يبدو أن بعض الفضائيات لا تسعفها الشاشات في إخفاء شعورها بالابتهاج، فكيف إذا كان الحديث عن نهاية عهد «البيوت العنكبوتية» التي تُهدَّم بإرادة الشعوب، أكثر مما تحتاج إلى معاول؟! هكذا يمكن أن نتصور المشهد بعد انهيار نظام بشار الأسد.
ويمكن أن نتخيل أيضًا فيصل القاسم، مبتهجًا، يعيش لحظات عارمة من «النشوة الإعلامية»، ليس فقط لأنه كان من أوائل الذين بشّروا بزوال النظام غير المأسوف على رحيله، بل لأنه أخيرًا سيُثبت للعالم أن بعض الحلقات من برنامجه «الاتجاه المعاكس» التي كان يديرها بحماسة لا مثيل لها، لم تكن مجرد مناظرات، بل أشبه بجلسات محاكمة علنية للنظام وأعوانه، حين كان يستدعي المؤيدين في مقابل المعارضين، عملاً بمقولة «الرأي والرأي الآخر». ومن ثم، ستصبح تلك الحلقات بمثابة أفلام وثائقية ساخرة؛ بحكم قدرة صاحبها على إدارة النقاش بثبات وشراسة، فكان يجعل أولئك «المدافعين» عن «الأسد» المزعوم يظهرون وكأنهم في «اختبار فوري للأكاذيب»!
ما السيناريو الآن؟ فيصل القاسم جالس في مكتبه يرتشف قهوته، مستعرضًا بانتشاء أروع لحظات برنامجه «الاتجاه المعاكس»، خاصة تلك الحلقات التي استضاف فيها مؤيدي النظام. كانوا يجلسون أمامه مثل طلاّب فاشلين في امتحان التاريخ والسياسة، مرتجفين، يحاولون جاهدين الدفاع عن «بيت» أوهن من بيت العنكبوت!
ولعلّ ما يجعل الأمر أكثر سخرية هو أن فيصل القاسم لم يكن يكتفي بطرح الأسئلة، بل كان يحوّل دفّة الحوار إلى معركة كلامية لا ينتصر فيها سوى الجمهور الذي يضحك ملء فيه على المحاولات الدفاعية اليائسة لأنصار النظام. فما كان ممتعًا أكثر هو تلك النظرات المرتبكة على وجوههم، كأنهم يحاولون الاحتماء بحصن، لكنه حصن وهمي، أمام «إعصار» فيصل القاسم.
بثقافته الأكاديمية وحنكته السياسية، كان يعرف كيف يحاصرهم بالأسئلة والبراهين، حتى لا يبقى لهم سوى تكرار العبارات نفسها التي تعلموها عن ظهر قلب، لكنها باتت بلا معنى لفرط تكرارها، من قبيل «القوة والمناعة». بيد أن القاسم، بدهائه، كان يسلط الضوء على التصدعات والشروخ الواضح؛ ليجد «المساكين» أنفسهم في النهاية موادا خاما لإنتاج مشاهد ساخرة أضحكت شعوبًا بأكملها!
أما صاحب «الاتجاه المعاكس»، فقد كان يستثمر لحظاته الذهبية في تمرير رسائل سياسية مبطّنة، كأنما يقول للقادة المستبدّين: «هكذا ستبدون حين تأتي ساعتكم». ولأنه يحمل في الآن نفسه قبّعة الإعلامي وقبّعة الأكاديمي ذي الثقافة السياسية الواسعة، لم يكن يوجّه النقاش فحسب، بل كان يوجّه المشهد بأكمله، كأنه مخرج سينمائي بارع يحرك الممثلين مثلما يشاء.
اليوم، ربما يفكر نجم «الجزيرة» الأكثر شهرة في إنجاز صيغة جديدة من برنامجه، يعطيها عنوان «الاتجاه الماكر»، ليستعرض كيف نجح في كشف هشاشة النظام البائد، وربما يخصص حلقة يدعو فيها أولئك «المؤيدين» السابقين، ليشاهدوا أنفسهم ويلمسوا كيف تحوّلت شجاعتهم الزائفة إلى خجل أبدي وإدانة دائمة لهم!
في النهاية، هل سيكون فيصل القاسم يومًا ما المؤرخ «غير الرسمي» لانهيارات أنظمة بعينها؟ ربما! ولكن في الوقت الحالي، يبدو أنه يكتفي بالجلوس أمام الشاشة بابتسامة واسعة، ينتظر أن تتوالى مشاهد الأطلال على المسرح الكبير.
حين جفّ الضرع
قد يتخيل البعض أن انهيار نظام بشار الأسد هو مجرد حدث سياسي، لكنه في الواقع ضرب صميم عالم الفن… أو على الأقل الفنانين والفنانات الذين كانوا كالعصافير التي لا تغرد إلا قرب نافذة القصر، تقتات على الفتات، وتغني أناشيد الولاء بإيقاع متناغم مع صوت المدافع وصراخ المجازر وأنين السجون!
اليوم، وبعدما أفل بريق أعمدة القصر وجفّ ضرع النظام، يقف أولئك الفنانون والفنانات كاليتامى في زحمة المواقف، يتحدثون بكلمات متقطعة، يكتبون تدوينات تبدو كرسائل ضائعة، أو ينعقون كغربان أصابها البرد، ولم تعد تعرف طريق العودة إلى العش الذي انهار.
كانوا يومًا ما رموزًا للإبداع الموجَّه، يحيون المناسبات الوطنية بـ»فخر» ويطلقون «إبداعات» وشعارات تشيد بـ»القائد العظيم». أما الآن، فهم يبدون كمن فَقَدَ البوصلة. البعض منهم صار يلقي باللوم على الظروف، وكأن هذه الظروف هي التي أعطتهم عقود المسلسلات ذات الإنتاج الضخم والسيارات الفارهة.
أما القسم الآخر، فيعيش حالة إنكار تام. تراهم يكتبون كلمات غامضة، وكأنهم يريدون الإيحاء بأنهم سيظلون أوفياء للكرسي، حتى لو أصبح هذا الكرسي مجرد ذكرى في أرشيف المتاحف.
والمثير للسخرية أن بعضهم يحاول الآن تقديم نفسه كـ»ضحية» للنظام الذي كانوا يتغنّون به! فجأة، اكتشفوا أن الحرية جميلة، وأن القمع كان قاسيًا، لكنهم ينسون أن الجمهور لم ينسَ كيف كانوا يهاجمون كل من يجرؤ على قول كلمة حق.
في النهاية، يبدو أن هؤلاء الفنانين يعيشون الآن في فراغ كبير، لا مسلسلات، لا أفلام، لا أغان، لا أضواء، ولا منصات تهتف بأسمائهم. لكن ربما، لو نظروا جيدًا في المرايا، لوجدوا فرصة لتمثيل أدوار جديدة… أدوار «الماضي الذي لن يُغتفر»!
على السجادة الحمراء
تحوّلت السجادة الحمراء في المهرجان الدولي للفيلم بمدينة مراكش، إلى ساحة مواجهات غير متكافئة بين مدرستين: مدرسة «القفطان» المغربي الأصيل، ومدرسة «كشف المستور بأقل الأثواب وأكثرها شفافية».
المشهد الأول: ممثلات اخترن «القفطان»، كأنه درع من الأناقة والتاريخ، يمشين بخطوات واثقة، تصدق عليهن أغنية أم كلثوم «واثق الخطوة يمشي ملكا»… وهنّ يتبادلن ابتسامات تحمل رسالة خفية «نحن هنا لنمثّل الفن والثقافة المغربية». وتزامن ذلك مع خبر نجاح المغرب في سحب صورة للقفطان المغربي من ملف يهم لباسا جزائريا كان مُقدّمًا «لليونسكو». وأفاد الخبر أنه لأول مرة في تاريخ هذه المنظمة، اعتمدت «اللجنة الحكومية لصون التراث غير المادي» اعتراض المغرب، وقررت سحب صورة القفطان المغربي من الملف الجزائري، عقب احتجاج رسمي للوفد المغربي، كان معززا بالحجج والدلائل.
أما في المشهد الثاني لسجادة مهرجان السينما في مراكش، فتظهر ممثلات أخريات بملابس تبدو بمثابة استشارة أولى لمصمم لم يكمل تعليمه بعد.
المنافسة ليست على الأزياء فقط، بل أيضًا على عدد الكاميرات التي تتوقف أمامهن لالتقاط اللحظة. ممثلات «القفطان» يكتفين بتصحيح طيات أزيائهن ومواصلة السير، بينما أخريات يستعرضن ما يشبه الملابس، بتدوير كامل يحاكي حركة آلة الغسيل، ليتأكد الجميع أن كل زاوية جرى توثيقها بعيون أصحاب «البصبصة» الإلكترونية، الطامعين في رفع نسب المشاهدة، وبالتالي تحقيق المزيد من الأرباح المالية.
وفي زاوية بعيدة، يجلس أحد النقاد السينمائيين وهو يمسك رأسه، متسائلًا: «هل نحن في مهرجان سينمائي، أم في عرض أزياء للأثواب الشفافة؟» وبينما يواصل المشهد المثير تصاعده، يبقى السؤال الكبير بلا إجابة: أكانت الكاميرات هناك لتوثيق الفن، أم لتوثيق ما هو أبعد من ذلك؟!
كاتب من المغرب