات تقف مع كافة الجهود الدولية الرامية إلى ازدهار المنطقة وتعزيز فرص النمو الاقتصادي، والتخفيف من الظروف الصعبة التي يعيشها الكثير من أبناء المنطقة خاصة أبناء الشعب الفلسطيني. وهو نفس توجه حليفتها السعودية، وكذلك مصر التان أيدتا المؤتمر وتفاصيله.
وجاء الإعلان عن الدول العربية التي تشارك في المؤتمر، من الإدارة الأمريكية التي صرحت أن مصر والأردن والمغرب، أبلغت واشنطن، اعتزامها حضور مؤتمر المنامة.
خطوات تطبيعية
سبقت مؤتمر المنامة خطوات تطبيعية لعدد من الدول العربية التي فتحت حدودها واستضافت علناً وسراً عدداً من المسؤولين الإسرائيليين.
وتزامناً مع المؤتمر وجهت البحرين دعوات لعدد من الصحافيين والمسؤولين الإسرائيليين لحضور الحدث.
وقال صحافي إسرائيلي، يدعى باراك رافيد، إن المنامة سمحت بدخول 6 وسائل إعلام إسرائيلية لأراضيها لتغطية ورشة أمريكية، متعلقة بفلسطين.
وعبر حسابه الموثق بـ”تويتر” قال: “سمحت البحرين للصحافيين من ست وسائل إعلام إسرائيلية مختلفة بدخول البلاد الأسبوع المقبل من أجل تغطية مؤتمر “السلام إلى الازدهار” في المنامة الذي سيطلق الجزء الاقتصادي من خطة سلام الإدارة الأمريكية”.
وأضاف: “هذه خطوة لم يسبق لها مثيل من قبل البحرين التي ستسمح لأول مرة للصحافيين الإسرائيليين بتقديم تقارير من المملكة التي ليس لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل”.
أصحاب الأرض يرفضون
مقابل الادعاءات أن المؤتمر يهدف أساساً لإيجاد حلول لقضايا المنطقة، وصفت الرئاسة الفلسطينية مؤتمر المنامة، بـ “الخطأ الاستراتيجي”.
الناطق باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، اعتبر أن هدف المؤتمر هو “تجنب الوصول إلى حلول سياسية (للصراع الفلسطيني الإسرائيلي) حيث إنها طُرحت مراراً تحت عنوان السلام الاقتصادي، وفشلت، الأمر الذي أدى إلى كوارث وحروب لم تتوقف حتى الآن.
وشدد على أن ما يعد من خطوات تحت عناوين مضللة، ستؤدي إلى تطبيع مجاني قبل تنفيذ مبادرة السلام العربية القائمة على أساس الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة كخطوة أولى”.
الفلسطينيون أصحاب الأرض اعتبروا المسارات التي يتم الترويج لها من قبل أشقائهم العرب، عوامل إضافية لرفع منسوب التوتر في منطقة مشتعلة أصلا وسط مناخات متوترة، ومحتقنة وربما تؤسس إلى نقطة اللاعودة لكثير من الأمور، على حد وصف المسؤول الفلسطيني.
رئيس وزراء السلطة محمد اشتية، اعتبر مؤتمر المنامة ولد ميتاً.
واعتبر مجلس الوزراء الفلسطيني أنه لم يستشر حول هذه الورشة المذكورة لا من ناحية المدخلات أو المخرجات أو التوقيت.
الفصائل الفلسطينية كان موقفها مشابهاً ورفضت المؤتمر ومخرجاتها وكل ما يتم الترتيب له لتصفية قضيتها.
وعبرت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” عن استهجانها إعلان بعض الدول العربية اعتزامها المشاركة في ورشة البحرين الاقتصادية.
وقال عضو المكتب السياسي للحركة خليل الحية: “إن ورشة البحرين تأتي في سياق تطبيق الخطة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط” وطالب الدول العربية المعنية بمقاطعتها، ووصفها بالطعنة القاتلة للقضية الفلسطينية.
وطالب أحمد بحر نائب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الدول العربية والإسلامية بمقاطعة أعمال مؤتمر البحرين الاقتصادي، والوقوف إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني.
وحتى الآن تعبر عدد من الدول العربية عن موقفها الرافض لاعتماد أي مسار أو خطة لا تلبي تطلعات الشعب الفلسطيني، أو تفرض عليه خطة يكون مقابلها التنازل عن مطالبه الأساسية، أو تؤدي إلى التفريط في أرضه.
رغم أن ما بات يعرف “بصفقة القرن” لم تعلن تفاصيله رسمياً، فإن العديد من بنودها تسربت خلال الشهور الماضية عبر وسائل إعلام عربية وغربية، وعلى لسان أكثر من مسؤول.
وحسب هؤلاء فإن الخطة ستكون شاملة، وتتجاوز الأطر التي وضعتها الإدارات الأمريكية السابقة، وتتناول كل القضايا الكبرى بما فيها القدس والحدود واللاجئين، وتكون مدعومة بأموال من السعودية ودول خليجية أخرى لصالح الفلسطينيين.
ويتساءل السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل دان شابيرو عما إذا تم إبلاغ المدعوين لمؤتمر المنامة بالبعد السياسي للصفقة أم لا. وهل سيشارك من لم يطلع على الخطة السياسية، وهل سيرحب بالوفد الإسرائيلي؟ وهل سيشارك الفلسطينيون؟”.
سرية المفاوضات إلى أجل مسمى
الإدارة الأمريكية التي تعد العدة للمؤتمر، وتحشد الدعم له، لا تزال مترددة في الإعلان عن تفاصيل خطتها للتسوية في المنطقة. وفي هذا السياق لمّح المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، أن بلاده ربما تؤجل الكشف عن “صفقة القرن” حتى تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وقال غرينبلات إن إدارة الرئيس الأمريكي “كانت ستصدر الخطة خلال الصيف، لو لم تدع إسرائيل إلى إجراء انتخابات في أيلول/سبتمبر”.
وأضاف: “لم نتخذ قرارًا بشأن ما إذا كان سيتم التأجيل في الوقت الراهن، وربما حتى السادس من نوفمبر”.
وتابع: “أعتقد أن المنطق يقول إنه إذا أردنا الانتظار حتى يجري تشكيل حكومة (إسرائيلية) جديدة، فعلينا فعلاً الانتظار، حتى 6 تشرين الثاني/نوفمبر”.
المؤشرات الواردة من المنامة تشي أن المجتمعين سيطرحون مبادرات عامة ويرسلون إشارات وتلميحات لخطتهم التي باتت تعرف بـ”صفقة القرن” ويرجح أن تعلن رسمياً بعد المؤتمر.