«ماء العين» لمريم جعبور: شبح التطرف يخيم على قرية تونسية

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

برلين ـ «القدس العربي»: في تونس، تغدو قرية صغيرة بالقرب من البحر مسرحا للكثير من الأحداث الكابوسية الغريبة، التي يختلط فيها الواقع بالمتخيل، الذي يقض المضاجع.. هذه القرية هي الأرض التي تدور فيها أحداث فيلم «ماء العين» للمخرجة التونسية/الكندية مريم جعبر، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين في دورته الرابعة والسبعين (١٥ إلى ٢٥ فبراير/شباط).
تبدأ أحداث الفيلم بالخوف المسيطر على قلب عائشة (صالحة النصراوي) وهي أم لثلاثة أبناء، ذهب اثنان منهما، وهما مهدي وأمين، للقتال مع داعش، ولم يبق معها إلا ابنها الصغير آدم. الأم تراودها الكوابيس دوما عن مصير ابنيها، وترجو عودتهما، رغم ما قد يكونا اقترفاه من جرائم.
تبدو أسرة عائشة وزوجها إبراهيم، الذي يرعى الأغنام، كما لو أنها أصابتها لعنة، أو تعيش وسط كابوس لا ينتهي. أجواء منقبضة، حتى ساحل البحر القريب بتلاله وكثبانه الرملية وصخوره يبدو مخيفا منذرا بالشر رغم جماله. بيت عائشة ليس البيت الوحيد الذي يعيش هذا الكابوس، إذ تزورها إحدى الجارات باكية متوسلة أن تقرأ لها الطالع في فنجان قهوتها، لعلها تتلمس بعض أخبار ابنها الذي غادر هو أيضا للانضمام إلى داعش.
«ماء العين» هو الفيلم الروائي الطويل الأول لجعبر، التي تبدي تمكنا كبيرا من صنعتها وأدواتها، وهي تختار لفيلمها أن يجمع بين الواقع والمتخيل، أو بين الواقع وما يدور في العقل الباطن لهذه الأسرة الصغيرة، فالواقع بمفرده لا يمكنه أن يصور مدى العذاب النفسي الذي تعيشه تلك الأسرة.
وفجأة يعود الابن الاكبر، مهدي، بعد غياب أعوام مع داعش. يعود تاركا خلفه شقيقه الأصغر، ومصطحبا امرأة متشحة دوما بالسواد ولا يظهر من نقابها الأسود إلا عينيها الزرقاوين العميقتين، اللتان تبدوان خائفتين ومخيفتين في آن. لهذه المرأة، الصامتة دوما والتي لا تخلع نقابها قط، وجود أثيري أو ربما شبحي أو طيفي، حتى أننا نتساءل إن كانت حقا موجودة ملموسة.

وعلى عكس المتوقع، لا يصبح الابن المهشم نفسيا الباكي العائد من داعش هو محور الأحداث، بل يصبح محور الأحداث تلك المرأة صاحبة العينين الزرقاوين المتشحة بالسواد، والأم عائشة. كما هو الحال في فيلم «بنات ألفة» للمخرجة التونسية أيضا كوثر بن هنية، تفتش المخرجة هنا في «ماء العين» عن الذنب الجماعي المجتمعي، عن السبب في تطرف الأختين في «بنات ألفة» وعن تطرف الشقيقين في ماء العين.
يلقي الأب اللوم على الأم لتدليلها الزائد للابنين، وتلقي الأم باللوم على الأب لصرامته الزائدة ولتحميله للأبناء من العمل أكثر مما يحتملون. أو ربما يكون السبب هو ظروف البلاد بأسرها، حيث تدفع قسوة العيش والبطالة الأبناء الواحد تلو الآخر إما صوب البحر للفرار إلى إيطاليا وأوروبا، كما نسمع من أم أحد الشباب الغائبين في الفيلم، أو إلى أحضان التطرف وداعش.
العار والذنب هما الشعور المسيطر على أسرة عائشة وإبراهيم. إنها أسرة عليها أن تتعامل مع حقيقة أن ابنها سفك الدماء وقطع الرقاب، لكن عائشة أم أيضا يتنازعها حب ابنها رغم ما ارتكبه من فظائع. لا يكشف مهدي، المرتعد الباكي المتألم دوما، عما قام به في سوريا، ولا نستشف إلا في لمحات قليلة ما حدث لريم، زوجته. كل ما نعلمه عنها هو أنها سورية غير مسلمة نكلت بها داعش أشد تنكيل وعذبتها أشد العذاب، وأنها هي التي أنقذت مهدي، وأنها تصر على أن ترتدي النقاب والسواد.
هذه الملامح الخاطفة عن ريم تجعلنا نتساءل إن كان وجودها في تونس أمرا حقيقيا أم متخيلا. هل قُتلت ريم على يد داعش حقا وما عاد إلى تونس سوى شبحها أو شعور مهدي بالذنب، لأنه شارك في تعذيبها حتى الموت؟ هل هي ضمير تلك القرية المعذب؟ هل هي عذاب سُلط على هذه القرية انتقاما لمن قتلتهم داعش بلا ذنب؟ لا يجيب الفيلم على هذه التساؤلات ويترك لنا الباب مفتوحا لإيجاد تفسير.
هذا الشعور الطاغي بالذنب والعار يسيطر على الفيلم بأسره. وتدور أغلب أحداثه في داخل منزل عائشة، خافت الإضاءة، الذي تسكنه الكوابيس، والكثير من مشاهد الفيلم لقطات مقربة لوجه عائشة أو إبراهيم أو مهدي، وجميعها وجوه حزينة متألمة. تأتي لحظات الابتسام الوجيزة، حين يذهب آدم، الأخ الأصغر، للعب، لكن وجهه سريعا ما يكسوه الوجوم حين يردد ما قاله أصحابه له عن أن شقيقه إرهابي.
بعد عودة مهدي وريم يتخذ الفيلم بعض سمات أفلام الرعب.. حيوانات تقتل بطريقة مريبة.. شبح متشح بالسواد يجوب طرقات القرية ليلا.. اختفاء العديد من رجال القرية بلا أثر. ونرى هذا تحولا مبررا بل ضروريا، فهل هناك ما يشعر بالرعب أكثر من عودة متطرف مارس التعذيب وقطع رقاب الأبرياء مصطحبا معه إحدى ضحاياه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية