قراءة ممسرحة لقصة ‘الرحلة’: باريس ـ ‘القدس العربي’ ـ من فاطمة أزهري: بمناسبة فعاليات ‘لنقرأ لكم عام 2011’، الذي تنظمها وزارة الثقافة الفرنسية مرة كل سنة، ومرور مئة سنة على ولادة المرحوم نجيب محفوظ، نظمت مكتبة معهد العالم العربي لقاء حول هذا الأديب الكبير.
بعد أن شكر الطيب ولد العروسي مدير مكتبة معهد العالم العربي، الحضور، قال في كلمة مختصرة، أننا أمام أديب عملاق، عرف بغزارة إنتاجه، إذ صدرت له 35 رواية و 15 عشر مجموعة قصصية، مما تركها موضوعا للكثير من الدراسات الأكاديمية في الغرب والشرق، وهو يعتبر من بين أهم الروائيين العرب، وقد تحولت البعض من رواياته إلى أعمال سينمائية، وتلفزيونية ومسرحية، وترجمت لعدة لغات. رغم أنه تحصل في بداية حياته على الإجازة في الفلسفة، واشتغل في الوظيف العمومي، إلا أن عالم الرواية والإبداع أخذاه وراح يأخذ من أزقة القاهرة وتاريخ مصر والكثير من التيمات التي شغلته موضوعات لأعماله الروائية والقصصية. كما ناضل في صفوف حزب ‘الوفد’ الذي كان يعبر عن طموحات الشعب المصري في التخلص من الاستعمار البريطاني. ثم أحال الكلمة إلى الأستاذ محمد اليماني لتنشيط هذا اللقاء الذي كان متبوعا بقراءة ممسرحة لإحدى قصص نجيب محفوظ. للتذكير فإن هذا اللقاء الترحمي يعتبر الأول من نوعه، خارج العالم العربي، حول المبدع الكبير المرحوم نجيب محفوظ.
أعطي الأستاذ اليماني الكلمة إلى البروفسور الدكتور بطرس حلاق، أستاذ في جامعة السوربون، الذي ساهم بمداخلة بعنوان ‘نجيب محفوظ قراءة في أعماله’، تطرق فيها إلى ولادته وبداية اهتمامه بالكتابة في الإعلام والصحافة، وبعدها في كتابة القصة والرواية، إذ رأى أن الرجل اتسم أدبه بالعمل على الجانب الإنساني، وعلى تقديم الصور الأفضل لابن الحارة، ولابن الحي وابن المدينة، بأسلوب واقعي قريب من نبضاته وهمومه وآماله، كما اتسمت كتاباته أيضا بالبحث والمناداة وتشجيع الحرية، التي كانت من ضمن الموضوعات التي اشتغل عليها كثيرا، بحيث اعتبرها أساسية في حياة وتقدم الناس، كما اعتبر حرية الكلام والإبداع من ضمن ينابيعها الأساسية، هذا بالإضافة إلى عدم تدخله في السياسة وبقائه بعيدا عن همومها، لأن المبدع يجب أن يكون حرا وغير متقيد بها. وأعطى البروفسور عدة أمثلة من كتابات نجيب محفوظ، وتطرق إلى رواية ‘أولاد حارتنا’ حيث يلتقي البعد الفلسفي والوجودي والإنساني، وعن العدالة التي يتوق الإنسان لتحقيقها. والمثقف بالنسبة لنجيب محفوظ هو إنسان بسيط، وهو الذي يقف ضد القمع، ويملك فكرا حرا خارج عن كل السلطات.
أما الأستاذة سلوى بن عبيدة، أستاذة في جامعة باريس، فقد تناولت مسألة المكان عند نجيب محفوظ، إذ تتبعت بعض أعمال المبدع الكبير، لتخلص في النهاية إلى لفت الانتباه إلى أن القاهرة بأحيائها وشوارعها وأزقتها ومبانيها تأخذ حصة الأسد في أعمال نجيب محفوظ الروائية. كما أكدت هي الأخرى على الحارة في أعمال أديبنا الكبير نجيب محفوظ، التي تعتبر محور ما كتبه نجيب محفوظ من أعمال.. والتي تتخذ في رواياته أبعادا أخرى لتصبح محطة بل ملخصا للعالم كله. وترى أنه استوعب بشكل واع أو غير واع جيدا عناصرها ثم حللها بل وفكها وأعاد ترتيبها من جديد، وتجدر الإشارة إلى أن المكان لديه قد أخذ أسماء بعض رواياته والتي استعارها من أحياء القاهرة ومقاهيها، والحارة هي الوحدة الأساسية في أحياء القاهرة القديمة، وهى طريق منظم تثبت المنازل والبيوت على جانبيه، كما يؤكد على ذلك ‘ما يحركني حقيقة عالم الحارة. هناك البعض يقع اختيارهم على مكان واقعي أو خيالي أو فترة من التاريخ، ولكن عالمي الأثير هو الحارة’، كما ترى الأستاذة سلوى بن عبيدة أن الشوارع التي يتحدث عنها ملتوية، ولا نعرف مسبقا ما تخبئه تعاريجها، أي نكتشف معه نبض الشارع ونحن نقرأ بعض أعماله الروائية والتي تجسد عالم الذكريات، أو البحث عن الأنا والآخر عبر الأزقة والبناءات الموجودة على جانبي هذه الحارة، أو تلك الشوارع والأزقة، المملوءة بالنشاط والحيوية.
أما الجزء الثاني من الأمسية فقد خصص للقراءة الممسرحة، والتي كانت تتشكل في قراءة قصة ‘الرحلة’ المأخوذة من المجموعة القصصية ‘حانة القط الأسود’ مترجمة إلى اللغة الفرنسية، وتمت قراءتها باللغتين العربية والفرنسية بمصاحبة موسيقى حية رصدت وجسدت المناخ العام والخاص للأحداث التي تسردها أو تتطرق إليها القصة، والتي تتكلم عن رجل مسن يأتي إلى حارة صباه، فيجد أنها قد تغيرت وفقا لذكرياته، فيقوده شريط الذكريات إلى طفولته، وهو يتأمل نافذة زينب التي كانت مصدر إلهام له ولأصدقائه في الحي، حينما كانوا صبية صغاراً يمارسون بعض ألعابهم كي يثيرون إعجابها لهم. وقد أشرف المخرج المسرحي العراقي المقيم في فرنسا الدكتور محمد سيف، على إعداد ومسرحة القصة ومنتجتها بطريقة جعلت الموسيقى الحية المرافقة للعرض تقوم بجزء من السرد. وقد قدمت هذه القصة الممسرحة في إطار فرقة ‘الكلام العابر’ التي تتكون بالإضافة إلى محمد سيف، من الممثل الفرنسي إيريك أوغيست، والموسيقيين رضوان رفيق من المغرب، والفنان إسماعيل آيت أمغار. عرف الأديب نجيب محفوظ بغزارة إنتاجه، إذ صدر له ما يزيد على الخمسين مؤلفاً في مجال الإبداع الروائي والقصصي. كما ترجمت معظم أعماله إلى 33 لغة في العالم، وصدر عن حياته وأعماله الأدبية الكثير من الأعمال والدراسات والرسائل الأكاديمية في العالم العربي بخاصة وفي الغرب بعامة. كتب نجيب محفوظ منذ بداية الأربعينيات واستمر حتى سنة 2004، وتدور أغلب أحداث رواياته في مصر، ومن أشهر أعماله ‘الثلاثية’ و’ أولاد حارتنا’ التي مُنعت من النشر والتداول في مصر منذ صدورها وذلك حتى وقتٍ قريب. كما يُصنف أدب محفوظ في خانة الأدب الواقعي. ولاحظ الكثير من النقاد العرب والغرب أنه يعد من أكبر الأدباء والمبدعين الذين حولت أعمالهم إلى السينما والتلفزيون.