بغداد ـ «القدس العربي»: تجمّع مئات الآلاف من العراقيين، أمس الأحد، عند مرقدي الإمامين الحسين وأخيه العباس في كربلاء، لإحياء ذكرى العاشر من محرم، وسط إجراءات أمنية وصحية مشددة.
وكما في كل عام، يحيي ملايين الشيعة هذه المناسبة، فضلاً عن زيارة الأربعين، قادمين من جميع المحافظات والمدن العراقية صوب كربلاء، لكن الأعداد في هذا العام تعد أقل بكثير عن مثيلاتها في الأعوام السابقة، نتيجة غلق الحدود أمام إيران والدول العربية والأجنبية الأخرى، بفعل القيود التي فرضتها السلطات للسيطرة على تفشي وباء كورونا. ورغم ذلك، شهدت مدينة كربلاء زخماً كبيراً، غير أن مراسم الزيارة جرت بانسيابية من دون تسجيل أي خرق.
ودعا رئيس الجمهورية برهم صالح ما وصفهم «الفرقاء والشركاء» إلى تقفّي أثر الحسين بخدمة أبناء الشعب والوقوف معهم في بناء الوطن.
وقال في كلمة وجهها إلى الشعب العراقي بذكرى العاشر من محرم، «الحسين (عليه السلام)، كانَ ولا زالَ وسيظَلُّ خالداً بمشروعِهِ الإصلاحيِّ وإنسانيتِهِ التي تجلَّت حتى مع أعدائه أثناءَ المعركة، خالداً بركبِهِ وهو يحملُ نساءَ الرسالةِ وصحبَهُ الذين تنوعوا بين عربيٍّ وأعجميٍّ ومسيحيٍّ وروميٍّ وعبدٍ وحُر، وهذا دليلٌ على شمول ثورة الحسين للجميع، ودليلٌ على أنهُ، عليهِ السلام، للكلِّ، ويقفُ مع الكلّ، في مظلوميتِهم دون تفريقِ عِرْقٍ أو لونٍ أو طائفة».
وأضاف: «في عاشوراء الحسين ما أحوجنا إلى إنسانيةِ الحسين وإيثاره ووقفتِهِ بوجهِ الظلم والجَوْرِ، ونصرةِ المظلومين» مشيراً إلى إن «الحسينُ رمزٌ للتحررِ والتعايشِ السلمي والتصالحِ مع الذات، فهو جامعُ الجميع، لا يقفُ عند مذهبٍ أو طائفة أو قومية، وقد تحولَّ من شخصيةٍ ثائرةٍ الى شاخصٍ لكل الثوار ومن إنسانٍ مؤمنٍ الى رمزٍ للإيمان، ومن رجلٍ مصلحٍ إلى رمز للإصلاح».
وتابع ً: «تمرُّ عاشوراءُ الحسين هذا العام والعالمُ كلُّهُ يعيشُ بأزمةٍ كبيرةٍ في ظلِ صراعاتٍ وفي ظلِ انتشارِ جائحةِ كورونا التي ألقتْ بظلالِها على كل مرافق الحياة، والتي أثبتَ من خلالهِا أبناءُ شعبِنا أنهم على أثرِ الحسين في تكافلِهم الاجتماعي مع الفقراء والمحتاجين وبصمودِ جيشهم الأبيضِ مع المرضى والمصابين».
ونوّه أن «العراقُ اليومَ يعيشُ مرحلةَ تحولاتٍ حساسةٍ وخطيرة، فالعراقيونَ بعد معاناةٍ طويلة وحرمانٍ مديدٍ يتطلعونَ إلى العدالة وسيادة القانون، وإنهاء الفساد وتأمين الحياةِ الحرةِ الكريمة، يتطلعون إلى ترسيخِ مرجعية الدولة المقتدرة ذات السيادة الكاملة وغير المنقوصة والمحتكمة إلى الدستور والقانون».
وشدد على أهمية «تلبيةِ الاستحقاق الوطني في الإصلاح، وذلك من خلال الاحتكامِ إلى الشعب في انتخاباتٍ مبكرة والتي يجب أن تكونَ في أجواء تسودُها الثقةُ بعيداً عن التلاعب والتزوير، وهو ما يتطلب توفيرَ المستلزماتِ الفنية والقانونية لتطمينِ العراقيين بنزاهتِها وصدقِها، وتمكينها من ممارسة حقهم الدستوري في تقرير مصير بلدهم وانتخاب نوابهم وحكومتهم بعيداً عن كل تدخل أو تلاعب».
واستغل رئيس الجمهورية ذكرى استشهاد الحسين (ع) بدعوة «الفرقاء والشركاء» إلى «أن نقتفي أثَرَ الإمام الحسين (عليه السلام) في خدمةِ أبناءِ شعبِنا والوقوفِ معَهُم في بناءِ الوطن ودفعِ شرورِ الأعداء عنهُ وتقديمِ كلِّ شيءٍ يرفعُ المعاناةَ عن كاهلِ العراق الذي يستحقُ كلَّ خيرٍ وأمان وازدهار».
كذلك، أعلن رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، أن مسيرةُ الاصلاحِ «تلكأت» في العراق برغم مطالباتِ الشعبِ المشروعةِ بالتغييرِ، فيما دعا الى الابتعاد عن إشاعةِ خطابِ «الكراهيةِ والتخوينِ والتخويفِ والترهيب».
وقال في كلمة له بمناسبة عاشوراء: «لقد تلكأت مسيرةُ الاصلاحِ مرةً بعد مرة رغم جهودِ الخيرين والشرفاء في هذا البلد، من خلالِ إعاقاتٍ متكررةٍ ومتنوعة، ورغم مطالباتِ الشعبِ المشروعةِ بالتغييرِ والاصلاحِ من خلالِ انتخاباتٍ مبكرةٍ وبرنامجٍ حكوميٍ يلبي مطالبَ المواطنِ، من فرصِ عملٍ وخدماتٍ أساسية تضمن عيشًا كريما له». وزاد «لقد أخذنا على عاتقِنا المضي في هذا الطريق رغم كلِ الصعوباتِ والتحدياتِ، من خلالِ جملةِ اجراءاتٍ هي من صميمِ واجبِنا البرلماني، وفي مقدمتِها التشريعاتُ الجوهريةُ والرقابةُ الحازمةُ والتحركُ السياسي مع الشركاءِ للتفاهم على خارطةِ طريقٍ جادةٍ وفاعلةٍ تُخرِجُ البلدَ من دائرةِ الاختناقِ الى فضاءٍ من التقدمِ والتطورِ والاصلاحِ الحقيقي».
وأضاف: «لقد حاول المرجفون وأعداءُ الحقِ توسيعَ الفجوةِ التي أحدثتها الظروفُ السياسيةُ بين الشعبِ والطبقةِ الحاكمة، وعملت ماكناتُ الشرِ والفتنةِ من خلال وسائلِ التواصلِ الاجتماعي ووسائلِ الاعلامِ المأجورةِ على مضاعفةِ حالةِ الاحباطِ واليأسِ وتضخيمِ المشاكلِ لتصعيد حالةِ الغضب».
وعدّ رئيس البرلمان الهدف من ذلك هو «توفيرِ الفرصِ لخطابٍ متشنجٍ ومتوترٍ يفتحُ الابوابَ مشرعةً لخياراتٍ وسيناريوهاتٍ غامضةٍ ومرعبة، قد تفضي الى المجهولِ وتُضيّعُ الفرصةَ لإيجادِ حلٍ واقعيٍ، وتُربكُ جهودَ المخلصين والعقلاءَ وسط الضوضاءِ المفتعلة التي يخططُ لها اعداءُ الشعبِ والقانون، الذين حاولوا تأجيجَ الفتنةِ طعناً في الظهور، وإشعالاً للشكِ، وتفريقاً للصفِ الوطني، وكيداً متواصلاً من خلالِ إشاعةِ خطابِ الكراهيةِ والتخوينِ والتخويفِ والترهيب».