مادة البولونيوم… واغتيال ياسر عرفات

حجم الخط
0

د. ناصر عبد الرحمن الفرا وفاة المرحوم ياسر عرفات منذ ثماني سنوات هي أحد أهم الألغاز السياسية المحلية والعالمية التي لم تفكك كافة اسراره. ما نشرته بالأمس وما يمكن أن تستمر في نشره قناة الجزيرة من تحاليل وتقارير طبية اثبت علمياً بأن أبو عمار اغتيل عن طريق استنشاق سم كيميائي مركب من مادة ‘البولونيوم’ الفتاك. حسب خبراء الفيزياء النووية، ذرة من هذه المادة كافية لتنهي حياة كم هائل من البشر. رغم أهمية النتائج التي توصل اليها الطاقم الطبي السويسري في شأن وفاة أبو عمار، ما لا يمكن اغفاله في هذه اللحظة هو أن معظم ابناء الشعب الفلسطيني كانوا على يقين بأن وفاة ياسر عرفات لم تكن بتاتاً طبيعية، بل ناتجة عن عملية اغتيال واضحة المعالم والأسباب. لقد كان ومازال الشعب الفلسطيني على فطنة بهوية الجاني. بالنسبة لكل مواطن فلسطيني وعربي، المتهم الافتراضي في عملية اغتيال ياسر عرفات اسمة إسرائيل. لقد توعدت كافة القيادات الإسرائيلية علنياً وبكل عجرفة بتصفية أبو عمار، لذلك لم يكن غريباً أو مستغربا أن تنفذ وعدها، وقت حانت الظروف السياسية الموضعية المناسبة للقيام بمثل هذه الجريمة. بعد أن عجزت ولسنوات طويلة على تجاوزه سياسياً، رغم كل المحاولات والدعم التي تلقته في ذلك من قبل قوي عالمية، اقليمية ومحلية، فأنها أنجزت ما أصرت دائماً على تنفيذه، تصفيته جسدياً، معتقدة بأنها بذلك تكسر أو تحدث خلل في العزيمة والإرادة الوطنية الفلسطينية التي كان يجسدها.

المتمعن في ملامح المرحوم أبو عمار وهو متوجه للطائرة التي حملته لفرنسا لتلقي العلاج يلاحظ فوراً بأن هذه الملامح ليست هي التي تنتاب الأنسان العادي حال قرب وفاته. كان هنالك شيء غريباً ولافتاً للانتباه في هذه الملامح. الشكل، اللون، البشرة، الحركات، كلها كانت تدل على أن آمر ما غريب يحدث. بل يمكن القول، أن كان هذا القول منطقياً، بأن ملامح ياسر عرفات قبل وفاته لم تكن تلك الملامح التي تنتاب العجوز الفلسطيني حال قرب وفاته. ما هو لافت للانتباه كذلك هي القبلات الأخيرة التي ارسلها المرحوم لكافة الشعب الفلسطيني قبل دخوله الطائرة التي اقلته متوجهاً للمستشفى العسكري الفرنسي. على الرغم من أن أحد أشهر عادات المرحوم هو تقبيل كل من يلاقيه، فبدون شك هو أن ‘التبويسات’ الأخيرة كانت من نوع اخر وذو مغزى خاص، كما وكأنه على علم، وكنا جميعاً على يقين بأنها قبلة الوداع، قبلة بلا حضن، قبلة باردة، قبلة اللاعودة، قبلة الموت. ما أحزن معظم أبناء الشعب الفلسطيني، بل والعربي، هو أنه على الرغم من كون أبو عمار أحد أهم أبرز الشخصيات السياسية الوطنية العربية خلال القرن الماضي، فان سر ومعرفة اسباب هذه الوفاة غير العادية لم يعط لها من الأهمية الكافية من قبل القيادات العربية عامة والفلسطينية خاصة. فقط اكتفت هذه القيادات بالتلميح احياناً وبالتصريح الملتوي حيناً أخر بأن وفاة أبو عمار لم تكن ناتجة عن أسباب طبيعية واضحة. أسباب سياسية، نتكهن بها جميعاً، كانت وراء الاكتفاء وأخذ موقف متردد وغامض فيما يتعلق بوفاة أبو عمار. نفس هذه الاسباب منعت القيادات الفلسطينية والعربية من المطالبة بفتح تحقيق محلي ودولي حازم يكشف كافة ملابسات هذه القضية الهامة. بشكل جدي، لم توجه القيادات العربية والفلسطينية طلبا رسميا للحكومة الفرنسية لتقديم تقرير نهائي لها وللشعب الفلسطيني والعربي عامة يوضح ويكشف الاسباب الحقيقية لوفاة ابو عمار، رغم كون ذلك حقا قانونيا مكفولا في معظم التشريعات الحديثة.

فقط كانت تسرب تقارير طبية مبهمة وغير مفهومة، علماً بأن فرنسا على درجة عالية من التطور والتفوق في كافة ما يتعلق بالمجالات الطبية، المدنية منها والعسكرية. مع ذلك، لم يقدم تقرير رسمي شامل، مقنع ونهائي. حسابات سياسية منعت ذلك. لقد فضلت حكومة شيراك الصمت في هذا الآمر حتى لا تعكر جو العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية، كما وكأن هذه العلاقات لم تكن معكرة دائماً بسبب عنف السياسية العدوانية الإسرائيلية. قد أخطأت فرنسا في هذا الامر. بل لقد تجاوزت حكومتها في حينه أحد أهم مبادئها الدستورية، الشفافية. وتصرفت بهذا الشكل بدون أن تضع حتى في الاعتبار أن نسبة هائلة من شعبها كان يُكن لشخصية أبو عمار تقدير ومودة من نوع خاص، وذلك رغم كل محاولات التشوية التي كان يتعرض لها في بعض وسائل الإعلام المحلية والعالمية، خاصة بعد رفضه التنازل عند الثوابت الوطنية. ما دام لم يثبت علمياً وقانونياً عكس ذلك، سيبقى المتهم سياسياً واخلاقياً عن وفاة ياسر عرفات إسرائيل. اليس حكومتها هي من حاولت جعل أخر أيام حياة أبو عمار جحيما. ألم تغلق هي عليه الجدران وحاصرته بالدبابات والعسكر. حال ثبوت فعلياً مرتكب الجريمة، على المؤسسات الفلسطينية والعربية والإسلامية العمل بكافة مقدراتها من أجل إجلاس الجاني امام المحاكم الدولية. نحن على يقين بأن معاير السلوك السياسي العالمي غير ثابتة وقابلة للتغير. لكن بلا شك، يمكن للشعب وللقيادة الفلسطينية والعربية أن تفرض سلوكا دوليا مشابها لذلك السلوك الذي اتبع فور اغتيال رفيق الحريري، خاصة وأن معالم وأسباب اغتيال أبو عمار اكثر وضوحاً ودقة. إثبات التهمة رسمياً وتسمية الجاني وتقديمه للمحاكم يصبان مباشرة في صالح القضية الفلسطينية. كل هذا يعتمد اساساً على تصميم وإرادة السياسي الفلسطيني خاصة والعربي عامة. كل مواطن يريد معرفة الحقيقة والعمل على محاسبة الجاني، ويعتقد بأن الساكت عن الحق يكون احياناً أكثر من شيطاناً أخرس.

يجب رفع درجة نبرة ووتيرة الاتهامات فيما يتعلق بعملية اغتيال ‘الختيار’، وعدم ربط ذلك، كما كان دائماً، بحسابات سياسية متعلقة بالعلاقات أو بالمفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية. عدم متابعة هذه القضية هي جرم في حق نضال الشعب الفلسطيني والأمة العربية، بل وجرم بحق الشعوب التي وقفت بصدق وثبات بجانب القضية الفلسطينية وضد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم. ما أظهرته قناة الجزيرة بالأمس هو سابقة صحافية عالمية من الدرجة الأولي. لقد كشفت هذه القناة بمساعدة التحاليل العلمية المختبرية ‘آلة القتل’. حسب خبراء البحث الجنائي، التعرف على آلة القتل هو جزء أساسي لا غنى عنه لمعرفة اسلوب وهوية القاتل، وكلاهما ادوات ودلائل قانونية هامة ومن الدرجة المميزة للحكم على الجاني، فيما بعد، امام المحاكم المختصة في ذلك. استمرار التحقيق وضرورة سرعة أنجاحه بكل الوسائل واجب مفروض على كل مسؤول. يجب المساندة في ذلك تقديراً لذاكرة وروح أبو عمار وقضيته، ولكشف الحقيقة الكاملة. الكل على يقين بأن المرحوم اغتيل بمادة سامة وبأيد حاقدة، وأن وفاته لم تكن ناتجة فقط عن إرادة الهية بحتة. ما اكتشفه الآن وعرفه هذا الشعب من خلال التحقيق الصحافي الحصري لقناة الجزيرة هو أن المادة القاتلة تسمى ‘البولونيوم’، وهي مادة كيميائية سامة اكتشفتها القرن الماضي الباحثة البولندية المدعوة ‘ماري كوري’. سبحان الله، شاء القدر وداول الأيام بين الناس. لقد اكتشفت اسرائيل فتاكة المادة السامة التي فيما بعد استعملت لاغتيال أحد أهم القادة المعاصرين الذين دافعوا بعزم عن أرضها ومقدساتها. كم تمنت لو استعملت هذه القيادة استعمال نفس المادة ليس فقط لقتل أبو عمار وإنما كافة شعبه، لتكون فلسطين حكراً لهم، لكن هذا الشعب باق في أرضه وهم الزائلون.’ كاتب فلسطيني يقيم في اسبانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية