ماذا أقول: إذا راحت أصابعه تلملم اللّيل…
رجاء بكريّةماذا أقول: إذا راحت أصابعه تلملم اللّيل…اعترافبلون الأصفر الّذي لم يسل بعد علي ورقي أسجّل أشواقي الجديدة إليك. أملأ دروب السّحب حكايا، وزوايا النّجوم شكوي أو عناوين عتب. وربّما أملّح كلام الشّتاء العذب أشواقا ووشوشات قبل.أليس ما أكتبه الآن أشواقا جديدة إلي كلّ ما لم أسافر إليه فيك، أو معك؟ لم أصدّق بداية أنّني أعود إلي قتل أشواقي تحت شراشف الحبر الملوّن، ورسم أوراقي تحت شمعات القمر.يا عمرا بلا رقم، يا بحرا بلا لون، يا وجعا بلا عمق، يا سماء بلا بعد، يا إسما يختصر التّسميات. امحيني من دفاتر الغضب، قلت، وانسبيني إلي قبيلة العناق. أَرَجع القلب من وجعه أم رجعت أنت من سفر أوجعك؟ هل يحدث مثلا أن تعشق امرأة رجلا شنق الأشواق بحبال القسوة والهجر. كوي الدّمعة ألف مرّة برصيد البرود العامر في قلبه، وأطلق. طواها بريقه ودسّها جذلا داخل حافظة نقوده، كأنّه يعترف للفعل بالبراءة، ولنفسه بالذّكاء. خلال زمن قياسيّ تعلّم التنصّل من خصل الورد وأطواق الوعد وماء الياسمين. تري لماذا بعد أن هجر العشّاق معابد أرواحهم بقيت مزارا منذورا لحب يهلك المكاحل والكواحل، ومنذورة لسؤالات عصيّة علي الدّمع. ليس لتاءاتها المفتوحة أقفال، وليس لغرائبها مراجع ولا أفواه. أنا الآن من يكتب عنها ولها الحقيقة والضّلال، كي لا تبتعد المسافة وتذهب الأبعاد. ماذا قلت لي، وأنت تملم قِطَع لسانك عن الطاولة؟ أأردت أن تبقي معي بين أرقام السّنة الفائته، وهي تترك مكانها لأرقام سنة جديدة لولا حاجة الطّفل فيك إلي الدّندنة والإنعزال؟بك أذيّل ورقة السّنةبك. بعيني خدّيك. بعَرَق جبهتك، وعِرق نعناع ينبت وأنت تحكي من ريق دفئك. لدفئك ريق، ولريقك نار يعجن الجسد. يحيله إلي مشاعل يحملها الأطفال إلي مدن لم يعرفها تاريخ العشق ولا كتبتها سير العشّاق. كيف نزلت من تلك الغيمة السّابحة كي تورّط امرأة عاقلة وتتركها بعد أن تمضي عالقة بين سماء ثائرة، وأرض زاعقة زرعها الهجس براكين وأشواق؟بك أذيّل ورقة السّنة، بك أيضا أعنون بطاقتي إلي النوارس والغربان، إلي الزّواحف والقوارض. إلي بقل الشّتاء الّذي ينبت هذه الأيّام في الأحياء المعزولة من حيفا وعكّا، وحواكير قريتي الجالسة بين أحضان الجبال. هناك يعيش نوع نادر جدا من البقل إسمه اللّوف يلفّ القلب والدّماغ، وله قدرة عجيبة علي بثّ الرّغبة في بدن الرّجال. أناس قريتي يؤمنون بأنّ لهذا اللّوف مفعول السّحر علي حالات العقم والطّلاق، وأنّ المرأة العقيم تستطيع استدعاء طفل برشّ هذا اللّوف في شاي رجلها. بطاقة أخري بك أعنونها، وأرسلها إلي بائع الحلوي الباكستاني الّذي يقيم في شارع تونغاتا. أحد الأحياء الجانبيّة في عاصمة النّوارس أوسلو. مساء أمس هاتفني كي يدعوني إلي زيارة دكّانه الجديد. قال إنّ بيض البطّ البنّي الّذي أحبّه أصبح بحجم كرة قدم لأنّه انتظر طويلا داخل القطر، وأنّني إن تأخرّت سوف يتنازل عن صناعة الحلوي ويؤجّر دكّانه لصانع كلام لا يفهم شيئا في سرّ المهنة. وأنا حفاظا علي تراث الباكستاني الغذائي لن أرفض دعوته خصوصا وأنّه تكفّل ببطاقة السّفر ذهابا وإيابا وحاجة شهيّتي إلي بيض البطّ والإوزّ المقطّر طوال فترة إقامتي.