غزة – “القدس العربي”:
تنشط ظاهرة عمالة الأطفال في قطاع غزة بشكل كبير, وذلك تزامناً مع تردى الأوضاع الاقتصادية والمعيشية, وانتشار الفقر والجوع بين العائلات والتي أصبحت في أوضاع مأساوية, دفعت بها السبل إلى فتح المجال أمام تسريح أطفالهم ممن هم دون سن البلوغ, للعمل في مهن خطيرة تشكل لهم واقع مأساوي ومستقبل مظلم, من خلال التجول في الشوارع والطرقات العامة لبيع ما بحوزتهم من سلع بسيطة لا تلبى أدنى متطلبات أي عائلة, يحصلون عليها من أهلهم أو من خلال من خلال تجار بهدف تصريف بضاعتهم وكسب المال, فلا تكاد تمر من أي منطقة وشارع, إلا وتجد الأطفال يجلسون على قارعة الطرق ويتجولون بين المركبات ليبيعوا ما بحوزتهم من سلع, منها ما يحتوى على حلوى وآخرين يبيعون السجائر, فالوقوع بين فكي الفقر والجوع سحق ما بوجه هؤلاء الأطفال من براءة الطفولة, ودفع الأمر كثيرين منهم لترك مقاعد الدراسة وهم في مقتبل عمرهم, وفضلوا الانضمام إلى هذه المهن التي باتت تشكل ظاهرة مقلقة في قطاع غزة.
على طول شارع عمر المختار وسط مدينة غزة أكثر الشوارع حيوية, تختلف صور عمالة الأطفال والتي أصبحت ظاهرة خطيرة وتأخذ منحنى متصاعد, حيث ينتشر عشرات الأطفال بين المحال التجارية المكتظة وبين حركة السيارات التي تجوب الشارع, يتجولون بسلعهم بين المارة وأصحاب المحلات, وآخرين يقومون بتنظيف زجاج المركبات والبعض الأخر أخذ من التسول مهنة لجلب الرزق والمال.
الطفل محمد عبدالرحمن لا يتجاوز عمره الـ14 عاماً, ينهمك في الركض بين سيارات الأجرة التي تقل المواطنين في ذات المكان, حيث يعمل محمد في بيع السجائر وهى تعتبر بمثابة مهنة إسقاط خطيرة يقدم على بيعها طفل في مقتبل عمره, وخلال حديثه لـ”القدس العربي” أشار الطفل إلى أن والديه أرغماه على ترك الدراسة, والتوجه للعمل بأي مجال في سبيل أن يعود إلى البيت بالمال, حيث اتجه الطفل وخلال متابعته من قبل أصحاب تلك المحال قبل بيع السجائر إلى التسول من المواطنين وأصحاب المحال التجارية, لكن تزايد نشاط التسول في شوارع غزة من قبل النساء والأطفال والرجال وفقدان الثقة من قبل المواطنين لهم, لم يترك لذلك الطفل حظاً في جلب المال, حيث اتجه إلى بيع السجائر والذي يحصل عليه من التجار, حيث تشهد حركة بيع السجائر نشاط كبير خاصة من قبل السائقين.
في ذات المكان تجلس إحدى النساء على جانب الطريق، وتقوم كل يوم باصطحاب اثنتين من أطفالها لاتتجاوز أعمارهن الـ10 سنوات، حيث تتجولان بين الناس وبين المركبات، وتقومان بالتسول لجمع المال ومن ثم تعودان به إلى أمهن، ومن ثم يواصلن مسيرة تسولهن حتى نهاية اليوم، وفى محاولة متكررة للوقوف عند هذا الاستهتار المقلق الذي تدفع به المرأة أطفالها إلى خوض أساليب جمع أموال مشبوهة, تهدد مستقبلهن وتدفعهن إلى مزيد من الوقوع بالهلاك.
تقول السيدة سعاد 42 عاماً لـ”القدس العربي” أن الظروف المعيشية الصعبة, وعدم وجود مصدر دخل ثابت يؤمن لها حياة كريمة, دفعها ذلك إلى الخوض في زمار هذه المهنة الخطيرة, والتي تدرك جيداً أن ما تقوم به من أمر مرفوض يهدد حياة طفلتيها, وأن هذه المهنة أصبحت ظاهرة خطيرة ومشبوهة بعد تستر أعداد كبيرة من النساء بها لأغراض أمنية, ولكن في ظل تخلى القريب والبعيد عنها لا تزال مستمرة في جلب المال بهذه الطريقة.
ويرى مختصون اجتماعيون، أن مؤشرات خطيرة رصدت حول تزايد نشاط عمالة الأطفال في شوارع غزة، حيث يعود ذلك إلى تراجع الظروف الاقتصادية لدى بعض العائلات، في حين أن الظاهرة تشهد إقبال وتشجيع كبير من قبل الأهالى، في إجبار أبنائهم للخروج والعمل بمهن مشبوهة وخطيرة من أجل العودة بالمال بغض النظر عن كيفية الحصول عليه, وهذا يعتبر أمر مقلق وخطير على المجتمع ككل.
ويحدد القانون الفلسطيني سن العمالة بـ15 عاماً, ويشترط ساعات محددة وظروفا آمنة لعمل من يتجاوز الـ18 عاما، لكن تفشي هذه الظاهرة وابتعاد أعين المسؤولين عنها, يلقى بظواهر خطيرة تهدد المجتمع الفلسطيني, وازدادت هذه الظاهرة في قطاع غزة مع تراجع الأوضاع الاقتصادية سنوات الانقسام والحصار الإسرائيلي المشدد، ما ضاعف من معدلات الفقر والبطالة في صفوف الغزيين والذين أصبحوا يعتمدون في رزقهم على المعونات الخارجية، حيث تشير الأرقام الرسمية, إلى أن نحو 80 في المئة من العائلات في غزة تعيش تحت خط الفقر أو ما يسمى الفقر المدقع, في حين يعتمد أكثر من مليون مواطن في غزة, على مساعدات إغاثة تقدمها الانروا ومؤسسات إغاثة أخرى.