محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: افردت وسائل الاعلام المغربية حيزا لقراءة ‘مائة يوم’ من عمر حكومة عبد الاله بن كيران التي لا زالت تسير الشأن العام بالنوايا لان ميزانيتها لا زالت تناقش في البرلمان وبالتالي يصعب تقييم اداءها الا في اطار النوايا والمحاسبة على التصريحات الصحافية والاجراءات التي لا يترتب عليها التزامات مالية.
ورغم ان حكومة بن كيران تتكون من اربعة احزاب تختلف مرجعياتها وتتناقض بالحسابات التقليدية لتصنيف الاحزاب، فانها تحمل طابعا اسلاميا بحكم ان الحزب الرئيسي، حزب العدالة والتنمية الذي يقوده بن كيران، يتبنى المرجعية الاسلامية، ويتم التعاطي معها على هذا الاساس وتسمى ‘الحكومة الملتحية’ واحيانا ‘النصف الملتحية’. وكلف العاهل المغربي الملك محمد السادس، بعد اعلان نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الثاني/ نوفمبر، عبد الاله بن كيران زعيم حزب العدالة والتنمية بتشكيل الحكومة وفي بداية كانون الثاني/يناير نصب العاهل المغربي الحكومة التي تكونت من حزب بن كيران ومعه حزب الاستقلال والحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية وشخصيات اختارها القصر ونالت ثقة البرلمان على برنامج ائتلافي ينفذ بميزانية لم تقر بعد.
تقييم الـ100 يوم لحكومة بن كيران، وان كان على خلفية مرجعية الحزب الرئيسي الذي يقودها ونواياه التي اعلنها ابان الحملة الانتخابية او في البرنامج الحكومي، الا ان هذا التقييم ارتكز على سلسلة اجراءات اعلن عنها وزراء واثارت نقاشات واسعة لا زالت مستمرة. ونجحت الحكومة في بث امال بمحاربة الفساد وترشيد النفقات العمومية والنهوض بالحكامة وتواضع الوزراء وكل ذلك صادف نشر تقارير المجلس الاعلى للحسابات التي بينت الخلل في تدبير المؤسسات العمومية ان كان في التبذير او هدر المال العام.
الا ان ما استحوذ على الاهتمام، ولقي ارتياحا واسعا، نشر وزير النقل والتجهيز عبد العزيز رباح للائحة المستفيدين من رخص نقل الحافلات بين المدن والتي تاخذ شكلا من اشكال الريع السياسي ومعها نشر مصطفى الخلفي وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة لائحة الدعم العمومي الممنوح للصحافة المكتوبة ونشرت بسيمة الحقاوي وزيرة الاسرة والتضامن لائحة الجمعيات المستفيدة من ميزانية الوزارة الى جانب لائحة منظمات المجتمع المدني التي تتلقى دعم الدولة.
لكن هذه الاجراءات ومعها اطلاق سراح بعض معتقلي السلفية الجهادية ترافقت مع تصريحات واجراءات اخرى اثارت نقاشا واسعا وتباينا في الاراء مثل تلك المتعلقة بالمهرجانات او قضايا المراة او بث اذان الصلاة او منع الاشهار لالعاب الرهان وقضايا المرأة وتزويج القاصرات.
ويقول تقرير لوكالة الانباء المغربية الرسمية ان حكومة بن كيران ما ان اجتازت مخاض تشكلها بعد تحالفات بدت للوهلة الأولى صعبة التحقق حتى وجدت هذه الحكومة نفسها أمام مخاض آخر يحتسب بعد مرور مئة يوم على تنصيبها وهو العرف الذي يضع الحكومات عامة تحت مجهر التقييم استنادا إلى ما وعدت بتطبيقه وفق مضامين برنامجها الحكومي.
وقالت ان الأمر يعد طبيعيا أن تواجه الحكومة الحالية مثل هذا الاستحقاق باعتبارها أول حكومة مغربية ذات مرجعية إسلامية حظيت حسب المتتبعين للشأن السياسي بأكبر رصيد من الشعبية وجاءت في سياق ‘الربيع العربي’ الذي تمخضت عنه حكومات لم تكن لترى النور لولا حدوث ‘ثورات’ شعبية من أجل التغيير.
ويقول الشاوي بلعسال رئيس الفريق الدستوري بمجلس النواب أن ‘الأداء الحكومي يشوبه ارتباك واضح’ تعكسه طريقة وضع القانون المالي معتبرا أنه بدل أن تأتي الحكومة بتعديل على مشروع القانون المالي المودع في البرلمان قررت سحبه وبعد أكثر من شهر ونصف تأتي بنفس المشروع والفرضيات والتصورات في حين أن الظرفية لم تعد هي نفسها.
وقال أن حزب العدالة والتنمية كان يتحدث في برنامجه الانتخابي عن معدل نمو يبلغ 7 بالمائة ليأتي البرنامج الحكومي بمعدل جديد حدد في 5,5 بالمائة بل أكثر من ذلك ‘لم يكن هو نفسه المسطر في مشروع قانون المالية الذي لم يتجاوز فيه هذا المعدل 4,2 بالمائة’ وأن ما ينطبق على معدل النمو يسري أيضا على مؤشرات أخرى كعجز الميزانية وغيرها من الفرضيات التي لم تأخذ بعين الاعتبار صعوبة الظرفية الاقتصادية الوطنية والدولية.
واعتبرت فتيحة العيادي النائبة عن حزب الأصالة والمعاصرة أن ‘فترة المائة يوم الأولى من عمل الحكومة ما هي إلا مائة يوم من الارتجالية وعدم المهنية في تنزيل مضامين البرنامج الحكومي’ التي اختزلتها في مجرد ‘إعلانات للنوايا’ واعتبرتها ‘أكثر شعبوية’ منها لفائدة المواطن المغربي كما رأت أن التوقعات التي اعتمدتها الحكومة في تسطير برنامجها بعيدة عن الواقعية وأن معظم الإجراءات التي تضمنها هذا البرنامج ليست بالشيء الجديد بل هي تراكمات للحكومات السابقة من قبيل الدعوة إلى إصلاح صندوق المقاصة وبلورة فكرة المجلس الوطني للصحافة ونظام المساعدة الطبية (راميد) مشيرة إلى أن المغرب نتيجة التأخر في المصادقة على قانون المالية يعيش ‘سنة مالية بيضاء’. رشيدة بن مسعود النائبة البرلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا ترى في البرنامج الحكومي ‘سوى استمرارية للبرامج السابقة’ مؤاخذة على حزب العدالة والتنمية عدم وفائه ببعض الإجراءات التي سطرها في ‘البرنامج الحكومي الذي يعد خارطة عمل الحكومة’ بينما يحمل قانون المالية كمحدد ثان لتقييم هذا العمل أشياء جديدة من قبيل إحداث بعض الصناديق لكنها تروم فقط معاجلة مشاكل قطاعية.
ورغم أنها سجلت بإيجابية مبادرة وزير التجهيز والنقل نشر لوائح المستفيدين من رخص النقل إلا أنها اعتبرت أن ‘هذا الإجراء لا يدخل في إطار استراتيجية شمولية لمعالجة حقيقية لاقتصاد الريع’ متسائلة إلى أي حد سيلعب خطاب الحكومة الذي وصفته ب’المزدوج’ دورا في النهوض بأدائها واسترجاع الثقة في العمل السياسي وضمان استقرار وأمن المواطن المغربي.
يرى عبد العزيز عماري رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب أن أهم شيء حققته الحكومة الجديدة في بداية تجربتها هو الانتقال الديمقراطي السلس الذي جعل المغرب يقدم نموذجا خاصا يجمع بين الإصلاحات العميقة وبين الاستقرار في مناخ دولي يعرف الكثير من التحولات ويكاد ينعدم فيه الاستقرار.
وقال أن هذه ‘الحكومة برصيدها الشعبي تضمن استقرارا مؤسساتيا’ من شأنه أن يساعد على استكمال أوراش الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل انتظارات المواطن المغربي في قلب السياسات العمومية.
وقال إن ما نسجله منذ التنصيب البرلماني للحكومة كونها قدمت برنامجا حكوميا طموحا يسعى إلى التنزيل الديمقراطي للدستور الجديد وتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية تجد صداها في مشروع قانون المالية الذي يعد لبنة من لبنات هذا الإصلاح ومشروعا ‘لعودة الأمل واستعادة الثقة’ ليس لكونه اقترن بالحمولات السياسية واللحظة التاريخية والخطوات الجبارة التي قطعها المغرب على درب التطور الديمقراطي وإنما لأنه من إنتاج حكومة ‘انعقدت عليها آمال فئات عريضة من مكونات المجتمع ومن مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين سواء داخل المغرب أو خارجه’. وأبرز عماري ‘اللمسة الاجتماعية التي أضفتها الحكومة على قانون المالية’ خاصة من خلال إحداث صندوق التماسك الاجتماعي باعتمادات مالية تصل إلى 2 مليار درهم وتعميم نظام المساعدة الصحية والبرنامج الاستعجالي لمواجهة آثار الجفاف بمبلغ 1,5 مليار درهم ورفع الاعتمادات المخصصة لتأهيل العالم القروي والمناطق الجبلية إلى 20 مليار درهم والزيادة في منحة الطلبة التي لم تتغير منذ أكثر من 30 سنة وإعفاء الأسر التي تستهلك أقل من 200 واط في الساعة من الكهرباء من ‘رسم النهوض بالقطاع السمعي البصري’ ودعم قطاع التعليم ب 51 مليار درهم وزيادة الاستثمار العمومي بمبلغ 21 مليار درهم مقارنة مع سنة 2011. ويعتقد محمد مبديع رئيس فريق الحركة الشعبية بمجلس النواب أن أداء الحكومة استثنائي في بدايته على اعتبار أن الرؤية التي جاءت بها والتي تعكسها مضامين البرنامج الحكومي لا يمكن تفعيلها في غياب قانون المالية مما يسمح برأيه بالقول إنها في مرحلة للتأسيس تخوضها وفق منهجية جيدة ستعطي ثمارها بعد المصادقة على قانون المالية وأجرأة باقي القوانين التي تؤثث للمنظور الجديد للحكومة.
وأضاف أن البرنامج الحكومي يتضمن مبادرات وإجراءات تكشف إرادة الحكومة في التغيير والنهوض بالحكامة الجيدة ومكافحة اقتصاد الريع والاهتمام بالفئات الفقيرة مؤكدا أن الحكومة ماضية بخطى ثابتة نحو النجاح.
من جهته عبر الحزب الاشتراكي الموحد عن رفضه المطلق ل’مظاهر الإرهاب والترهيب التي مارستها بعض القوى الأصولية ‘بشرطة أخلاق’ خارج القانون ومؤسسات الدولة’، مُلِحاً في الوقت ذاته على التأكيد على حرية التعبير والحريات العامة والخاصة.
ونبه المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد إلى ‘خطورة الوضع الاجتماعي الذي يعبر عنه ارتفاع وثائر الاحتجاجات الشعبية التي ما زالت الدولة تعالجها بمقاربة أمنية عقيمة ما فتئت تتعاظم في العديد من المناطق’، منددا في الوقت نفسه بـ ‘النهج القمعي والتعسفي الذي طال التحركات الشعبية الجماهيرية والطلابية والسكنية’. وقال أن البرنامج الحكومي والقانون المالي لسنة 2012 بتعميق بارز للنفس التراجعي، والالتفاف المفضوح على الإصلاحات الحقيقية التي تؤمن للجماهير الشعبية العيش الكريم، باعتماد الحكومة إجراءات تقنية ومبادرات معزولة وتصريحات للتسويق الإعلامي تخدم منطق وسياسة الواجهة واتسام السياسة المالية للدولة بالترددات والارتباك في الإعلان عن نسب النمو الوطني وتضارب الأرقام المعلنة، ما ينم عن الأزمة المالية الحتمية، بعيدا عن الإجراءات المطلوبة لإقرار العدل الاجتماعي وخدمة التنمية الشاملة’ مؤكدا ‘على الحق المشروع والكامل للشعب المغربي في الاطلاع بشفافية على كافة التقارير التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات مع ضرورة تعزيز مبدأ عدم الإفلات من العقاب بالمتابعة القضائية والمحاسبة العادلة’. ودعا المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد أعضاءه إلى الاستمرار في المشاركة في احتجاجات حركة 20 فبراير المطالبة بإسقاط الاستبداد والفساد وبالتوزيع العادل للثروة الوطنية وبتوفير شروط العيش الكريم، مُديناً المضايقات والاعتقالات التي طالت نشطاء الحركة بالرجوع إلى ‘الآليات والأدوات والأساليب العتيقة للقمع المخزني’.