ماذا بعد تحالف نتنياهو مع «أتباع كهانا»؟

حجم الخط
0

الرائحة الكريهة التي تتصاعد من الحلف بين بنيامين نتنياهو والعنصرية الكهانية مقرفة جداً، إلى درجة أنها أجبرت منظمة منضبطة ومنقادة مثل «الايباك» إلى الانضمام في نهاية الأسبوع إلى كاسري الصمت. الإدانة التي نشرتها هذه المنظمة مهما كانت ضعيفة تشير إلى القرف الذي انتشر في أوساط يهود الولايات المتحدة إزاء استعداد نتنياهو لمنح شهادة تأهيل لورثة الحاخام مئير كهانا. الإدانة أيضاً من شأنها أن تشوش على خطة نتنياهو وتحول ظهوره في المؤتمر السنوي لهذه المنظمة في الشهر القادم من منصة انتخابية ثمينة إلى مقامرة خطيرة يمكن أن تزيد أضرارها على فائدتها.
آلاف المندوبين الذين سيجتمعون في واشنطن في 24 آذار القادم سرغبون بالتأكيد في إظهار أن الأمور عادية وسيستقبلون رئيس الحكومة بالهتاف عندما سيصعد إلى المنصة على فرض أنه لن يلغي حضوره. ولكن ما كان من شأنه أن يكون حملة فوز عديمة المخاوف تحول إلى حدث مثير للتوتر، فيه كمين قاتل يمكن أن يبرز في أي لحظة ومن كل زاوية.
الحديث يدور عن توجه منذ افتتاح الحملة الانتخابية: زيارة نتنياهو إلى المؤتمر المناهض لإيران في وارسو، الذي كان يتوقع أن يبرز فيها نجاحه السياسي، سيتم تذكره بسبب حملة التنكيل وتشويه السمعة التي تعرض لها في اليوم التالي من حكومة بولندا، مبيضة الماضي. مثلما أن لقاءه مع فلادمير بوتين في موسكو نقش في الوعي فقط لأن إلغاءه استهدف تمكين نتنياهو من التفرغ تماماً من أجل جعل الحشرة الكهانية الزاحفة حلالاً.
الإدانة النادرة للايباك، التي استندت إلى احتجاج أشد للمؤتمر اليهودي الأمريكي، تبرز الإسهام الشخصي الوحيد لنتنياهو في خلق أزمة الثقة غير المسبوقة بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة. في حملة انتخابية عادية، في دولة عقلانية، فان فشلاً استراتيجياً كهذا بالتأكيد كان سيحتل مكاناً رئيسياً في دعاية معارضي رئيس الحكومة، ولكن في إسرائيل، للأسف، لا يوجد ليهود الولايات المتحدة الكثير من الفرق. لو أن نتنياهو لم يذهب بعيداً لكان من المشكوك فيه أن الشرخ مع الجالية اليهودية الأكبر والفخورة سيذكر أصلاً.
خطوات رئيس الحكومة تسحب البساط من تحت أقدام أحد الادعاءات الأساسية للحملة الإعلامية في صدهم لمنتقدي الادعاءات بأن إسرائيل بشكل عام ونتنياهو بشكل خاص مصابون بالعنصرية. إخراج كهانا وأتباعه خارج القانون والمقاطعة العملية التي فرضتها سياسة إسرائيل خلال سنوات على ناشري نظريته، استخدمت حتى الآن كورقة تين لتغطية القومية المتطرفة والعرقية المركزية لإسرائيل. لقد ردوا على المنتقدين بالقول: قارنوا الموقف الصلب لإسرائيل أمام الكهانيين مع التشجيع الذي تمنحه السلطة الفلسطينية لعنصرييها.
ولكن كما أثبت نتنياهو في تصريحه في انتخابات 2015 عن العرب الذين يتدفقون بجموعهم نحو صناديق الاقتراع، ومنذ ذلك الحين في قانون القومية، وفي ملاحقته لنشطاء بي.دي.اس وفي التشريع غير الديمقراطي والحبل على الجرار ـ فإن الضرر المتراكم لحركة المقاطعة، جمعيات بتمويل أوروبي وباقي اليساريين المعادين، يعتبر باطلاً مقابل الضرر الكبير الذي يتسبب به نتنياهو المرة تلو الأخرى بيديه وفمه، لصورة ومكانة بلاده. هجماته التحريضية على اليسار الخائن استهدفت إخفاء مسؤوليته عن ذلك، مثلما أن حربه ضد الإعلام وضد سلطة القانون هي ستارة من الدخان استهدفت تغطية عورة مخالفاته كما يبدو.

سقوط ورقة التين عن قومية إسرائيل المتطرفة..

منظمات مؤيدة لإسرائيل مثل الايباك والمؤتمر اليهودي الأمريكي حافظت طوال الوقت على سياسة الصمت التي فرضتها على نفسها في كل ما يتعلق بانتقاد إسرائيل. ولكن مغازلة نتنياهو للقوة اليهودية (أتباع كهانا) تعد حدثاً شاذاً لسبب بسيط: لا يدور الحديث هنا عن مناورة سياسية بعيدة المدى، التي في مركزها شخصيات غير معروفة مثل ميري ريغف أو بتسلئيل سموتريتش. بالنسبة ليهود أمريكا كهانا هو في المقام الأول قصة محلية معروفة جداً. وهو أيضاً إحدى الشخصيات اليهودية المنفردة في العصر الحديث والتي حظيت معتقداتها بالمقارنة مع أيديولوجية النظام النازي.
كهانا ولد في بروكلين وقتل في فندق «الماريوت» في منهاتن، وقد تعلم في المدارس الدينية اليهودية الفاخرة في نيويورك، وبدأ فيها نشاطه العام وتحول إلى «شخصية غير مرغوب فيها» في أوساط يهود أمريكا، حتى قبل هجرته إلى إسرائيل عام 1971. كهانا تحول إلى شخص مشهور محلياً بفضل إقامة رابطة الدفاع اليهودية، نشاطه العنيف من أجل يهود الاتحاد السوفييتي، و«حلف المضطهدين» له مع رئيس عائلة الجريمة جوزيف كولومبو وتورطه المتكرر مع القانون، من جهة، والدلائل المقنعة لخدمته كنخبة في الـ اف.بي.آي، من جهة أخرى. على كل ذلك غطت تصريحاته العنصرية التي أثارت حرجاً كبيراً في أوساط يهود الولايات المتحدة في الفترة التي اعتبرت فيها حادة وشاذة، والتي تصاعدت بعد هبوطه في الأراضي المقدسة.
لذلك، يهود الولايات المتحدة لا يمكنهم إعفاء المغازلة الكهانية لنتنياهو باعتبارها شأناً داخلياً لإسرائيل الديمقراطية الذي لا يفهمونه، أو تضخيماً مقصوداً من جانب رجال دعاية يكرهون إسرائيل. في موضوع كهانا لا يمكن خداعهم أو بيعهم الروايات الخيالية المعتادة. هم يعرفون جيداً من هو هذا الشخص، وماذا كان نشاطه وإلى أين يسعى مواصلو طريقه. إن ذهاب نتنياهو نحوهم يعتبر جسراً بعيداً جداً، وحتى في نظر الذين عادة يعتبرون كل انتقاد لإسرائيل خيانة.
هي تفرض أيضاً على مؤيدي نتنياهو مواجهة صورته كمن يتغذى من الغرائز الظلامية لأتباعه وكسياسي مستعد لأن يترك خلفه أرضاً محروقة من أجل البقاء في الحكم والتملص من محققيه.
من المعقول الافتراض أن الهستيريا المتزايدة التي تحيط بنتنياهو إزاء توحيد القوى لبني غانتس ولبيد ضده، وقبيل النشر المتوقع لقرار المستشار القانوني بشأنه، فان أحداً في محيطه لم يكلف نفسه عناء التفكير بردود يهود أمريكا. إن عمى رئيس الحكومة أو لامبالاته، ولا نريد الحديث عن رده المستخف عشية السبت، أثبتت للمتشككين من بينهم أن نتنياهو لا يراهم على بعد متر.
والأكثر إغضاباً في نظرهم هو أن استعداد نتنياهو لتحليل الحشرة العنصرية يرسخ صورته كشريك أيديولوجي وليس استراتيجياً فحسب لدونالد ترامب المكروه عليهم. التبرير السائد في أوساط من يدافعون عن نتنياهو والذي يقول إن عناقه الشجاع مع ترامب مهم للسياسة الواقعية ويشكل اهتماماً بالمصالح الحيوية لإسرائيل، يبدو تبريراً مضحكاً عندما يتبين أن الرئيس الأمريكي الجامح تحول إلى نموذج للمحاكاة في نظر نتنياهو حتى في الساحة الداخلية. عن طريق هذا المنشور، الهجمات الوحشية لنتنياهو على وسائل الإعلام، وصراعه المدمر ضد سلطة القانون وإستناده إلى قومية متطرفة وكراهية الآخر، تظهره كتقليد بائس للرئيس الأمريكي ترامب.
في موضوع «قوة يهودية»، التلميذ تفوق على معلمه: صحيح أن ترامب أظهر إشارات متعاطفة مع العنصريين البيض، لكن بضغط الرأي العام اضطر أكثر من مرة إلى التحفظ منهم. نتنياهو ذهب أبعد من ذلك بكثير: لقد أخرج العنصريين من العزلة وفرش أمامهم السجاد الأحمر كي يستطيعوا الخروج من بوابات جهنم وتدنيس السياسة الإسرائيلية ببضاعتهم المريضة، وتصوير إسرائيل كـ «ترامبستان» و«كهانستان» معاً. أكثر مما كان اليهود في أمريكا غاضبون، غمرهم في نهاية هذا الأسبوع خجل كبير.

حيمي شليف
هآرتس ـ 24/2/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية