لطيفة اغبارية وأخيرا، ها نحن نستمتع بأشعة الشمس الذهبية، ونستدفئ بحرارتها، بعد أن تخلّصنا من عاصفة ثلجية هوجاء دفعها جنونها لاجتياح واختراق الشريان الشامي الممتدّ في أربع دول متجاورة فحوّلت نهاراته ولياليه إلى أيّامٍ صقيعية متجمّدة، في منطقة ملتهبة لا تستكين أحداثها الساخنة، ولا تعرفُ الراحة. إنّه جنون العاصفة والطبيعة التي لا تحدّها جغرافية ولا حواجز أو جوازات سفر، تأتي فلا تستطيع التنبؤ بحجم ما ستحدثه من دمار وتخريب. فالعاصفة والسيول ليس لهما دين أو وطن، حتّى لو اختلف اسمهما ‘ساندي’ أو ‘فتحية’ وهو الاسم الذي أطلقه الأردنيّون لوصف المنخفض الجوي الذي أصاب المملكة وبلاد الشام مؤخرا. ‘فتحية’ التي باغتت الجميع ببطشها اقتلعت كلّ مَن مرّ بطريقها مِن بشر وشجر وحجر وأعمدة كهربائية، ولافتات دعائية، وإذا ما اشتدّت مع هطول الأمطار أوقعت الكوارث الكبرى. أمّا قصتي مع ‘فتحية’ فقد بدأت يوم ‘الطوفان’ من الأسبوع الماضي، عندما كنت للتّو قد بدأتُ في قياس فستان من إحدى المحلات الفلسطينية التي داهمتها العواصف والسيول الجارفة، فرّن هاتفي كالرعد، وجاء صوت والدتي معاتبا وقلقا في نفس الوقت، تحثّني على العودة سريعا لأنّ ‘ الطوفان’ قادم لا محالة وسرعان ما وجدتُ نفسي أهرولُ بين الفّارين من هذا السّيل الجارف، الذي سحب معه عربات الشبيبة والباعة الصغار، وما تحويها من جوارب، وحقائب صغيرة برّاقة، ولفّات من علب الخيوط الملّونة، والمسابح، والمظلات الصغيرة الملوّنة. وتساءلت، من أين لي سفينة نوح لتنقذني في هذا اليوم العصيب، فأنا لا أجيد السباحة، ولا شيء يستطيع التصدي لهذا السيل المرافَق بهبوب ‘فتحية’، فإذا كان جنون البشر لا أحد يستطيع إيقافه أحيانا، فكم بالحري إذا كان هذا الجنون هو جنون الطبيعة الذي ثار فوق الأرض وتحتها، وغمر المنازل المنخفضة وأتلف كلّ ما فيها، فيما صعد أهاليها فوق السطوح ينتظرون الفرج.
وهذا حال الفقراء والغلابة قي الكوارث الطبيعية والحروب، فالكثير من العائلات الفلسطينية المتضرّرة هم من الذين لا يملكون ثمن جلن ‘كاز’ للتدفئة أو ربطة خبز يقتاتون بها. أمّا مشرّدو ولاجئو الشعب السوريّ والفلسطيني في الخيام فلا نعرف ما هو مصيرهم في هذه الظروف المأساوية، ولكن يمكن لمن داهمته ‘فتحية’ بكوارثها أو غيرها من المسميّات التخمين وتجسيد بعض من معاناتهم، فهل يأكلون، وأي خبز يقتاتون، وهل ينامون، وما هو نوع المخدة التي يضعون رؤوسهم عليها، هل يتوقون للعودة إلى منازلهم (يا له من سؤال ساذج)، هل يشرب الأطفال الحليب الساخن، وهل يتناولون الأكامول ودواء السّعال؟ تلك تساؤلات كثيرة راودتني أثناء عودتي من رحلة ‘الطوفان’، بعد ‘حصار’ استمر لساعات، نجوت فيه من طريق جبلية والتفافية، انهار جزء من شارعها في نهاية اليوم. لكن السؤال الأكبر الذي طفا على سطح مخيلتي هو هل ‘ فتحية ‘ بزمهريرها وبرياحها العاتية وما رافقها من سيول جارفة أقوى من الرئيس، وكم تستطيع ‘فتحية’ الصمود لو قمنا بمقارنتها بقوة وصمود الرئيس. أثناء عودتي للبيت، وفي الطريق الطويلة الممتدة بين إحدى المستوطنات المرتفعة، غطّى الضباب الكثيف المنطقة، وجرى الماء بغزارة على طرفي الطريق، وحدث تشويش في المحطات الإذاعية، وانقطع الإرسال في الهاتف الخلوي. ولم أعد أفكر في شيء إلا بما سأقنع به والدتي القلقة التي لم أصغِ لنصيحتها في عدم التجوال في هذا اليوم العصيب. لكنّني وجدتُ أن أسلَم طريقة لأنجو من معاتبتها لي هي إلقاء التهمة على ‘فتحية’ نعم إنّها ‘ فتحية’ التي تسبّبت في كل هذه المشاكل، ليس لي وحدي فقط.’فتحية’ التي دمرّت الكثير، وهوَت بلافتات مُرّشحي الانتخابات الأردنية، وجعلتهم يتكبّدون الخسائر الكبيرة. فتحية هي التي حوّلت لبنان من 18 طائفة إلى بلد ‘طايفة’، ‘فتحية هي التي’ غمرت البيوت والخيام، ‘فتحية’ ضربت الاقتصاد المضروب ‘فتحية’ هي التي سبّبت البرد والصقيع. بكل الأحوال، كان لدي متسع من الوقت لجمع أدلتي وبراهيني الكثيرة والمقنعة والموّثقة ضد فتحية، قبل وصولي للبيت لكي أقنع والدتي بأنّ فتحية هي المذنبة، وأنا واحدة من ضحاياها الناجين، فهرعتُ إليها أريها الصور الرهيبة التي خلّفتها ‘فتحية’، وكيف نجوت بأعجوبة من الموت، وردّدتُ ‘الحقّ على فتحية’، نعم لقد دمّرت فتحية مأوى الغلابة والمساكين، وأوقعت العديد من الضحايا، وجمّدت أجسادنا، وشلّت حركتنا ونشاطنا لأسبوع، وألزمتنا الجلوس في المنازل. لكنّها بالمقابل أثبتت لنا أنّها مجرد ريح هزيلة إذا ما قارنّاها بقوّة الرئيس، فهي لم تصمد أسبوعا حتى سكنت وتلاشت. أمّا الرئيس فرغم الرياح العاتية والمؤامرة الكونية ضده، والفقاعات الصابونية التي تحيطه من جميع الجهات، ورغم كلّ الظروف المركّبة والصعبة فهو صامد ثابت لا تحركّه الرياح، منفّذًا بمقولة الرئيس الفلسطيني المرحوم ‘أبو عمّار’ ‘يا جبل ما يهزّك ريح’. فلا ضير من فتحية وكوارثها، في تجميد الشعب، تبريد الشعب، تجويع الشعب، شلّ الشعب، فهي مجرّد عاصفة هوجاء سرعان ما تستسلم، وهي ريح لا تستطيع زحزحة أو هزّ الرئيس الصامد الذي حطّم أعظم نظريات المنجمّين والمتنبئين في سقوطه. فيما بقي الشعب السوريّ هو الضحية وكبش الفداء الوحيد الذي يطارده ألف فرعون، وبلا النبيّ موسى وعصاه السحرية.’ كاتبة وصحافية من ( أم الفحم) فلسطين