خيري منصور
لا أعرف متى ولد مرّة أخرى، فلربما كان توأما لأقدم برق لكنه تأخر بسبب الكسل، والبعض بموتون قليلا وهو منهم، فتلك مجرد قيلولة تنادمه فيها جذور الشجر لا بد ان تعقبها قيامة غزالية بحيث ينتفض الغبار عن قدميه وما علق بخصلات شعره النّاعم ثم يستأنف ما بدأه قبل سبعين عاما هي عمر الحكاية.. ما أقسى ان تحنّ الى ميّت حتى لو كان موته مجرد وعكة، فمحمود درويش ليس شعرا قرأناه عن بعد او بمعزل عن الأصابع التي كتبت والزفير الذي ضمّخ الكلمات. هكذا اذن تصدق النبوءة سواء لغراب نعق فوق طلل وردد الليل صداه: ما مضى لن يعود، او لشاعر أدرك مبكرا انه مطلوب ميّتا فقط، كي لا يشاغب حضوره الساطع على غيابه، فأمثاله إما ان يتحولوا الى عقبات او الى رافعات ومن رأوا فيه عقبة تمنّوا لو يفتحون التابوت كي يتأكدوا بأنه هو الذي مات ولا احد سواه، ومن رأوا فيه رافعة احسّوا بانكسار في الظَهر، لأنه سند وظهير، وأنبل ما في هذا الموت الرشيق المتعالي عن الشلل والكساح والخريف ان صاحبه لم يخدع به، بل كان يعلفه كطاووس مربوط الى طرف السرير. كان يقول احيانا عن اعراض الموت الجانبية وسيئاته التي تسقط سهوا من حواسيب النقد والمراثي، اننا لن نقرأ ما نكتبه عن بعضنا ونحن هناك، في تلك المساحة الصغيرة التي تصلح مهدا وخندقا وكمينا ايضا، ولفرط ما سخر من الموت دجّنه، ونزع انيابه كما يفعل الحواة بثعابين السّيرك، ففي احدى وداعياته سمّى الموت نذلا وماكرا وعاجزا عن المجابهة لأنه خرج له حاسر الرأس وعاري الجسد موتا لموت، وانتهى بأن اعترف: من انا لأخيّب ظن القدر؟ لكن هذا ليس خاتمة المطاف، فتخييب ظن القدر متاح لمن يفيضون عن مساحة قبورهم ولا تتسع توابيتهم الا لما قرروا ان يخلعوه، كي يتفرّغوا لما ولدوا من أجله وهو السهر على الاحياء في أقاصي موتهم. وقد يكون الثامن من آب هو الثامن ايضا من كل الشهور، لأن غياب هذا الأقرب من الشهيق الى الزفير ليس موسميا ولا يحتاج الى مناسبة تنقذنا من البطالة بحيث نعثر على ما نملأ به مساحة في صحيفة، ولأن لدينا الكثير مما يقال، او ثمة على رف المدفأة خبز يكفي مئة عام كما قال ميشيل بوتور، لهذا فكل كتابة تصبح مؤجّلة ازاء هذا النزيف من الذاكرة الملتاعة، لعلّنا نقترب اكثر اذا ما اصبح الورق الأبيض المحايد اجدر بالائتمان على الشَجَن من اية آذان بشرية!* * * * * * *كنت على وشك اصدار كتاب مكرّس من ألفه الى يائه ومن ميمه الى شينه عن محمود هذا الصيف، ولم يكن التأجيل خشية من اي تقويل او تأويل، بل لأنني ما ازال اتدرب على شجاعة تليق بما سمعت وقرأت وشاهدت، ففي الشهور الاولى التي اعقبت نومه المباغت همست بأذن رسالة كتبها لي بخطّه: لن اطرق باب قبرك قبل أن يفرغوا منك معا… الطّفيليون والدّودة العمياء! والآن اوشك ان ينظف تماما من الاثنين لهذا قررت الاقتراب.* * * * * * *لكأنه محمود آخر ذلك الذي يعاد انتاجه انسانيا رغم التخوف من التحرّش به شعريا، فالرجل لم يكن ينعم بهذا العدد من الاصدقاء والصديقات ولو صدّقنا ما قيل حتى الان فإن الرجل ما كان ليكتب حرفا لأنه موزع بالتساوي بين مئات الاصدقاء، فمن لم يشم رائحة قهوته قال انه صنعها له بنفسه، وكان الاستيلاء مزدوجا لأن من قالوا ذلك استخدموا صفحات حميمة من ذاكرة للنسيان، كان فيها للحُبيبات البنفسجية الطافية على سطح الفنجان الأبيض دور البطولة في عالم لا يعترف الا ببطولة الدم.
كان محمود يخشى العناية بالطائر وتمشيط جناحيه وربط عنقه بسلسلة من ذهب، وذلك لكي يكسر البيض في عشّه، والبيض هو القصائد التي تزداد هجرانا لدى نقد احتفائي يعوّض نقصانه المزمن ابداعيا بإنشاء يتغذّى على دم تلك القصائد بحجة انه يكتب عنها، وكم كان الأجدى ان ينال ابداع المحتفى به اهتماما موازيا على الاقل لطقوس الاحتفاء، واستثمار الموت لترميم نرجسيات متآكلة، فما من مهنة اسمها صديق محمود درويش، لكن هذه المهنة ابتكرت في أيامنا وتغذّت على فائض محبتنا والتياعنا على الشاعر فكان التسامح ولو الى حين.* * * * * * * *كان اقصر حوار دار بيننا عندما كنا اربعة، اثنان يجلسان على مقعدين متجاورين في صالة بيته، واثنان تتحرك ايديهما على صفحة المرآة الدمشقية ذات الاطار الفضي. بدأ الحوار عن رواية ‘رباعية الاسكندرية’ لداريل التي عشقها وكان يخاف منها لاسباب جمالية غامضة، فالراوي اهتدى الى الرباعية لأن جوستين كانت تجرب فستانا في محل تجاري، داخل غرفة مغطاة جدرانها بالمرايا، وفجأة وجد الراوي ان هناك اربع جوستينات، تلك بداية الرؤية، اما الحكاية فقد اخترقت الجدران والمرايا لتكون سايكولوجية وسادية بامتياز رباعي.
وانتهى الحوار القصير قياسا الى حوارات الساعات الطويلة بعتاب رقيق وساخر… فقد كتب لي في اهداء ‘اثر الفراشة”: الى خيري هبة الطبيعة، فأهديته كتابا كان قد صدر للتو عن دار الهلال بعبارة ‘الى محمود هبة التاريخ’، كان عتابه الحميم هو ان الطبيعة ابقى من التاريخ، فقلت له: هذه ليست المرة الاولى التي افشل ان اكون اكرم منك وأسخى!
سيبقى محمود في السابعة والستين الى الابد كما اشتهى، فقد خشي من الستين وهو يطرق ابوابها وكان يقول لا يزعجني في هذا السن شيء اكثر من استخدام رقم ستين في الشتائم العربية، وكأنه رقم فلكي رغم ان السبعين اكثر منه، وحين بلغ سميح القاسم الستين قال له انت تجرني اليها، فبضعة اعوام هي مجرد اسبوع او اقل بمقياس ايامنا الرتيبة.
لا اذكر عدد المرات التي كرر فيها محمود: لن يشهدوا خريفي… لكن واو الجماعة هذه تبقى مبهمة وبحاجة الى تفكيك، وبالفعل لم يشهدوا خريفه، فقد قفز مرّتين على الاقل برشاقة نَوْرَس، مرة من بيروت الى حيفا في احمد الزعتر عندما ضاع حصانه في طريق المطار، ومرة من هيوستن الى ربوة في رام الله محروسة بقصائده وحدها. وقد يكون الثامن من كل الشهور ما يعيد المناسبة الى حجمها في التقاويم فهو جرّب ان يموت قليلا، ولعله ردّد في الطريق قبل سقوط الحصان عن القصيدة ما قاله لماجد ابو شرار:
يا ليت لي قلبكلأموت حين اموت!