مؤتمر الخريف

حجم الخط
0

محمد كريشان

مرة أخري يعرب الرئيس الأمريكي جورج بوش عن رغبته في بذل كل الجهود الممكنة من اجل قيام دولة فلسطينية تتعايش مع إسرائيل، مؤكدا في أعقاب لقائه الاثنين مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس وزرائه سلام فياض أنه يدعم بقوة قيام هذه الدولة وأن بلاده ستعمل بقوة قدر الإمكان من اجل المساعدة علي تحقيق هذه الرؤية. هذه المرة قد يكتسب مثل هذا التصريح الذي سبق للرئيس بوش أن كرره عشرات المرات أهمية مختلفة عن سابقيه بالنظر إلي السياق الحالي الذي يبحث هذه الأيام بجد مسألة المؤتمر الدولي حول السلام في الشرق الأوسط المفترض عقده في النصف الثاني من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل وهو ما حدا بالرئيس عباس بالقول إنه يأمل أن يعالج هذا المؤتمر جوهر المسائل الأساسية كي نتمكن من التفاوض بعد ذلك علي معاهدة سلام دائمة مع إسرائيل في إشارة إلي قضايا الوضع الدائم المستعصية مثل حدود الدولة الوليدة ووضع القدس ومصير اللاجئين الفلسطينيين. لكن مثل هذا الأمل يصطدم حاليا بالضبابية التي تلف أجندة هذا المؤتمر والأطراف الذي ستحضره ومدي قدرته في ضوء ذلك علي الخروج بقرارات واضحة ملزمة وفورية تقطع مع تكرار الإنشائيات التقليدية التي دأبت عليها مثل هذه المناسبات مع إشارات غير مطمئنة كقول مسؤول أمريكي كبير لم تعلن هويته إن المؤتمر لن يأخذ شكل مفاوضات حول الوضع النهائي وإنما هو إحدي الخطوات التي تؤدي في النهاية إلي مفاوضات حول الوضع النهائي.

هذه الشكوك لم تربك فقط الطرف الفلسطيني بل أيضا الأطراف العربية لا سيما الدول العربية الأعضاء في لجنة المتابعة العربية المكلفة بـ تسويق مبادرة السلام العربية (الاردن ومصر قطر والإمارات والسعودية وسورية) فبعضها لم يكن متأكدا حتي وقت قريب من أنه مدعو مثل دمشق والبعض الآخر لا يريد المشاركة لمجرد المشاركة مثل الرياض التي لا تريد أن تقرن نفسها باجتماع مع الإسرائيليين لا يتمخض عنه نتائج واضحة ونوعية. من هنا فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث الآن هو غياب التنسيق الفلسطيني العربي في هذا الشأن كأن يذهب البعض ويتغيب البعض الآخر أو أن يذهبوا جميعا لكن بتصورات شتي لأن الموقف الموحد بين الكل هو صمام الأمان الوحيد. فالفلسطينيون سيكونون مكشوفي الظهر إن هم حضروا بمجرد أمان أو وعود أمريكية ليس عليها من شهود عرب قادرين علي المحاججة لاحقا إذا تعثر تنفيذها أو نكث بها، كما أن الدول العربية ستكون أقرب إلي الكومبارس إن هي حضرت دون أن تنسق بالضبط مع الفلسطينيين الحد الأدني المطلوب الحصول عليه من هذه المناسبة التي سيكون فشلها أخطر من عدم انعقادها علي رأي أحد الساسة الفلسطينيين. ما يدعو إلي مزيد الحذر أن الإسرائيليين أنفسهم لم يحسموا أمورهم بعد مع استمرار الجدل حول مدي وجاهة تقديم تنازلات للفلسطينيين في قضايا الوضع النهائي مع رئيس وزراء لا يستطيع الجزم بأنه يمتلك أغلبية مريحة تخول له الإقدام علي حسم خطير ومع اقتراب نهاية عهد الإدارة الأمريكية الحالية التي لا هي تكون قادرة فيه علي خطوات كبري ولا الإسرائيليون عازمون علي إعطائها شيئا وهي علي وشك الرحيل، مما يجعل مؤتمر الخريف المقبل ملبدا كفصل الخريف نفسه ولا أحــد قادرا علــي تــوقع هطول أمطــار الخير أو أن الامــر لا يــعدو أن يــكون غمامة عابرة مصحوبة برياح كثير ترابها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية