مئوية كتاب في جريدة رحلة شاقة من المتنبي إلي جورج شحادة..

حجم الخط
0

محمد مظلوم

من العدد الأول إلي العدد مائة ثمة الشعر تعويذة للرحلة الشاقة، ففي العدد الأول من مشروع كتاب في جريدة الذي أطلقته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو) في البلدان العربية أواخر العام 1995، كان الشعر وكان المتنبي أول الاختيارات و( الدهر المنشد ) عنواناً لها وكان أدونيس يتولي أعادة تقديم فتي الكوفة الذي ملأ دنياه ودنيانا وشغل أهل زمانه وزماننا.

وفي العدد مائة، يكون الشعر أيضاً ويحضر أدونيس كذلك، ويأتينا جورج شحادة هذه المرة.

ما بين المتنبي وجورج شحادة أكثر من علاقة إذن وفق هذه المقدمات الأرسطية، وهما ليسا متباعدين في الأزمنة والأمكنة، وأنما يلتقيان رغم تعددهما في اللغات وفي انشطار الذات، فما ببن السقاء صديق الليل والبداوة وعاشق حلب والفتي الغريب في بوان، وجورج شحادة الفرانكفوني المغترب في لغة أخري بل أن يتغرب في المكان الآخر، ما بينهما الشعر وهذه الرحلة من السنوات العشر من العدد الأول إلي العدد مائة. وبالعدد مائة نستعيد جورج شحادة علي مستوي “مليوني” نستعيده للقراءة العامة بعد أن ظل محصوراً في نخبة النخبة أو “خلاصة الخاصة” كما يسميها ابن عربي. اليوم أكثر من مليون قارئ عربي يقرأون جورج شحادة في وقت واحد كأنهم يعيدون اكتشافه، رغم ما نشر سابقاً من مسرحياته المترجمة ومختارات من أشعاره هنا وهناك.

مناسبة تستحق احتفالاً ما أو علي الأقل تحية متعددة الاتجاهات.

في إحدي جمله في قصائده التي ترجمها أدونيس يقول جورج شحادة:

عندما يَتمزّق العصفورُ وغناءَهتتوقّف أحياناً عن الأنينِالأوراقُ التي لا تَثِقُ بكآبتهافي البعيد انتهي الهواء ولم يعد يريدُ أن يُصغيهكذا نعبرُ، الأحدَ، مع كلابنافي السّماء وفي الحديقةونمنح، من أجل منفي صورنا، ظِلاًّ لكلّ طفلٍ في المساء.

لست ممن يجيدون الفرنسية بالتأكيد لكن أن يَنصبَ أدونيس “غناءه” بدل رفعها علي أنها عطف أثارت لدي فضولاً ما من أجل معرفة الأساليب النحوية للغة الأخري حقاً، هل ثمة في التفكير بالفرنسية “واو معية” كما هو الحال في اللغة العربية سألت الشاعر شوقي عبد الأمير حول ما إذا كانت الفرنسية تتضمن صيغة “واو المعية” إذ كيف يمكن أن نفكر ونتخيل ونعيش بلغة ونكتب بأخري وكيف نتيح لأنفسنا أن نستخدم بني نحوية ليست شائعة لتوصيل عبارة نشأت في بيئة نحوية وبلاغية مختلفة؟ أجابني شوقي إنه “واوا المعية ولي العطف” ولا تنس أنه أدونيس. إذن هي جملة أدونيس وهي صياغة عربية تتسع مع الشعر وتوسِّع المخيلة ببناء عبارة متسعة أيضاً “واو المعية” هنا تجعل تمزُّق العصفور متسعاً ومعبراً عن فضاء اتساعه باتساع الغناء. “واو المعية” التي يسميها الكوفيون واو الصرف لأنها تصرف ما بعدها عن مشاركة ما قبلها، تتسع هنا أيضاً أبعد من حيزها اللغوي لتصرف شعر جورج شحادة في بيئة لغوية أخري في محاولة لجعله جزءاً من المتن الطبيعي للشعر العربي، الذي أضحي مهيأ لإعادة تقبل جورج شحادة وسواه من المغتربين في لغات أخري.

نستعيد جورج شحادة عبر الشعر، لا عبر النص المسرحي، نستعيده من خلال ديوان العرب، لا من خلال منصَّة الأغريق أو خشبة الرومان. تماماً كما استعاده أدونيس عبر “واو المعية” لا “واو العطف”! وبهذا قد يبدو جورج شحادة فرانكفونيا في الظاهر من المستوي اللغوي التعبيري، وقد يبدو شاعراً عربياً مستعاداً لموطنه الأثني في ترجمة أدونيس، لكنه يبقي في الطبيعة العميقة للشعر شاعراً ينتمي للغة الشعر الواحدة الباطنة لا للغة الأمم والثقافات المحلية:

الشّاهد الوحيد علي المعجزةدميةٌ منسيّةٌ سَهْواًعيناها مُغْلَقتانِ أمام الأحلامكأنّها لا أحد.

وما بين نكهة البداوة البرية، نكهة المخيلة النيئة والتجربة الوعرة في الحياة لدي المتنبي، وما بين جرعة السوريالية المشعة في عتمة الأحاسيس والعالم لدي جورج شحادة يستمر الشعر بصيغه ويستمر مشروع “كتاب في جريدة” مبشراً بوعد لاحق هو موسوعة تمثل “ديوان الشعر العربي ما بعد الرواد” الذي من المؤمل أن يصدر في عشرة أجزاء موزعة علي ثلاث سنوات قادمة. وأن يكون العام القادم هو عام الشعر العربي المعاصر بامتياز، مع هذه السلسلة، فإن خطوة المائة حين بدأت بالشعر مع المتنبي ووصلت إلي مائتها الأولي بعودة جديدة لجورج شحادة هي خطي واعدة حقاً تعدُ وتمضي لاستكمال رحلتها الشاقة.

بيد أن الشعر وإن كان تعويذة الرحلة الصعبة لكنه ليس زادها الوحيد، فالأعمال الروائية والقصصية وكتب السيرة والمختارات من تراث النثر العربي بمختلف حقوله وكذلك بعض الترجمات، والدراسات الفكرية كانت زاداً مضافاً ومتاعاً متنوعاً، لكن النكهة النوعية المضافة، النكهة التي لا يحملها الكتاب التقليدي المنشور بالصورة التقليدية، تمثلت في ألوان وأشكال وصور سهر عليها مائة فنان عربي من شتي حقول التشكيل والنحت والتصوير يمثلون مختلف الأجيال والبلدان جري تقديمهم بأعمال مرافقة للنصوص طيلة الأعداد المختلفة.

وبين إحصائيات عن أعداد تتراوح ما بين مليونين إلي ثلاثة ملايين نسخة طبعت ووزعت من الأعداد المائة الصادرة حتي الآن، فنحن هنا بصدد ربع مليار نسخة جري تداولها خلال عشر سنوات، ربما ليس هذا هو العدد التام للقراء ولكن “كتاب في جريدة” أنجز مهمة الوصول إلي “رقم فلكي” لم تحققه أية دار نشر أو توزيع ولم يحزه أي كاتب في طريق النشر التقليدي، وهي كتب الجماعات لا النخب، لذلك ليس كل ما نشر أو سينشر في هذا المشروع هو خلاصة نهائية لعيون الأدب، ولكنه يمثل شمولية في حقول الثقافة ويمنح بعداً تعريفياً أحياناً بنماذج واعدة وعلامات جديرة بالتكريم.

أنها تجربة في النشر تحتفي بالكتاب في عصر غروب القراءة، وتحتفي بالشعر في غير زمنه، وتحتفي بالقارئ في عصر خريف الأوراق، لكن من يستطيع حقاً أن يقرر أن الغروب والزمن المعكوس والخريف هي أقدار ومصائر؟ أليس الإصرار علي مواجهة هذا المصير والقدر المصنوع هو نوع من أعادة الاعتبار للكتاب؟

ألا يعد هذا النوع من الإصرار جرعة مختلفة من التجديد في المزاج العربي المائل إلي الإحباط وتلكؤ المشاريع وانحسار الأحلام سريعاً، أليس لافتاً مثلاً أنه وفيما كانت تجربة “كتاب في جريدة” تتعثر في إسبانيا ودول أميركا الجنوبية قبل أن تصل إلي عددها السبعين وتعدو سنواتها الست، يصل المشروع في البلدان العربية العدد مائة ويجتاز سنته العاشرة بثقة كبيرة؟ واضح من نهج هذه التجربة حتي الآن أنها تجربة جماعية وتجارب أفراد داخل الجماعة في الوقت نفسه ومن هنا أهميتها، ومكمن قوتها، وهي تجربة قامت علي صهر الجهود في مختبر تعاضدت علي إنجاح خلاصته عناصر عدة أسهمت في صمود هذا المشروع واستمراره وثراء عطائه، لعل أهمهما إصرار الصحف العربية الشريكة في المشروع علي المضي به بحماسة ودأب، ذلك أنها وجدت نفسها إزاء مسؤولية مستحدثة إزاء القارئ العربي في زمن التدفق المعلوماتي والفكري المتعدد والمتنوع، فأدركت أن حصرها علي الصلة مع قارئها تتعدي مهمتها التقليدية في مجرد نقل الخبر ووصف الحدث، أو حتي تخصيص صفحة ثقافية يومية أو ملحق أسبوعي. وكذلك فكرة الرعاية التي أوصلت المشروع إلي نجاح خارج الرعاية التقليدية للمؤسسات الحكومية بما تمثله من صرامة معروفة، إنها نوع من نشاطات المجتمع المدني أفراداً ومؤسسات، وما الرعاية المتواصلة التي تتبدل دون أن يتبدل هدف المشروع وآخرها مؤسسة MBI إلا هذا التأكيد علي الراعية لا المصادرة.

ومع العدد مائة أقول للصديق الشاعر شوقي عبد الأمير مؤسس المشروع والمشرف عليه، إن السؤال عما بعد المائة يتعلق بالسؤال عن حجم الحلم! أو لم تكن المائة نفسها حلماً؟ فلنحلم بما بعدها رغم وعورة الطريق وبعد المسافة. شاعر من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية