مؤتمر هرتسليا له صبغة ايديولوجية والرسائل التي تُطلق منه سوداوية ومُتنكّرة للواقع
مؤتمر هرتسليا له صبغة ايديولوجية والرسائل التي تُطلق منه سوداوية ومُتنكّرة للواقع هل كانت الحلول المطروحة في مؤتمر هرتسليا المرتكزة علي صفقة عقارات واسعة تخصص في اطارها مناطق من دول مجاورة للدولة الفلسطينية فرارا من الواقع؟ وهل تعتبر التوصية بشن الحرب علي ايران وصفة حكيمة؟.الصورة التي تتكشف في الايام الأخيرة من مؤتمر هرتسليا تبرر علي ما يبدو صرخة: أوقفوا العالم، أنا أريد أن أنزل ، مثل اسم الأوبريت الغنائي من ايام الستينيات. الخبراء الذين دعاهم مركز هرتسليا متعدد المجالات لتفسير وتحليل وضع البلاد الوجودي، رسموا أمام الناس أفقا سوداويا: ليست هناك فرصة محتملة للتفاوض الاسرائيلي ـ الفلسطيني لأن الصراع ليس قوميا بل هو اشتقاق من الكفاح الاسلامي للوصول الي زعامة العالم. وقالوا ايضا إن فض النزاع علي ارض اسرائيل ليس قابلا للحل لأنه لا يدور حول الاحتلال، وانما بسبب رفض الفلسطينيين الاعتراف بحق اليهود في دولة سيادية. وقالوا كذلك أن علي اسرائيل أن تستعد خلال فترة قصيرة لمقاتلة ايران، سواء بالتعاون مع الولايات المتحدة أو لوحدها، لانها اذا لم تفعل ذلك فستكون عُرضة للابادة.من قبل أن تمتلئ البلاد قلقا من هذه الصورة المتكدرة، ومن قبل أن تعلن عن حالة طوارئ كبري وأبدية كما تستوجب هذه الفرضيات، يتوجب التوقف عند المسائل المطروحة في المؤتمر، والصورة التي تظهر من ميوله الايديولوجية ومن التركيبة التي يتألف منها.المؤتمر يُنظم علي يد مركز السياسات الاستراتيجية والمركز متعدد المجالات في هرتسليا، والروح الحية من خلفه هي عوزي أراد. أراد كان قد شغل مناصب عليا جدا في الحكم الاسرائيلي حيث تجسدت رؤيته الفلسفية من خلالها. نفس الشيء حصل من خلال مناصبه الاكاديمية. باختصار، يمكن القول ان أراد محسوب ايديولوجيا علي المعسكر اليميني في الخارطة السياسية الاسرائيلية، وهناك تجسيد ملموس لموقعه هذا: هو مستشار مقرب من بنيامين نتنياهو.اذا كانت الحال كذلك، فمؤتمر هرتسليا ـ في هذه السنة علي الأقل ـ ليس ملتقي أكاديميا موضوعيا، بل هو مؤتمر ذو هوية ايديولوجية محددة. موضوع المؤتمر توازن المناعة والأمن القومي ومصطلحات مثل الوطنية و المناعة القومية و التجدد و التعاظم ، تظهر في عناوين المسائل المطروحة. جزء هام من المتحدثين في المؤتمر (في أجزائه السياسية ـ الأمنية علي الأقل) معروفون كأشخاص يمينيين (ريتشارد بيرل، جيمس وولسي، دوري غولد وزلمان شوفال، باحثون محسوبون علي مركز واحد). كل هذا مشروع: مراكز الابحاث (مثل الصحافيين) ليست خالية من الميول والتوجهات، ولكن يجب أن نكون مدركين لانتماء هذا المركز ايديولوجيا عندما نقف في مواجهة بشائر أيوب التي تنطلق منه.الرسالة التي يطلقها المؤتمر محافظة: علي اسرائيل أن تتمترس وراء مواقفها (إلا اذا اختارت شن الحرب كما قال بعض المتحدثين في المؤتمر)، وأن تكتفي بادارة الصراع لا أن تتطلع الي إنهائه. هذا موقف مريح بدرجة معينة ـ اذا لم نقل مدللا ـ لانه يحل المتمسك به من بذل الجهود للخلاص من الوضع القائم.هذا التوجه يقرأ الواقع في الشرق الاوسط علي أنه قدَرٌ من السماء وواقع حتمي تقع القوي التي تؤثر عليه خارج سيطرة اسرائيل. كلمة نفي تكررت علي لسان عدد غير قليل من المتحدثين، وكأني بهم يريدون أن يقولوا أن من يقرأ الواقع بصورة مختلفة عنهم انما ينفي وجوده ويكبته. من هنا يتبين أن أنبياء الغضب في مؤتمر هرتسليا وحدهم هم الذين يتجرأون علي رؤية العاصفة الوشيكة. هذه الفرضية تجتذب نقاشا حول النفي: أوليس تجاهل الاكاديميين الأذكياء في مؤتمر هرتسليا لوزن الاحتلال في العداء الفلسطيني نفيا بحد ذاته؟ أوليس تجاهلهم للسلام مع مصر والاردن نفيا للطابع العلماني القطري للصراع الاسرائيلي ـ العربي؟ أوليست الحلول التي ينادي بها خطباء بارزون في المؤتمر (أراد، ايفي ايتام، موشيه يعلون) والمركزة علي صفقة عقارات واسعة النطاق يتم بواسطتها اعطاء مناطق من دول مجاورة للدولة الفلسطينية، إلا فرارا من الواقع؟ وهل التوصية بشن الحرب علي ايران هي توصية حكيمة؟ وتساؤل أخير: اذا كان خبراء هرتسليا هم الذين يقرأون الواقع بصورة صحيحة، أولم يكن من الأفضل اذا تسوية الصراع الفلسطيني ومنعهم من التحول الي جزء من المجابهة الدينية العالمية؟عوزي بنزيمانكاتب رئيس في الصحيفة(هآرتس) 25/1/2007