إسطنبول-“القدس العربي”: وصلت الليرة التركية إلى أعلى مستوى لها أمام الدولار الأمريكي منذ أكثر من شهر مدعومة بمؤشرات سياسية هامة كان أبرزها التكهنات حول إمكانية تأجيل تركيا استلام منظومة S400 والتزام أنقرة بوقف استيراد النفط من إيران وهو ما يعني تجنب عقوبات أمريكية كان من المتوقع أن تتسبب في متاعب كبيرة جداً لليرة التركية التي فقدت أكثر من 35 في المئة من قيمتها خلال الأشهر الماضية.
وكان الاقتصاد التركي يتحضر لموجة غير مسبوقة من العقوبات الأمريكية وسط تساؤلات كبيرة حول مدى قدرته على الصمود في وجه العقوبات المتوقعة في ظل الصعوبات التي يمر بها في الأشهر الأخيرة بفعل الأزمات المتلاحقة التي عصفت به وأدت إلى انخفاض قيمة الليرة إلى مستويات تاريخية وارتفاع نسبة التضخم والبطالة.
وهددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا في حال إصراراها على الاستمرار باستيراد النفط من إيران عقب انتهاء المهلة التي منحتها واشنطن لأنقرة، كما هددت بفرض عقوبات سياسية واقتصادية غير مسبوقة في حال استلام تركيا منظومة S400 الدفاعية من روسيا.
وأطلقت أنقرة سلسلة طويلة من التصريحات التي تجزم برفضها العقوبات الأمريكية على إيران وأكدت استحالة التزامها بهذه العقوبات كونها تعتمد على طهران في تأمين جانب مهم من احتياجاتهما النفطية الكبيرة والتي تعادل قرابة 30 في المئة من اجمالي وارداتها من النفط، لافتةً إلى صعوبة إيجاد بديل للنفط الإيراني.
ولكن وبشكل مفاجئ، وعقب تقارير إعلامية عن التزام تركيا بشكل كامل بهذه العقوبات، أعلن مسؤول تركي توقف بلاده بالكامل منذ مطلع أيار/مايو الجاري عن استيراد النفط الإيراني التزاماً منها بالعقوبات الأمريكية “حتى وإن كانت لا توافق عليها”. وقال “بصفتنا حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة فإنّنا نحترم العقوبات” وتحدثت تقارير إخبارية عن أن تركيا عوضت احتياجاتها من النفط الإيراني من العراق وروسيا وقرغيزستان.
ومن خلال هذه الخطوة، نجحت أنقرة في تجنب العقوبات الأمريكية القريبة التي كان متوقعاً أن تفرضها واشنطن بشكل فوري في حال استمرارها باستيراد النفط الإيران منذ بداية أيار/مايو، وهو ما فتح الباب أمام مبادرات ثنائية لتحسين العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعد أن كان الحديث يدور حول فرض عقوبات والمزيد من الأزمات.
حيث أعقب ذلك، تخفيض وزارة التجارة التركية الرسوم الجمركية الإضافية المفروضة على بعض البضائع الأمريكية إلى النصف، حسب مرسوم رئاسي نشرته الجريدة الرسمية التركية ونص على خفض الرسوم الجمركية الإضافية المفروضة على 22 نوعًا من البضائع المستوردة من الولايات المتحدة، ومنها الأرز وورق التبغ والسيارات الخصوصية ومستلزمات التجميل.
جاء ذلك، عقب ساعات من قرار أمريكي مماثل، بخفض الرسوم على واردات الصلب التركي، حيث قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خفض الرسوم الجمركية المفروضة على واردات الصلب التركي من 50 إلى 25 في المئة وهو القرار الذي اتخذته الإدارة الأمريكية إبان أزمة الراهب الأمريكي أندرو برانسون الذي كان معتقلاً في تركيا.
ومع اقتراب موعد استلام تركيا منظومة S400 وتصاعد التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات واسعة، ألمح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار لأول مرة إلى إمكانية حصول تأخير في عملية التسليم، عازياً ذلك في حال حصوله إلى أسباب تقنية. وقال: “يمكن ان لا نتمكن من الاستلام في شهر حزيران/يونيو، ولكن سوف نستلم المنظومة الروسية في الأشهر المقبلة، عملية التسليم بدأت، ولكن هناك إجراءات إدارية ولوجستية وتقنية يتم بحثها في روسيا، عقب إتمام العمل على هذه الملفات، وعقب حل الموضوعات التقنية، ستبدأ عملية نقل المنظومة إلى تركيا”.
وفي أبرز تطور في الحراك المتسارع بالعلاقات التركية الأمريكية، جرى اتصال هاتفي بين اردوغان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب جرى الاتفاق فيه على عقد لقاء بينهما على هامش قمة مجموعة العشرين في نهاية حزيران/يونيو في اليابان، وبينما جدد الزعيمان تأكيدهما على ضرورة العمل المشترك للوصول لهدف رفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين لمستوى 75 مليار دولار، اتفقا على بحث المسألة في لقاء اليابان المنتظر.
وخلال الاتصال، عرض اردوغان على ترامب مجدداً تشكيل “مجموعة عمل مشتركة” تكون متخصصة وتبحث في مخاوف أمريكا من الخطر المتوقع للمنظومة الروسية على طائرات F35 وبالتالي يتوقع في حال قبول الإدارة الأمريكية بهذا المقترح، أن تؤجل تركيا استلام المنظومة الروسية لحين انتهاء أعمال هذه اللجنة، وبالتالي تجنب عقوبات أمريكية مبكرة.
كما أكدت وزيرة التجارة التركية روهصار بكجان، أن تركيا ستواصل العمل لرفع حجم التجارة مع الولايات المتحدة إلى 75 مليار دولار.
وفي تطور لاحق، لا يقل أهمية عما سبق، أصدر القضاء التركي بشكل مفاجئ قراراً بالإفراج عن سيركان غولج وهو عالم تركي أمريكي كان موقوفا في تركيا منذ نحو ثلاث سنوات وتسبب اعتقاله بتهمة الانتماء لجماعة إرهابية في توسيع الخلافات مع واشنطن. والخميس، شكر ترامب اردوغان على هذه الخطوة
جميع التطورات السابقة ساهمت في ارتفاع قيمة الليرة التركية لقرابة 2 في المئة وارتفعت قيمتها أمام الدولار من قرابة 6.1 ليرة للدولار الواحد، إلى ما دون 5.88 ليرة للدولار، وهو تحسن ذو قيمة كونه يأتي بعد ما كان الحديث يدور عن إمكانية تعرض الليرة إلى انتكاسة كبيرة جداً في حال تصاعد الخلافات مع واشنطن وفرض عقوبات أمريكية واسعة، لكن الاختبار الأكبر لهذا التقارب سيكون عقب وضوح القرار التركي النهائي عن موعد استلام المنظومة الروسية ونتائج لقاء ترامب اردوغان المتوقع.