مؤتمر لمؤسسة “فلسطينيات” في نابلس.. شهادات لصحافيات حول التغطية الميدانية: حقول ألغام وكمية هائلة من الوجع

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

نابلس- “القدس العربي”: قدمت مجموعة من الصحافيات الفلسطينيات جلسة استماع موسّعة حول تجربتهن في العمل الميداني في ظل الاقتحامات وعمليات الاغتيال والإعدام في مناطق شمال الضفة الغربية (نابلس وجنين خاصة).

وعكست الشهادات تحديات صعبة والعمل في ظروف خطيرة، ومررن بتجارب موجعة حيث وقع بعضهن في مرمى القناصة، وأخريات تعرضن للإصابة برصاص الاحتلال أو بقنابل الغاز، أو فقدت إحداهن شقيقها أثناء تغطيتها للأحداث.

وعبرت الصحافيات، خلال مؤتمر مؤسسة فلسطينيات السنوي السابع، الذي حمل عنوان “الإعلاميات يتحدثن” “التغطية الميدانية حقول ألغام لمن تجرؤ”، عن أن ما يظل ماثلًا في عقول الصحفيات، ويؤثر على أجسادهن يظهر على هيئة أمراض وتبعات نفسية، ولو بعد حين.

وعقد المؤتمر بالمركز الثقافي للذاكرة والرواية الفلسطينية- شارع الصبانات في البلدة القديمة في مدينة نابلس، حيث قدمت الصحفيات شهادات عن تأثيرات وتداعيات عملهن عليهن، وطالبن بمزيد من التدخلات المطلوبة لمساندتهن.

وتحدثت الصحافية ميس الشافعي عن قسوة عام 2022 على الصحافيين والصحافيات، نتيجة الاجتياحات وعمليات الإعدام الميداني.

واستذكرت، وهي ابنة البلدة القديمة، وتعرف غالبية الأهالي فيها، قسوة التجربة حين استشهد مجموعة من المواطنين في حارة الياسمين، وأصيب شقيق صديقتها الصحافية رشا حرز الله إصابة خطرة، “وهو حتى اللحظة في حالة صحية صعبة”.

وبكت الشافعي، وهي تستذكر الكثير من اللحظات المؤلمة، خاصة عند قدوم والدة الشهيد عبود الصبح لتوديعه في ثلاجات الموتى. وقالت: “كل هذه المشاهد لا تمرّ ببساطةٍ على أعصابنا ونفسيتنا، فالتفاصيل تظلّ تلاحقنا”.

واختلط لدى الشافعي عملها بشأنها الخاص، حيث تلتقي الأمهات التي تعرفهن في حارات البلدة القديمة بنابلس، وفي اليوم التالي تراهن يودّعن أبناءهن. حيث “في كثير من المرات تركت الكاميرا ووقفت لأواسي الأمهات وأخوات الشهداء”.

أما الصحافية ريما العملة، مراسلة تلفزيون فلسطين في نابلس، فقالت: “تعيش الصحافية كل القصص التي تغطيها، وهي تعمل في الميدان منذ بداية انتفاضة الأقصى، وقد عانت تغطية الكثير من المشاهد الصادمة والقاسية. كصحافيات نحاول نقل الحقيقة حول قضيتنا العادلة، وهذا يجعلنا نندفع أثناء التغطية”.

تزيد العملة: “نتحرك بدافع وطني، هذه حقيقة، وما حدث بعد اغتيال الشهيدة شيرين أبو عاقلة أننا ازددنا عنفوانًا”، مستدركةً: “لكن ويا للأسف، كل ما نراه يجعلنا دومًا بحاجة إلى تفريغ نفسي لنخرج كل الضغط الذي نعيشه”.

ريما العملة، التي غطت أنحاء مختلفة، أثناء سنوات عملها بالخليل ورام الله ونابلس، وواجهت شخصيا إعدام ابن شقيقها برصاص الاحتلال، لكنها لم تستطع الحديث عن نفسها تماما. نسيت أنها أصيبت مرتين بالرصاص، ومرات لا تُعد عاشت استهداف فريقها.

وتحدثت الصحافية وجدان الدهيدي، المذيعة في راديو مرح، عن الكثير من المواقف الصادمة التي صادفتها خلال التغطية الصحفية. منها على سبيل المثال، رجل الأمن الذي اعتادت إلقاء تحية الصباح عليه، فوجئت به ذات يوم والدًا لشهيد، ما جعلها غير قادرة على محاورته وطرح الأسئلة.

الدهيدي التي صورت الشهيد، عرفت لاحقا أن الأب المنتحب قربه هو الرجل الذي تصادفه يوميا في طريق عملها وتصبّح عليه، وأن الولد المدد في ثلاجة الموتى هو طفله الوحيد.

انهمرت دموع وجدان وهي تروي حدثًا آخر، حين دخلت مكانًا نفذ فيه الاحتلال جريمة إعدامٍ ميداني، فوجدت قطع اللحم البشري هناك. كان عليها الضغط على أعصابها للحصول على مداخلة من والدة مصاب، مشيرة إلى أنها تستحضر كل المواقف التي مرت بها خلال يومها قبل النوم، بينما تعود إلى عملها في اليوم الثاني بشكل عادي، دون أن تدري أن ذلك كله صار في مخزون الإحساس والمشاعر عندها.

شهادة أخرى للصحافية شادية أبو شمسة، وهي خريجةٌ تعمل في تغطية الأحداث في بلدتها بيتا جنوب شرق نابلس، أكدت فيها أن خطورة التغطية تنبع من كونها معرضة للإصابة في كل لحظة، “ورغم التزامي بارتداء الزي الذي يميزني كصحافية، إلا أن الجنود استدرجوني مرة لكمين، وانهالوا علي بالضرب والشتم، وحاولوا سحب معلومات مني حول المتظاهرين”.

وتابعت: “غطيتُ جنازات نحو 10 شهداء من بلدتي. كلهم إما جيران، أو أقارب، أو أنسباء لعائلتي كوني من نفس البلدة، وهو ما يشكّل ضغطًا نفسيًا إضافيًا بالنسبة لي”. تصمت قليلًا قبل أن تكمل: “نحن بحاجة حقيقية لتدخل نفسي مستمر، نحن فعليًا نبكي خلف الكاميرات”.

وكحيلة لتجاوز الواقع، حاولت أبو شمسة أن تنظر إلى الحدث من خلال التصوير من الكاميرا فقط، مثل أي مشاهد، كي تخفف عن نفسها أثر وجودها داخل جنازات وراء جنازات بجانب الشهيد ودمه وأمه.

أما الصحافية ديانا خويلد، فقد استجمعت قواها وهي تتحدث عن اليوم الذي غطت فيه استشهاد مهدي حشاش في نابلس، الذي سبق التقته حين كانت تغطي خبر استشهاد صديقه الفتى وسيم خليفة، مشيرةً إلى أنها تعاني من الانعكاسات النفسية لتغطية أخبار الفقد بشكل يومي.

وأوضحت خويلد أنها عندما تجري مقابلات مع عائلات الشهداء، فإنها تراعي عادات وتقاليد المكان، لكن يلاحقها شعور بالذنب وهي تسأل نفسها: ماذا أسألهم؟ وماذا أقول لهم؟ فالموت أصعب ما يفجع الإنسان، كيف سنوجه لأهالي الشهداء كلامنا؟ كيف سنذكّرهم بأحبائهم، ونطلب منهم أن يستدعوا ذكرياتهم فلا يجدوا إلا الدموع جوابًا؟ كيف؟ هذا أيضًأ يوجعنا كثيرًا”.

وأضافت: “كثيرا لا أستطيع النظر في عيون أمهات وآباء الشهداء، عندما ينظرون هُم إلي وأنا أصور. أتوقف عن التصوير، وأسأل نفسي ماذا أفعل؟ وكثير من المشاعر لا تلتقطها الكاميرا”.

أما الصحافي عبد الله بحش، فتحدث عن ضرورة اتخاذ إجراءات الحماية والوقاية عند تغطية أحداث الاشتباكات، ليس فقط للحماية الشخصية، بل الانتباه إلى أن بعض الصور يمكن أن يضر أشخاصًا آخرين، والتأكد من دقة الأخبار التي ننقلها.

لكن بحش بكى بشدة وهي يقول: “إن النقطة الفاصلة في التغطية، هي قدوم أم الشهيد. لحظة المعاناة هذه لا يمكن أن تمر بسهولة على أعصاب أي صحفي، قاسية، ومؤلمة، وتترك أثرًا في نفوسنا يلاحقنا على الدوام”.

وتحدثت الصحفية مشاعل أبو الرب، وهي من مدينة جنين، عن عملها في منطقة كل العائلات فيها يعرفون بعضهم، بينما هي تستيقظ يوميًا تحت ضغط سؤال يا ترى من هو شهيد اليوم، مشيرة إلى ضرورة الانتباه لعادات وتقاليد كل منطقة خلال التغطية.

وتحدثت عن مخاطر التغطية رغم التزامها بإجراءات السلامة، حيث يعرّضها وجود القناصة دومًا للخطر الشديد، وهو ما يجعلها تحت ضغط نفسي مستمر.

مشاعل أبو الرب التي أجابت على سؤال: هل كنتِ ترتدين الدرع والخوذة عندما وقعتِ في مرمى القناصة بمخيم جنين؟ قالت: “كانت ترتديها شيرين أبو عاقلة، ومع ذلك استهدفوها وقتلوها!”.

أما الصحافية ولاء فطاير، التي انطلقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالعمل على نقل صورة جميلة عن فلسطين وثقافتها، وسرعان ما انتقلت لتغطية أخبار الشهداء وانتهاكات الاحتلال، فقد كانت، من خلال قصصها، تحاول الوصول إلى زوايا لا يصلها الصحافيون عادة.

تقول: “كثيرًا ما أجريت مقابلات مع جيران الأماكن التي يستهدفها الاحتلال، فهم أيضًا يتعرضون لأضرار، لكن التغطية الأصعب، هي تلك التي طلبت فيها صديقتي فرح القيّم، تصوير جنازة شقيقها حمدي”.

تتابع بعد أن ابتلعت غصّتها: “تبعات كل ذلك تبقى عالقة في نفوسنا وأعصابنا، وهذه حقيقة علينا أن نعترف بها كصحافيات، وأن يراعيها كل من يعيش حولها، ويعرفنا أيضًا”.

ولاء فطاير قالت أحيانا لا أعرف كيف أفرّق: هل هي الأحلام التي أراها ليلا، أم جنازات واقتحامات فعلية، “اختلط الأمر كثيرا في الشهور الأخيرة”.

أما فرح القيم التي أقنعت شقيقها بصعوبة بأهمية عملها كصحفية، وعندما اقتنع وصار يشجعها على مهنتها التي بدأتها للتو، استشهد وهي على الهواء تغطي الاقتحام بالبلدة القديمة لنابلس.

واختتمت جلسات المؤتمر بتوصيات عدة، أبرزها التواصل مع الصحافيات خارج مدن المركز، وتقديم رعاية نفسية وذاتية للصحافيات في مواقعهن، ونشر الشهادات بلغات متعددة لإيصالها لأوسع جمهور.

وتعكس الشهادات جانبا كبيراً من الوجع المرئي للجميع، لكنه لا يستوقف أحدا.. ما يتطلب تحركاً للعمل في مجال مساعدة الصحفيات من الكثير من المؤسسات في البلد، من نقابة الصحفيين، الغائبة للأسف عن هذه المعاناة، إلى المؤسسات العاملة في مجال التدخل النفسي، إلى المؤسسات الإعلامية التي تهمل أهمية الدعم النفسي لصحفييها في هذه الأوقات، وكثير من منظمات المجتمع المدني.

وقالت مديرة مؤسسة فلسطينيات وفاء عبد الرحمن إن قرار نقل المؤتمر إلى نابلس، بعيداً عن مدينتي غزة ورام الله كما جرت العادة، كان بهدف الوصول إلى الإعلاميات اللواتي لم يستطعن الوصول إلينا خاصة في مدن جنين ونابلس وطولكرم.

وأضافت، في حديث صحفي، أن الوقت حان للاستماع للصحافيات غير المعروفات اللواتي يعانين وحدهن ويتحملن الآلام مباشرة وغير مباشرة، منهن صحفيات تعرضن لاعتداءات، وأخريات تم الاعتداء على ذويهن أثناء تغطيتهن للأحداث.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية