مؤشرات النجاح والإخفاق في حكومة عادل عبد المهدي

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد-“القدس العربي”:

ان قراءة سريعة لمحصلة عمل الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي، وكيفية تعاملها مع التحديات المحلية والإقليمية الخطيرة، تظهر حجم القيود والمحددات التي تقيد حركة الحكومة وتضعها رهن إرادة الأحزاب السياسية والضغوط الخارجية.

ولعل أبرز التحديات أمام الحكومة هي عدم اكتمال تشكيلة الكابينة الوزارية التي صوت البرلمان عليها في 24 تشرين الأول/اكتوبر الماضي وبقاء أهم الوزارات (الداخلية والدفاع والعدل والتربية) شاغرة، رغم مرور نحو ثمانية أشهر، ما يؤشر إلى حجم الضغوط التي تمارسها الكتل السياسية على الحكومة لتحقيق هدفها في الاستحواذ على هذه الوزارات والمناصب العليا التي تعتبر بالنسبة للبعض، مصدر مكاسب مالية وسياسية هائلة. وقد فشل عبد المهدي في إجبار الأحزاب على الاتفاق على أسماء المرشحين، في موقف معقد تتداخل فيه مساعي الأحزاب لضمان مصالحها في فرض مرشحيها لتلك المناصب، إضافة إلى توجيه الضغوط على عبد المهدي لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية لا علاقة لها بمصلحة البلد بل مرتبطة بأجندات داخلية وخارجية، وهو ما دفع رئيس الوزراء العراقي، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي الأخير، لتهديد “الكتل السياسية لحسم مرشحيها للوزارات الشاغرة، أو سيكون له موقف إذا ما تأخرت أكثر”.

ولم تكن الوزارات الشاغرة هي الإخفاق الوحيد للحكومة، بل أن هناك مؤشرا صارخا للفشل الحكومي في إدارة الدولة، ألا وهو مشكلة إدارة نحو 4800 من المناصب العليا والدرجات الحكومية الخاصة التي تدار بالوكالة منذ 2003 والتي تخوض الأحزاب حربا مستميتة، للاستحواذ على أكبر عدد منها لاتباعها، بعيدا عن المهنية والكفاءة لشاغليها، بل المهم هو المردود المالي الكبير لها إضافة إلى كونها أهم أدوات الدولة العميقة في العراق الجديد.

ورغم ان حكومة عادل عبد المهدي طرحت في برنامج عملها، مكافحة الفساد المستشري في كل أركان الدولة، ألا ان المتحقق هو اليسير في هذا المجال. وخير مثال لتحكم الأحزاب وحيتان الفساد بأجهزة الحكومة هو عجز عبد المهدي عن إنهاء هيمنة الفاسدين على مفاصل الحكومة أو ملاحقتهم رغم تشكيل “المجلس الأعلى لمكافحة الفساد” الذي كان متوقعا ان يبدأ إجراءات على أرض الواقع تبدأ من إعادة فتح آلاف ملفات الفساد المجمدة وملاحقة رؤوس الفساد الكبيرة، لكن ذلك لم يحصل، بل أصبحت الكتل السياسية تتبادل الاتهامات علنا بوجود بيع وشراء للمناصب العليا في الدولة، وهناك سياسيون وأحزاب لم تعد تخشى توجيه تهم الفساد لها، أو وجود الهيئات الاقتصادية لديها التي تنظم نهب أموال الدولة وغيرها.

ومنذ بدء توليه منصبه، رفع عبد المهدي شعار الحدّ من انتشار الأسلحة في البلاد، وحصرها في يد الدولة، للحد من نفوذ فصائل مسلّحة حزبية متنوعة، إلا أن الكثير من الأحداث والمواقف برزت من تلك الفصائل التي أكدت عدم انصياعها للحكومة التي وقفت أمامها عاجزة، ولعل أبرزها إعلان عدة فصائل شيعية مسلحة عراقية أنها ستقف مع إيران وستوجه ضربات للمصالح الأمريكية إذا اندلعت الحرب، بدون ان تردعها الحكومة.

أما عن تحديد طبيعة العلاقة مع إقليم كردستان، فان بغداد عاجزة عن ردع تمرد الإقليم وعدم التزامه بتسليمها واردات النفط المصدر من شمال العراق عبر تركيا وإيران، كما تتعرض الحكومة الاتحادية لضغوط لإعادة البيشمركه إلى المناطق المتنازع عليها وعودة سيطرة الحزبين الكرديين عليها.

وأمنيا كان التحدي الأكبر هو عودة تنظيم “داعش” إلى المشهد العراقي، من خلال تصاعد أعداد ونوعية الهجمات الإرهابية في العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرة التنظيم، وخاصة في مناطق قريبة من بغداد مثل الطارمية وفي كركوك وديالى وصلاح الدين ونينوى، مسببة خسائر بالارواح والمعدات اضافة للمساس بهيبة الدولة، وسط اتهامات بالتقصير استخباريا في انهاء بقايا التنظيم، واتهامات لبعض القوى السياسية بالوقوف وراء بعض العمليات الإرهابية لتوجيه ضغوط على الحكومة.

ولم تستغل الحكومة تحسن أسعار النفط عالميا، وانتهاء نفقات حرب مواجهة تنظيم “داعش” للقيام بحملة لتقديم الخدمات الأساسية للبنية التحتية كالكهرباء والماء والصحة والتعليم والطرق، عدا إعادة إعمار المدن المدمرة وإعادة النازحين إلى مدنهم. كما وقفت عاجزة أمام انتشار المخدرات والجريمة والانتحار وغيرها في البلاد.

وخارجيا، فإن شعار الحكومة في حياد العراق واستقلاليته وابتعاده عن سياسة المحاور (الإقليمية والدولية) وتقديم مصلحة العراق، قد فشل في أول امتحان عندما اندلعت الأزمة الراهنة بين إيران والولايات المتحدة. فقد أعلن عبد المهدي ان حكومته لن تلتزم بالعقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، بل انها فتحت أسواق العراق على مصراعيها أمام السلع والخدمات الإيرانية، لتتدفق الأموال الطائلة على طهران ولتساهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية عليها. وجاء هذا الموقف رغم المخاطر الجدية بشمول العراق بالعقوبات الامريكية لترهن الحكومة مصلحة العراق بمصلحة إيران.

وأفسد اعتراض الحكومة على قرارات مؤتمرات قمة السعودية الخاصة بتدخلات إيران في شؤون دول المنطقة، الجهود التي بذلتها حكومات ما بعد 2003 لتحسين صورتها أمام المحيط العربي الذي طالما نظر بحذر للعلاقة المميزة بين حكومتي العراق وإيران. وهو ما جعل الإعلام العربي يصف العراق بانه أصبح مندوب إيران في الجامعة العربية.

ولا يمكن إغفال ان حكومة عادل عبد المهدي، تواجه ضغوطا وتحديات داخلية وخارجية ليست هينة، نتيجة الصراعات والتحديات الداخلية، إضافة إلى تداعيات النزاع الأمريكي الإيراني على العراق إلا انها تبقى ملزمة ببرنامج عمل مقيد بجداول زمنية حددتها لنفسها أمام البرلمان والشعب وعليها التقيد بها أو الاستقالة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية