مع استمرار المعارك العنيفة جنوب العاصمة الليبية طرابلس، في عديد المحاور، بات واضحا أن قوات القائد العسكري للشرق الليبي خليفة حفتر، غير قادرة على حسم المعركة عسكريا ضد قوات حكومة الوفاق الوطني. والأرجح أن هناك نوعا من توازن القوة جعل الاشتباكات تبقى معارك كر وفر، بلا غلبة تفتح أبواب العاصمة أمام قوات حفتر، الذي وعد حلفاءه بمعركة خاطفة ونظيفة، تُحرر العاصمة من قبضة الميليشيات. هذا العجز عن إنجاز الحسم العسكري حمل العواصم التي شجعت اللواء المتقاعد حفتر على مراجعة حساباتها وتعديل مواقفها. وبعد مرور شهر على إطلاق عملية طرابلس، بدأت الحكومات الغربية، التي دعمت حفتر بالسلاح والخبراء، أو في الأقل منحته الضوء الأخضر، تعود للحديث عن الحل السياسي واستئناف الحوار بين الفرقاء.
مشكل لوجستي
هناك عنصران حاسمان في تعديل الموقف الدولي من هجوم حفتر، الأول أن العواصم الغربية التي دعمت العملية، باتت على قناعة بأن المعارك ستطول، بالنظر لطول خطوط الإمداد، من قواعد حفتر في الشرق الليبي، نحو العاصمة طرابلس. أما العنصر الثاني فيتمثل في حجم الخسائر البشرية، كون الحرب تدور في أحياء مأهولة (خلة الفرجان، العزيزية، الزطارنة، ترهونة) ما أدى إلى مقتل المئات ونزوح 55 ألف شخص من بيوتهم. وأتت المؤشرات الأولى على المراجعة من باريس، على لسان وزير الخارجية جان إيف لودريان، الذي تراجع عن تغليب الحل العسكري، في حوار أجرته معه صحيفة “الفيغارو”. وحض لودريان، الذي يُعتقد أنه من الذين سهلوا حصول حفتر على أسلحة وخبراء، عندما كان على رأس وزارة الدفاع الفرنسية، على “إقرار وقف لإطلاق النار والعودة إلى مائدة المفاوضات من أجل إجراء انتخابات عامة”.
إلى جانب فرنسا هناك استدارة في الموقف الألماني أتت على لسان المستشارة انغيلا ميركل، التي عادت إلى الحديث عن الانقسام الأوروبي حيال الأزمة الليبية، قائلة من عاصمة بوركينا فاسو “يتعين علينا أن نعمل الآن على حل سياسي في ليبيا. الأمر الذي سيكون مهمًا لمستقبل المنطقة”. وأضافت “ما شرحه لي رؤساء مجموعة الساحل مرة أخرى، وهم مُحقون في قولهم، أن على أوروبا الاتفاق على المقاربة، لأن ثمة دائما وجهات نظر متباينة داخل الاتحاد الأوروبي. سأقوم بكل ما في وسعي ليكون الموقف الإيطالي والفرنسي منسقًا، ولا تكون ثمة أصوات ومواقف مختلفة في أوروبا”.
ويُعتبر هذا الموقف استمرارا للجهود التي بذلتها ألمانيا بوصفها عضوا غير دائم في مجلس الأمن، لدعم الموقف البريطاني الذي تقدم إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي بمشروع قرار لوقف الحرب في طرابلس، غير أن الولايات المتحدة وروسيا أحبطتا تلك المساعي. واعتبرت ميركل أن امتناع ألمانيا عن التصويت على المشروع قد يكون خطأ، إذ قالت “لست واثقة بأنها كانت فكرة جيدة”. وأظهر الموقف الروسي أيضا بعض المرونة في الأيام الأخيرة، إذ أن موسكو ستستقبل في الأيام المقبلة وزير الخارجية في حكومة الوفاق محمد طاهر سيالة. وبحسب الناطق باسم هذه الحكومة، مهند يونس، “ترمي الزيارة لإقناع موسكو برفض الهجوم على العاصمة طرابلس، وما تقوم به القوات المهاجمة من قصف للمدنيين والمطارات وما ترتكبه من جرائم حرب”.
أكثر من ذلك ما زالت ردود الفعل الأمريكية تتفاعل اعتراضا على موقف الرئيس ترامب الذي لم يُخف تعاطفه مع اللواء المتقاعد حفتر، من خلال مكالمة هاتفية بينهما قبل انطلاق الهجوم على طرابلس، لكن لم يُعلن عنها إلا يوم 15 من الشهر الماضي. وأثار الموقف اندهاشا حتى لدى حلفاء الولايات المتحدة، إذ أن الإدارة كانت تدعم بالكامل اتفاقات الصخيرات (المغرب) عام 2015، التي تشكلت بموجبها حكومة الوفاق، باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة في طرابلس. وأظهرت مبادرة ترامب شرخا بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية إزاء الموقف من الأزمة الليبية، إذ أن الوزير مايك بومبيو حض في 7 نيسان/ابريل اللواء المتقاعد حفتر على وقف هجومه على طرابلس. وأتى موقف بومبيو متطابقا مع موقف أعضاء بارزين في مجلس الشيوخ، من بينهم عضو لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس السيناتور ليندسي غراهام، الذي انتقد المكالمة الهاتفية التي أجراها ترامب مع حفتر، وقال “إنها انعكست بشكل مقلق في الأوضاع على الأرض” وفق تعبيره. واعتبر غراهام أن “دعم فصيل في الصراع الداخلي في ليبيا، يمكن أن يعجل بحرب أهلية شاملة وفرار المزيد من اللاجئين”.
وعلى عكس الرؤية التي عبر عنها البيت الأبيض، أكد السيناتور غراهام أنه “لا يوجد حل عسكري للأزمة في ليبيا، ولا يمكن لحفتر أن يسيطر على طرابلس بالقوة العسكرية”، داعيا ترامب إلى الضغط من أجل تحقيق مصالحة سياسية في ليبيا، على ما قال. غير أن موقف السيناتور غراهام يختلف عن موقف وزارة الدفاع الأمريكية، التي ترى في حفتر الجهة القادرة على “القضاء على جميع المجموعات الإرهابية من أجل تمكين الليبيين من توحيد صفوفهم وبناء دولة ديمقراطية”. واللافت أن موقف ترامب الجديد من الصراع في ليبيا، المؤيد لحفتر، يتناقض مع الوكالة التي كان أعطاها للإيطاليين لإدارة الملف الليبي، عندما زاره رئيس الوزراء الإيطالي جيوزيبي كونتي في البيت الأبيض الصيف الماضي. واختزل وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي إينزو ميلانيزي، موقف روما الحالي من الأزمة الليبية بقوله “نحن نعمل على الإبقاء على حوار شامل مع جميع الأطراف”. وينسجم هذا الموقف مع الموقفين الألماني والبريطاني، ما يؤهل الثلاثة للعب دور مهم في استئناف الجهود الأممية الرامية لعقد “الملتقى الوطني الشامل”، والذي يُعتقد أن حفتر رمى لإلغائه بهجومه على العاصمة الليبية.
الأرجح أن تداعيات الحرب على طرابلس بما فيها من ضحايا مدنيين وخسائر مادية ستحمل عواصم القرار الدولي على مراجعة حساباتها، خصوصا إذا ما طال أمد الحرب وتعفنت الأوضاع أكثر فأكثر. لكن هل سيذعن حفتر للضغوط الدولية، إن وُجدت؟ وما هي أوراق الضغط التي يمكن استخدامها لحمله على سحب قواته من طرابلس؟