ماذا أفعل ؟ أكتب بكثافة!
نصر جميل شعثماذا أفعل ؟ أكتب بكثافة!ذات يوم، عندما سئلتُ : ماذا أفعل ؟ في عزلتي، أجبتُ: (أنا أكتبُ ـ الآنَ ـ بكثافة). إنه بالإمكان التصرّف في هذه الإجابة علي النحو الذي لا يجعل ممكناً التلاعب في البنية، فلا يمكن أمام هذا التوصيل الحيّ تحريك يد التأويل، بغية إحداث أيّ انقطاع. الإجابة واضحة، وجلية، حد أنها تعليمية وميتافيزيقية، علي أكثر من وجه. وكما لو أنّ العبارة مثالٌ يتلقاه تلميذ في مرحلته الأساسية، عن الضمائر وأنواعها. وكما لو أن تلميذاً يتدرّب علي كتابة (أنا) ؛ علي شكل أعمدة تبدو، في الصفحة، منظمةً ورائعة. ولو قيّض للتلميذ أن يكون له زميلٌ تفكيكي، لما راقت للزميل هذه الأعمدة المنظمة والرائعة. لكنّ عبور التأمل علي البنية الشفافة لا يقف بثقله في المرحلة الأساسية، كأستاذ فلسفة الماني. هذا إذا علمنا أنّ التلقين شكل من أشكال تعلّم العلم والدين، الذي يُجهز علي التأمّل في كلّ مراحل التعلّم. وتجاوزاً لمسائل التعلّم والتلقّي، ولأبعاد العناية بتكرار تدوين الأنا كأساس للمعرفة، أو تردادها علي نحو نرجسي، فإنّ عبور التأملِ علي بنية الإجابة، يكشف عن عمقٍ، ليس لمدّ يد التأويل فيه، وإنما لجعل الاقتصاد هو الميزة التي تنقذ الإجابة من التضخّم. لذا، فبالإمكان ادخار (أنا) في (أكتب). ولو أننا قلنا إفراغها لبدا لنا التصوّر كما لو أن شكلاً من أشكال الهندسة، رُسم، علي نحو مثاليّ، ولكن علي التراب. إنّ ادخار (أنا)، يعني في الوقت ذاته، استثمار العمق، أي تأسيس الكينونة في الكتابة. إنّ الحديث عن العمقِ، هو من قبيل استعارة الفلسفة، إذا ما تم إبدال الادخار بالاختزال، في هذه الحالة. إنني إذ أختزل (أنا) أو أفرغها في (أكتب) أحسم ذلك بالقول : إن الكينونة سابقة علي الكتابة، ولكنها لا تكون إلا مع الكتابة. هذا الشيء ليس هو الرفع، أو الحفظ. إنّ ذلك المصير الحاصل للـ(أنا) لا يشير إلي العملية الفلسفية : المختلف في المؤتلف، بقدر ما هو لا اختلاف علي إيداع الأنا في الكتابة. غير أنّ عملية الاختزال، هذه، تنزاح عن كونها إرادةً تقدّمُ الكتابة علي الكلام. إنّ النرجسية تتكلّم في الفعل (أكتب) الحاضر في الإرادة والممتلئ في (الآنَ) ! وهذه الأخيرة زائدة، وحين نقتنع أنها حاضرة في (أكتب)، فينبغي الاستغناء عن ظهورها. إنّ مُساءلة الاقتصاد لبنية العبارة استند، بالأساس، علي اكتشاف العمق بالتأمل الذي يقود، حتي هذه اللحظة، إلي مَسائل تُعدّ جدّ جوهرية داخل الفلسفة، التي تعالج مثل هذه المسائل من منظورات مختلفة. فما دعوناه بالادخار والاستثمار، وأزحناه بالاختزال وتأسيس العمق، أي ملئه، تدعوه فلسفات راسخة مرّة بـ النفي بمعني: المحو ، ومرة بـ قيد الشطب ، ومرّة بـ الانسحاب أو التخفي . النفي ، أو المحو ، ليس هو قيد الشطب . فالأول من صميم أعمال الفينومينولوجي هوسرل الشكاك الذي لا يؤمن، أساساً، بوجود الأِشياء والعقول، العالم الخارجي، إلا استناداً لوعيه الإرادي، الداخلي، هذا ما يدعونا إلي أن نفهم بأن الشك والمحو والنفي، لدي هذا الاستدلالي العقلي، أبعد ما يكون عن الحسي، التجريبي. في الأخير يعمل التفكيك بإرادة القوة، فيجعل قيد الشطب كل ما يشير إلي ميتافيزيقا الحضور. وعند هايدغر الانسحاب ليس لا شيء، إنه هنا حصول بقدر ما هو احتفاظ بالذات، فما ينسحب يعني أمره الإنسان ويهمه بطريقة جدّ جوهرية. كما يدعوه بشكل أكثر حميمية مما يفعل ذلك أي شيء حاضر يقبض عليه ويستفزه. إن الاستفزاز الواقعي لنا يعتبر دعامة أساسية في بناء الواقع، لكن عملية استفزاز الواقعي للإنسان، يمكنها أن تفصله، بطريقة لا شك أنها ملغزة، عما يعنيه ويقترب منه. فالكينونة (الوجود) ملغزة، لأنها غير قابلة للنفاد، وهي كذلك لأنها تحتفظ دائما بأكثر مما تظهر. ومهما يكن، فإن هذا الحديث يجعل القول: إنّه بقدر ما تتعرض الـ (أنا) لدقة اختلاف المفاهيم السابقة، بقدر ما تستمد وتحتفظ حضورها، وحقّ التعويض والعودة، الآن. وهذه (الآن) تحضر، لا بصفتها المماثلة للفعل (أكتب)، من حيث هي حاضر وتأكيد الكينونة، وإنما من حيث هي اختزال للتماثلات : الوضع الراهن، اللحظة الراهنة، الفترة الحالية، الظرف الواقعي ..، ويجب ألا نفهم وحسب مقولات حق التعويض والعودة، والتماثلات السابقة، فهماً سياسياً، وإن كان هذا الفهم يعني ما تعنيه أنا وجودية، و ذات إبداعية ومفكّرة، تتعرّض ـ الآن ـلابتزاز وقح. وتجاوزاً لما سبق، وبوعي إنساني أكبر، فإنّ (الآن) تمتصّ وتكبت التفاؤلَ، فيما داخلها سلسلة تماثلات واختلافات. تواجه الذات الكلية، الذات البشرية، المحتواة، المتورّطة والمستفزة . إنّ الراهن هو كثاقة النصّ، هو كتلة النص التي تملأ العمق البشريّ. وإذن، فسلسلة التماثلات والاختلافات المختزلة تُحرّض علي عمل عددٍ من التقديمات : الكتابة علي الكلام، الموضوع علي الذات، الحدث علي البنية، الخارج علي الداخل. كلّ تقديم سابقٍ هو تسمية ووصف للحياة. ولو أنّنا ننظر، علي سبيل التقديم، للموت كضرورة تغيير، لما احتجنا، حقّا، كلّ هذه الحياة. الحياة هي أن يفارق وعيك أيّ تصوّر للمفاهيم والمثل والقيم والأخلاق والحقيقة و الحرية. الموت وحده هو النرجسيّ، الحقيقيّ، والثابت العملي الذي يرتبك أمامه الآخر. إنّ الموت يتكلّم ـ الآن ـ بصفته (أنا)، تتوجّه بوعي إراديّ إلي (الآخر)، النحن. وأما (أنا) كذات بشرية، أكتب بكثافة، فيما أنظر للموت بصفته (آخر). كذلك للحياة التي تتلهي باللعب والعدمية وعدم الفهم، السخرية والماسوشية والسادية والتأويل كتخبّط وانتقام. فالتفكيك، إذن، حيّ ومميت. يتعمّد الاختلاق واحتراف إساءة الفهم، وهو منحرف شاذ عن الطبيعة. إن الكتابة منذ وُجدت هي، من أجل التعويض والتوازن، في مواجهة الموت، ولكنها ـ الآن ـ إساءة للحياة، وتماماً، كما تسيء الصحافة للحقيقة. ماذا أفعل ؟ أكتب بكثافة ! أنا إذن، أفكك أناي وآخري، وأوصي بوصفي بالتفكيكي الخالد السعيد! شاعر من فلسطين0