بك أعيد تسجيل الأرقام الّتي محوتها في روزنامة العام الجديد.. هذا العام، يا سيّد المطر، وقبلة العاصفة للريح سأصنع روزنامة من ورق الكينا الطّويل الّذي لم يكفّ عن التّساقط تحت نافذة نومي. هناك وقفت طويلا، وتأمّلت شجر الوادي يهدي ظلاله لصفحة الماء ولأجنحة العصافير. حيث سقطت بقي جناح عائم فوق الماء يذكّر يودّع أو يتذكّر. إثنتا عشرة ورقة سأرتّبها بعناية. بكثير من الحبّ وشيء من النزق. أنزع النّجوم الإثنتي عشرة الّتي وزّعتها علي بدني، وأرقّم بها الشّهور الّتي ستأتي. إلي جانب كلّ نجمة سأحفر الحروف الأربعة أو الخمسة الّتي تؤلّف اسمك. بعد ذلك سأحضر فرشاة اللّون وأصبغ الأوراق بألوان مائيّة بظلال الطّيف. من كلّ لون سأشتقّ لونا إضافيّا كي يكتمل عدد الشّهور. أربعة عشر لونا كي يظلّ في جيبي لونان احتياطيّان إثنان أفاجئك بحدّتهما، أو ذوبانهما كلّما وجدتك شاحبا. أحيي بهما الزّهر الّذي أحبّه نابتا تحت عنقك وعلي شفتيك. بعد هذه العمليّة المرهقة سأرزمها الواحدة فوق الأخري، وأدبّس أطرافها برجف أصابعي لتبقي وهّاجة وبرّاقة ومعبّأة بريش الدّهشة، أو قطن الحنين.دعابة أو أمنيةكان الشّتاء يستقدم الأيّام القليلة الباقية لوفود العام حين وقفت تتأمّل وجهي، وتعضّ ساق السّيجارة المشتعلة بين أسنانك. كنت مغمورا برائحة الشّجر الّذي احتلّ أجزاء واسعة من البيت، وأنت تردّ أطراف شعري إلي الخلف وتسألني بشيء من التردّد: ـ ماذا ستهدين عاما يضاف إلي أعوامي. عيد ميلادي علي بعد أيّام من عيد الدّنيا. ماذا تستحقّ الدّنيا بإقامتي فيها؟ـ دمية قطن، قلتُ، وأنا أتحاشي النّظر إليك. ضحكتُ بمكر ثمّ استدركتـ وأنت ماذا تعدّ إلي عام يزيدني رونقا؟ أضفت بشيء من الدّعابة.ـ قجّة عسل. لتظلّ تسيل حلا طوال أيّام السّنة.ـ أيّها الزّاهد، ليس لديّ ميل خاصّ لمذاق العسل. قلت، وبرمت شفتيّ عنك.ـ وليس لديّ ميل لدمي القطن وللطّفولة. علّقت باحتجاج. كأنّ كلامي استدرجك إلي مكان بذلت مجهودا حقيقيّا للخروج منه.ـ يا أهبل، قلت بجديّة لم أعهدها فيّ. هل تعتقد أنّ دمي القطن رخيصة؟ ثمن الدّمية يساوي ثمن سبع قجج من الّتي ستضحك عليّ بها.ـ الهديّة لا تقاس بثمنها، يا شاعريّة، ولكن بقدرتها علي بثّ الورع في الرّوح والدّهشة. قلت كي تمتصّ احتجاجي.ـ أيّ ورع وأيّ بطيخ. كلّ سنة توزّع لي لحنا علي قيثارة القيم. أرجوك فكّر بشيء خارج مؤسّسة الطّعام.كنت مصرّة أكثر من أيّ مرّة سابقة. بعد قليل انغرست في عينيك انغراس صنوبرة، وتهجّيت جملة طويلة وموزونة.ـ لن أقبل بأقلّ من قرط مزيّن بلؤلؤة أو عقد من خرز البلّور. ثمّ أقفلت أسناني علي راء مشدّدة.فزعت من رغبتي القاطعة. نظرت إليّ مستاء، وأشعلت سيجارة جديدة. لاحقت قطيع خراف أسود بين الغيوم المتزاحمة علي المقدّمة. كانت تلاحق بريقا وهميا لنجوم أخطأت طريقها إلي السّماء. كأنّك، وأنت تعدّ صوف الخراف المتكاثر بدأت تعد معه عدد الرّواتب الّتي ستخصّصها لتسديد حالة الصرع البرجوازي الّذي تملّكني فجأة.ّ بطاقة السّنةمتي ستعرفين كم أهواك يا فتاةيا من تحدّيت في حبّي لها مدنالو تطلبي البحر.. في عينيك أسكبهأو تطلبي الشّمس.. في كفّيك أرميها (نزار قبّاني)لا أملك ثمنا لغير سطور كهذه أسرقها من دفاتر شاعر لا أصادقه معظم أيّام السّنة. أتذكّره أوّل العام كي يجيز لي قطف ما يغيظك، أو يشعلك أمام الشّموع، ولغط الشّتاء خلف العتمة.هذا الرّجل الشّاعر، يا سيّدي البارد، كتب كلاما جميلا في امرأة تعبّأتها ملايين نساء. تري لو كنت شاعرا بحسّ الحبر مثله وليس بحسّ الصّوت، وهمس المساء، أكنت ستمطرني نبيذا بلون حروفه؟وما دمت إسما لنبض الموج ورقص الرّيح، أيّ لحن كنت ستؤلّفه وأنا بعيدة كي تعيدني بسطو الفقد إليك؟كلّ عام وأنت بريدي إلي الفرحالتّوقيع.امرأة من جبال القلب.ہ كاتبة من فلسطين0