مؤتمر بغداد.. نهاية ازمة ام بداية لحرب قادمة؟
احمد الحيلةمؤتمر بغداد.. نهاية ازمة ام بداية لحرب قادمة؟ التقت الاطراف الاقليمية والدولية المتصارعة علي الساحة العراقية مؤخراً في بغداد يوم السبت في العاشر من آذار (مارس) الحالي، تحت عنوان البحث في مساعدة اقليمية ودولية لوقف العنف في العراق.المفارقة ان الاطراف التي اجتمعت في مؤتمر بغداد للبحث في وقف العنف ، هي ذاتها التي تساهم او تتهم بالمساهمة في استمراره، وان بنسب متفاوتة ولغايات مختلفة: فالولايات المتحدة هي المسبب الرئيس لدوامة العنف والقتل، كونها دولة الاحتلال والمسؤولة عن امن العراق الذي الغت مؤسسته العسكرية واجهزته الامنية.. اما ايران؛ فلها نصيبها في دعم المنظمات الشيعية التي تسببت بدور رئيس في الاقتتال الطائفي الداخلي، بغية احكام السيطرة علي مقاليد الحكم في العراق. وبالنسبة لسورية؛ فليس من الخافي علي احد ان لها مصلحة في استمرار المقاومة العراقية في ضرب واستنزاف القوات الامريكية المحتلة، لافشال المخطط الامريكي الرامي للسيطرة والهيمنة علي المنطقة من البوابة العراقية، ولدرء الشر الامريكي عن سورية من خلال وقف شهية الادارة الامريكية عن المزيد من السيطرة والتوسع الامبراطوري الذي قد يهدد دمشق، وبيروت، ومنطقة الخليج العربي.السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يدفع الاطراف الدولية والاقليمية المتصارعة والمتباغضة الي الجلوس والحوار حول طاولة واحدة في بغداد؟ وما هي اهدافها من وراء ذلك؟العنوان المعلن هو العراق، ولكن تحت العنوان تفاصيل وعناوين اخري لا تقل اهمية عن الازمة العراقية.فالولايات المتحدة يدفعها للجلوس مع خصومها ـ الذين رفضت سابقاً الجلوس او الحوار معهم ـ فشلها العسكري في احكام سيطرتها علي العراق، رغم ارسالها المزيد من القوات والمعدات الي الساحة العراقية، وهذا في حد ذاته مقدمة لفشلها سياسياً في فرض هيمنتها علي منطقة الخليج وعموم الشرق، الامر الذي يعني استراتيجياً، بداية افول لنجم الامبراطورية الامريكية. في ذات الاتجاه الادارة الامريكية تواجه مأزقاً داخلياً يتمثل في تصاعد معارضة الرأي العام الامريكي لسياستها الخارجية وخصوصاً في العراق، اضافة الي معارضة الديمقراطيين الذين يسيطرون علي الكونغرس ويهددون الرئيس بوش بفرض المزيد من التشريعات التي تحجّم صلاحيات الرئيس الخارجية بخصوص شن حرب جديدة، او حتي الاستمرار في ذات السياسة العسكرية الحالية الفاشلة في العراق.علي مستوي الاهداف الامريكية من المشاركة في المؤتمر، نجد ان الادارة الامريكية تتطلع الي تحقيق ما يلي:ـ وقف او خفض مستوي العنف في العراق، بمساعدة طهران ودمشق.. علي امل ان يتمكن الجيش الامريكي من الانسحاب بشكل مشرف من العراق، بعد اعادة تركيب النظام السياسي العراقي بما يضمن ولاءه لواشنطن.ـ ثني طهران او اقناعها بالعدول عن الاستمرار في مشروعها النووي.ـ النجاح في اختراق الساحة اللبنانية والفلسطينية (حزب الله، وحماس) عبر البوابة السورية الداعمة للمقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي.اما بخصوص الاهداف التي تسعي طهران ودمشق لتحقيقها ـ اما بالتنسيق المسبق او عبر تقاطع المصالح ـ فيمكن ايجازها فيما يلي:ـ دفع واشنطن لجدولة انسحابها من العراق باسرع وقت ممكن.ـ جذب العراق ونظامه السياسي بعيداً عن الاستقطاب والهيمنة الامريكية، حتي لا يتحول الي خاصرة رخوة تهدد الاستقرار في كل من سورية وايران.ـ المحافظة علي نفوذهما في الساحة اللبنانية عبر حزب الله..، وخاصة سورية التي تربطها علاقات جغرافية، واقتصادية، واجتماعية قديمة بلبنان، ولما يمثله لبنان من خاصرة حيوية للامن القومي السوري..ـ سعي ايران لكسب الوقت، ومحاولة اقناع الامريكان بالطبيعة السلمية لبرنامجها النووي، ومحاولة طمأنة واشنطن بان برنامجها لا يمثل تهديداً لأحد.اذن كل طرف يحمل ملفات ساخنة الي طاولة الحوار عبر البوابة العراقية، وفي ظل حالة عدم القدرة علي الحسم العسكري وخاصة من قبل الطرف الامريكي، فانه من المتوقع ان نشهد محاولة عقد صفقة كبري او مقايضة بين الخصوم..فايران وسورية يمكن ان تلعبا دوراً وبمشاركة المملكة العربية السعودية في تهدئة الساحة العراقية وخفض مستوي العنف ، مقابل جدولة انسحاب الجيش الامريكي من العراق، وكف واشنطن عن الضغط علي سورية، وقبولها بحل وسط داخل الساحة اللبنانية ينزع فتيل التدافع السياسي الداخلي، ويعيد العلاقات اللبنانية ـ السورية الي طبيعتها.. وهذا في تقديرنا يمكن الاتفاق عليه.لكن المشكلة الاساس تكمن في البرنامج النووي الايراني؛ فايران يبدو انها عازمة علي المضي في تخصيب اليورانيوم، مقابل عزم واشنطن واصرارها علي منعها من ذلك..فاذا قبلت ايران التراجع، يمكن القول ان المنطقة قد تشهد حالة تنفيس للاحتقان، وتسوية للعديد من الملفات الاقليمية، فيما عدا الملف الفلسطيني الذي سيبقي مفتوحاً لخصوصيته وتعقيداته المتعلقة بسياسة الاحتلال الاسرائيلي.اما اذا رفضت طهران التراجع، واصرت واشنطن علي موقفها من المشروع النووي الايراني ـ خاصة وان الاطراف تسابق الزمن في حسم الامر ـ فمن المرجح ان تشهد المنطقة انعطافة خطيرة، باستهداف الولايات المتحدة للمنشآت النووية الايرانية عسكرياً. ومرد هذا التوقع يعود الي جملة من المبررات علي النحو التالي:1 ـ ان الادارة الامريكية، وخاصة المحافظين الجدد يتطلعون بالاصل الي ضرب المنشآت النووية الايرانية، ولكن الخارجية الامريكية بقيادة كوندوليزا رايس تسعي جاهدة لاستنفاد الوسائل الدبلوماسية في تحقيق الهدف الامريكي في ظل ضغط الراي العام والكونغرس الرافض لحرب جديدة. وقد يكون مؤتمر بغداد هو المحاولة والورقة الدبلوماسية الاخيرة لواشنطن، لتنتقل بعدها الي الخيار العسكري في حالة فشل الدبلوماسية في اقناع طهران بالعدول عن مشروعها النووي.2 ـ التصعيد بين الطرفين بلغ مستوي خطيراً، بدءًا من اتهام واشنطن لطهران بالضلوع في مد العراقيين باسلحة متطورة تفتك بالجنود الامريكان (سقوط ستة مروحيات عسكرية في غضون اسبوعين او ثلاثة..)، وصولاً الي خطف وقتل الدبلوماسيين الايرانيين الخمسة في اربيل، ومؤخراً اختفاء او اختطاف المستشار السابق لدي وزارة الدفاع الايرانية السيد علي رضا عسكري اثناء زيارته الي تركيا، اضافة الي المناورات العسكرية الايرانية المتكررة..، وحشد القوات الامريكية في الخليج، وخاصة حاملات الطائرات والبوارج الحربية..3 ـ رغبة اسرائيل الجامحة في ضرب المنشآت النووية الايرانية، وهذا في حد ذاته عامل تحفيز وضغط علي الادارة الامريكية في ظل تمتع الجالية اليهودية بالنفوذ في الولايات المتحدة، هذا من جانب ومن جانب آخر، فان اسرائيل تريد الانتقام واستعادة الاعتبار لجيشها ولقدرتها الرادعة التي تصدعت عقب حرب تموز (يوليو) 2006 مع حزب الله المدعوم من ايران.ولذلك ليس من المستبعد ان تستغل اسرائيل قصف واشنطن للمنشآت النووية الايرانية، لتشن هجوماً عسكرياً علي لبنان وسورية معاً كون سورية تمثل في قناعة الاسرائيليين الرئة التي يتنفس منها حزب الله، والمظلة العربية الوحيدة التي تقف الي جانب المقاومة ضد الاحتلال بشكل علني وواضح.فالمراقب للوضع في اسرائيل يخلص الي ان الصهاينة يعدون انفسهم لحرب في الصيف القادم.يبقي القول ان اجتماع وزراء خارجية 13 دولة في نيسان (ابريل) المقبل (وهي الدول التي شاركت في مؤتمر بغداد، بالاضافة الي 3 منظمات دولية) سينبئ بما قد يحمله المستقبل للمنطقة العربية، لا سيما وان وفود الدول المعنية ستلتقي سراً وتكراراً قبل اجتماع وزراء الخارجية المرتقب بعيداً عن الاعلام للبحث في المسائل العالقة عبر ثلاث لجان افرزها مؤتمر بغداد السبت 10/3/2007 واهمها اللجنة الامنية.ہ كاتب فلسطيني مقيم في دمشقEmail:[email protected]