في زمن الفتنة والاستغلال الديني والمذهبي، تبدو الدعوة للحوار والتقريب والتفاهم «ترفا» لدى الكثيرين خصوصا من الجماهير الخاضة للاستدراج والتضليل والتشويش. فصوت العقل يغيب ويستبدل بلغة العاطفة الشيطانية التي تعشق الفساد وتروج للموت. ويعرف محترفو السياسة ما للدين من قوة تأثير على قطاعات واسعة من المجتمعات التي يحكمونها، ولذلك يلجأ بعضهم لاستخدامها سلاحا ضد الخصوم. وما تشهده الساحتان العربية والإسلامية هذه الايام من صراعات يضفى عليها الطابع الديني يكشف اغلب هذه المعاني. وقد جاء مؤتمر طهران الاسبوع الماضي بعنوان «الوحدة الإسلامية: التحديات والآليات» تغريدة تبدو للبعض شاذة في حقبة سوداء من تاريخ عالمنا العربي والإسلامي. فقد يسأل البعض: ما مغزى عقد المؤتمر، وما جدواه؟ ما عسى هذا المؤتمر ان يضيف لما سبقه من لقاءات فكرية لا تنعكس على الواقع، ولا تملك قوة التنفيذ او التأثير؟ ما الذي تريده ايران من عقد هذا المؤتمر؟
في البدء لا بد من عرض بعض الحقائق حول المؤتمر الثامن والعشرين للوحدة الإسلامية، الذي دأبت الجمهورية الإسلامية على عقده منذ السنوات الاولى بعد الثورة. اولا انه يعقد سنويا للاحتفاء بذكرى مولد الرسول الاكرم، محمد بن عبد الله، عليه افضل الصلاة والسلام خلال ما اطلقت عليه طهران «اسبوع الوحدة» بين اتباع المذاهب الإسلامية الذين تتراوح رواياتهم حول مولد الرسول ما بين 12 و 17 ربيع الاول. الحقيقة الثانية ان المؤتمر اصبح معلما آخر من معالم السياسة الايرانية وتوجهاتها الايديولوجية وما تعتبره «التزاما دينيا» بضرورة ترويج مبدأ الوحدة بين المسلمين. واذا كانت بدايات الفكرة قد انطلقت في مرحلة توتر سياسي وايديولوجي وطائفي بسبب الحرب العراقية – الايرانية، فان اوضاع الامة اليوم لا تختلف كثيرا عما كانت عليه، وربما شهدت تراجعا اكبر على صعيد العلاقات بين المكونات الدينية والمذهبية. الحقيقة الثالثة ان المؤتمر يحظى باهتمام رسمي وديني كبيرين، فيحضره المسؤولون وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية ويباركه الفقهاء الذين يحضر بعضهم من مدينة قم او من ينوب عنهم. كما يحظى باهتمام خاص من مرشد الثورة الإسلامية، آية الله السيد علي خامنئي الذي يستقبل ضيوف المؤتمر سنويا ويشاطرهم هموم الوحدة ويحثهم عليها. رابعا: ان كثافة الحضور السياسي والفكري والاعلامي تعكس مدى أهمية مشروع توحيد امة المسلمين التي ما فتئت تعاني من عصف رياح الفرقة الناجمة تارة عن الجهل، واخرى عن التعصب وثالثة عن خطط القوى التي لا تريد للامة خيرا. خامسا: ان المؤتمر جاء في مرحلة غابت عنها دعوات الوحدة والتقارب وهيمنت عليها نزعات الفرقة والخلاف ليس على صعيد الكلام الاعلامي فحسب، بل تحول إلى انهار من الدم اما بصراعات مسلحة او بتصفيات واغتيالات وتهجير جماعي. والازمة هنا لا تنحصر بالاطر المذهبية بل تتسع لتشمل صراعا بين اتباع الديانات من مسلمين ومسيحيين وايزيديين، خصوصا بعد سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة من سوريا والعراق.
مؤتمر طهران يعتبر صرخة من الاعماق ضد ظواهر الخلاف المذهبي والتطرف والفرقة والتكفير. والحاضرون لم يكونوا علماء دين وائمة مساجد فحسب، بل سياسيين وكتابا ونشطاء، نساء ورجالا. الهدف تأكيد المبدأ الذي يمكن اعتباره سمة للمصلحين الكبار عادة، متمثلا بالدعوة للوحدة. فهي دعوة اطلقها القرآن الكريم الذي قال لاتباعه: وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون». واطلقها دعاة الاصلاح والتحرر. فالمهاتما غاندي وحد المسلمين والهندوس في مقاومته السلمية ضد الاستعمار البريطاني، وحين اختلفوا بعد استقلال الهند اضرب عن الطعام حزنا وتعبيرا عن الغضب.
ودعا مارتن لوثر كنغ السود الامريكيين للتوحد على طريق المطالبة بالمساواة. وكان نيلسون مانديلا قائدا وحد المناضلين في نضاله ضد نظام الفصل العنصري، ودعا إلى الترفع على الحزبية والفئوية. وقاد السيد جمال الدين الافغاني دعوة للوحدة الإسلامية واطلق في باريس صحيفته المعروفة بـ «العروة الوثقى». ولم يعرف عنه ترويجه للمذهب او الطائفة. وكان الامام الشهيد حسن البنا من رواد الوحدة الإسلامية وانطلق بهدف اقامة المجتمع الإسلامي ضمن راية التوحيد. وشهدت الخمسينات من القرن الماضي ذروة الحوار والتعاون والتفاهم بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم. فكان الفقيه الشيعي، آية الله البروجردي، يرفع راية التقريب والوحدة إلى جانب شيخ الازهر، الشيخ محمود شلتوت. كان الهم الاكبر للامة آنذاك التحرر من الاستعمار والتبعية للغرب، والتصدي لتحرير فلسطين. يومها توحد الجميع في اطار صحوة ضمير بعد «النكبة». فاطلق العالم العراقي الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء فتواه المعروفة بتحريم الجلوس على طاولة المفاوضات مع الاسرائيليين المحتلين. وقضية فلسطين ما برحت تجمع المسلمين الذين يشعرون بالانتماء لارض المعراج ويغضبون لتقاعس الانظمة العربية عن السعي لتحريرها. ولذلك كانت القضية حاضرة بقوة في مؤتمر طهران. فقد اجتمعت لجنة «علماء المقاومة» على هامش المؤتمر لتقييم ادائها منذ تشكيلها في «مؤتمر دعم المقاومة» في شهر أيلول/سبتمبر الماضي بطهران، لتنظيم نفسها وطرح مشروعها للمساهمة في مشروع تحرير فلسطين. وجاء في البيان الختامي: يدين المؤتمرون ما يجري من محاولة هدم للمسجد الاقصى ومنازل الفلسطينيين في مدينة القدس وتهويدها، بالتغيير الديمغرافي اومحاصرة الشعب الابي في غزة. كما يحيون جهاد الشعب الفلسطيني البطل ومقاومته الباسلة، ويدعمون جهود المصالحة بين الفصال الفلسطينية وتوحيدها ويؤكدون على ضرورة تنفيذ الحقوق الفلسطينية المشروعة واهمها حقهم في تقرير المصير واقامة دولتهم المستقلة على كافة الاراضي الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وحقهم في العودة إلى ديارهم. واعلن المؤتمرون «ان المقاومة حق مشروع للشعوب»، وقالوا انهم «يستنكرون كل انواع الإرهاب المدان إسلاميا وعالميا، سواء كان فرديا او جماعيا او ما قد تمارسه الدول الكبرى».
ويمكن استيعاب المنظور الايراني لمشروع الوحدة الإسلامية تنطلق من مصاديق عدة. اولها ما ذكره البيان الختامي في بنده الاول من ان «الإسلام جامع لاهل القبلة» ودليله الشهادتان اللتان تعصمان دم من نطق بهما وماله وعرضه»، وهو قاعدة يتفق عليها فقهاء المسلمين جميعا. ثانيها: المبررات السياسية التي طرحت على ألسنة اغلب المتحدثين وهي مؤسسة على منطقي المبدأ والمصلحة معا. فالرئيس روحاني رأى في خطابه الافتتاحي ان التطرف والإرهاب يحولان دون وحدة الامة، لان الإسلام دين رحمة وسماحة واعتدال. كما طرح رئيس البرلمان الايراني، الدكتور علي لاريجاني، ضرورة شجب الإرهاب خصوصا في ضوء ما جرى في باريس، قائلا ان الغرب يرعى التطرف ويمول المجموعات الإرهابية التي تستهدف بلاد المسلمين، ولكن ما ان تصل إلى حدوده حتى يهاجم الإسلام ويعتبره المسؤول عن ذلك. وبدلا من اعتراف المسؤولين الغربيين بخطإ دعمهم المجموعات الإرهابية، واعتذارهم للمسلمين عن ذلك، فانهم ما زالوا يحملون الإسلام والمسلمين مسؤولية هذه الاعمال الاجرامية. واتفق معه في ذلك الطرح وزير الاوقاف الاردني، الدكتور هايل عبد الحفيظ الذي دعا للتصدي بحزم للتطرف والإرهاب وطالب العلماء والمفكرين بالاهتمام بتربية النشء بعيدا عن الافكار التي تسوق الشباب إلى طواحين الموت العبثي. ولم يشذ عن ذلك الموقف اي من الحاضرين الذين جاؤوا من بلدان شتى: من اندونيسيا إلى الارجنتين. فقد أكد العلماء ورجال الفتيا من روسيا وطاجيكستان وقرقيزيا وباكستان وغيرهم ضرورة اعادة العقل إلى التفكير الديني وتفعيل الاجتهاد لمنع انتشار الجمود الذي يؤدي إلى الجهل والتطرف.
ليس متوقعا ان يؤدي مؤتمر طهران حول لوحدة الإسلامية إلى توافق شامل او يقضي على تداعيات الفرقة والتطرف والإرهاب، ولكنه اكد حقائق عديدة: اولها ان الحوار يجب ان يستبدل اية لغة اخرى سواء في ما بين المسلمين او بينهم والآخرين. ثانيها: ان المسلمين وعلماءهم قادرون على التعايش كاخوة يجمعهم الدين والانسانية، ويحدوهم الامل بحياة يعمها الخير والوئام والسلام. ثالثها ان التطرف والإرهاب متلازمان، وان عموم المسلمين بريئون منهما، فهم امة الاعتدال والسلام والتسامح مع غير المسلمين وفي ما بينهم، وان الجهود ستبذل دائما لدعم الاصلاح الذي يحول دون انتشار ظاهرتي التطرف والإرهاب. رابعها: ان فلسطين هي المستهدفة بحرف مسار الامة عن طريق ذلك التحرير والهائها باحتراب داخلي مفروض، وان تحرير ارض المعراج يتطلب وحدة مواقف المسلمين ورص صفوفهم، بينما تسعى القوى الظلامية لتفتيت ذلك الصف والنيل من عزم المسلمين وكسر ارادتهم وتمزيق صفوفهم. خامسا: مطلوب من القيادات الدينية الكبيرة اتخاذ مواقف اقوى واوضح ازاء المنابر الاعلامية المثيرة التي تسعى لاثارة الفتنة الطائفية واستفزاز الآخر الديني والمذهبي. كما ان من المطلوب ان يتحول الوئام والتفاهم الذي ساد اجواء المؤتمر إلى ثقافة عامة بين ابناء الامتين العربية والإسلامية، للحد من ظاهرة العنف والتطرف والكراهية.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي