مؤسس “فلسطين” اليومية ومن أوائل مناهضي الصهيونية.. عيسى العيسى في ذاكرة الصحافة

حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: في مثل هذا اليوم من عام 1950، رحل في بيروت أحد أبرز أعلام الصحافة الفلسطينية في القرن العشرين، عيسى العيسى، مؤسس صحيفة “فلسطين” التي شكّلت لسنوات منبراً لمناهضة المشروع الصهيوني والدفاع عن الهوية الوطنية. وتستذكر مؤسسة الدراسات الفلسطينية هذه المناسبة بتسليط الضوء على مسيرة رجل نذر قلمه لخدمة قضايا شعبه، وجعل من الصحافة أداة نضال سياسي وفكري في وجه الاحتلال والاستعمار، ومنبراً للدفاع عن الطائفة الأرثوذكسية العربية في مواجهة الهيمنة اليونانية داخل الكنيسة.

وُلد العيسى في يافا عام 1878 لأسرة أرثوذكسية تعمل في تجارة الزيت والصابون. والده داوود، وشقيقه بندلي، وزوجته زاهية ملك، وأبناؤه: رجا وسعد، وبناته: ليلى وملك.

تلقى دراسته في مدرسة الفرير في يافا، ثم في مدرسة كفتون الأرثوذكسية شمال لبنان، حيث تعلم اللغات الإنكليزية والتركية والفرنسية، قبل أن يلتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت. أبدى اهتماماً مبكراً بالصحافة، فأصدر عام 1897، وهو لا يزال طالبا، مجلة أسبوعية مطبوعة على الجيلاتين بعنوان “النخب”، بالشراكة مع زميله حافظ عبد الملك.

في عام 1901، وبعد عودته إلى القدس، عمل موظفاً في القنصلية الإيرانية، ثم مترجماً في دير الأقباط بين عامي 1902 و1903. سافر إلى مصر عام 1903، وعمل محرراً في صحيفة “الإخلاص” لصاحبها إبراهيم عبد المسيح. وبعد توقف الصحيفة، عمل محاسباً في مكاتب حكومة السودان في القاهرة، ثم مفتشاً في شركة سجائر أمريكية.

عاد إلى يافا مطلع عام 1910، وعمل لفترة قصيرة في البنك العثماني.

جريدة فلسطين

في كانون الثاني/يناير 1911، أسس العيسى جريدة “فلسطين”، التي كانت تصدر مرتين في الأسبوع واهتمت بداية بالنهضة الأرثوذكسية، قبل أن تكرّس جهودها للتحذير من خطر المشروع الصهيوني. ووفقاً لمؤسسة الدراسات الفلسطينية، فقد دعم العيسى حزب اللامركزية الإدارية العثمانية الذي تأسس في القاهرة عام 1912، وكان على صلة بعدد من قياداته، منهم عبد الحميد الزهراوي.

في حزيران/يونيو 1913، أرسل العيسى، مع عدد من أصدقائه، رسالة دعم إلى مؤتمر باريس العربي برئاسة الزهراوي. وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، أغلقت السلطات العثمانية جريدته بدعوى نشر مقالات “تحرض على التفرقة العنصرية”.

في نيسان/أبريل 1914، لجأ إلى مصر مجدداً بعد إيقاف جريدته، وحاول نشر مقالات مناهضة للصهيونية في الصحف المصرية، إلا أن معظمها رُفض من قبل رؤساء التحرير. بعد عودته إلى فلسطين عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، دعت جريدة “فلسطين” الحكومة العثمانية إلى التزام الحياد، مما أدى إلى تعطيل صدورها مرة أخرى، ثم محاكمة صاحبها في دمشق والحكم عليه بالسجن 300 يوم، خفف بعد الاستئناف إلى غرامة بقيمة 50 ليرة ذهبية عثمانية.

وفي نهاية عام 1916، نُفي إلى الأناضول من قبل السلطات العثمانية.

استقر العيسى في دمشق في تشرين الأول/أكتوبر 1918 بعد دخول القوات العربية، وشارك في الإدارة العربية التي شكلها الأمير فيصل، حيث عمل في الديوان الأميري ثم الملكي، كما شارك في نشاطات “النادي العربي”.

وكان من بين الموقعين على رسالة بعثها فلسطينيون إلى مؤتمر الصلح ووزارة الخارجية البريطانية في 12 كانون الأول/ديسمبر 1918، عبّروا فيها عن رفضهم للمشروع الصهيوني الذي يسعى إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

جريدة “ألف باء”

بعد سقوط حكم الأمير فيصل في دمشق على يد القوات الفرنسية في تموز/يوليو 1920، أسس مع ابن عمه يوسف العيسى جريدة “ألف باء” في دمشق الخاضعة آنذاك للانتداب الفرنسي.

عاد عيسى العيسى إلى يافا مطلع عام 1921، وأعاد إصدار جريدة “فلسطين” في آذار/مارس من العام نفسه، لتصدر ثلاث مرات في الأسبوع، قبل أن تتحول إلى صحيفة يومية عام 1930.

كما ساهم في تأسيس الجمعية الإسلامية المسيحية في يافا، برئاسة عمر البيطار، والتي كان هدفها مقاومة سياسة وعد بلفور. وفي أيلول/سبتمبر 1929، أصدر بالتعاون مع الكاتب الهندي المسلم “روشن أختر” ومع عزمي النشاشيبي، نسخة من صحيفة “فلسطين” باللغة الإنكليزية، لكنها لم تستمر أكثر من ثلاث سنوات.

العمل السياسي

منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين، شارك العيسى في الحياة الوطنية الفلسطينية، وحضر جلسات المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس في آب/أغسطس 1922.

وكان من مؤسسي “الحزب الحر الفلسطيني” عام 1927 في يافا، والذي تبنى شعار “خدمة فلسطين والعناية بشؤون الفلسطينيين” والسعي لتحقيق الاستقلال الوطني.

كما ترأس بعض المؤتمرات الأرثوذكسية في فلسطين وشرق الأردن، وانتُخب نائباً لرئيس اللجنة التنفيذية المنبثقة عنها. وفي أيلول/سبتمبر 1932، اختير عضواً في اللجنة العليا لصندوق الأمة، كما انتُخب عضواً في الهيئة المركزية لحزب “الدفاع الوطني”، الذي تأسس في كانون الأول/ديسمبر 1934، وكان معارضاً للمجلسيين وزعامة الحاج أمين الحسيني.

وشارك عام 1937 في المؤتمر القومي العربي في بلودان، الذي دعا إلى رفض مشروع تقسيم فلسطين.

الثورة ضد التقسيم

في عام 1938، غادر العيسى إلى لبنان بعد تصاعد الثورة ضد مشروع التقسيم، وانسحب مطلع عام 1939 من حزب “الدفاع الوطني”، وقرر أن يجعل جريدته “فلسطين” وقفاً لخدمة القضية الوطنية والمصلحة العامة.

واصلت الجريدة صدورها في يافا حتى 7 نيسان/أبريل 1948، قبيل سقوط المدينة في أيدي القوات الصهيونية. ثم عادت للصدور عام 1950 من القدس الشرقية بإشراف ابنه الأكبر رجا عيسى العيسى، وتحرير يوسف حنا، واستمرت حتى توقفت نهائياً في آذار/مارس 1967.

وبحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية، يُعد عيسى العيسى من أبرز الصحافيين الفلسطينيين في القرن العشرين. وتميزت صحيفة “فلسطين” بالمهنية العالية، وانتشار مراسليها، ودقة تغطيتها، ما جعلها نموذجا يُحتذى به بين صحف بلاد الشام.

وكان العيسى من أوائل مناهضي الصهيونية، كما تصدى لهيمنة الإكليروس اليوناني على الكنيسة الأرثوذكسية، داعياً إلى تحرير الطائفة الأرثوذكسية العربية من سلطته التعسفية.

ترك العيسى ديوان شعر في السياسة والوجدانيات، إلى جانب مذكرات ثمينة بعنوان “من ذكريات الماضي” وثّق فيها مراحل حياته حتى استقراره في لبنان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية