ماذا بعد صدور الحكم بالاعدام… ماذا بعد الاعدام؟

حجم الخط
0

ماذا بعد صدور الحكم بالاعدام… ماذا بعد الاعدام؟

يحيي اليحياويماذا بعد صدور الحكم بالاعدام… ماذا بعد الاعدام؟ لم تكن تساورنا ذرة شك في جهة ومنحي الحكم الذي كان مقررا اصداره علي الرئيس العراقي صدام حسين، في أعقاب محاكمته علي خلفية احداث الدجيل أواسط ثمانينات القرن الماضي: ہ فالرجل بات، منذ القاء القبض عليه من لدن الجيش الأمريكي، بين يدي غرماء سياسيين له لطالما راهنوا علي الزمن (وعلي محالفة الحظ أيضا) للقصاص منه والثأر لعقود الاقصاء التي طاولتهم، فارتموا جراءها بأحضان الدول المناهضة له والمخابرات المتربصة بنظام حكمه. ہ والرجل غدا الحلقة الأضعف منذ تم تقديمه للمحاكمة، ليس فقط بسبب تحيز جائر لقضاة طائفيين وهضم من لدنهم لحقوق دفاع من كل بقاع العالم تقريبا، ولكن أيضا بسبب ادعاء عام أرعن احتكر حيثيات القضية (قضية الدجيل)، فقدم منها ما يخدم دفوعاته، وتبرم عن تلك التي من شأنها انصاف الرجل، ولم يكن لديه (الادعاء العام أقصد) أدني رادع أخلاقي يحول دونه ودون تزوير الوثائق والمستندات. ہ والرجل، فضلا عن كل هذا وذاك، جرد من كل الضمانات الدستورية التي تمنحها اياه الحصانة الرئاسية (وحصانة القائد الأعلي للجيش أيضا) ليتابع علي خلفية حادثة بلدة الدجيل كان له، وهو رئيس الجمهورية المستهدف، أن يفنيها ضرعا وزرعا ويحفظ الملف، دونما متابعة قضائية للجناة أو محاكمتهم، أو مساءلة المتواطئين معهم. لا تبدو لنا شكليات محاكمة الدجيل جنائية أو ذات طبيعة جزائية خالصة، بقدر ما بدت لنا محكومة، يوم وقوع الحادث تحديدا، بسياق سياسي تمت في ظله محاولة اغتيال رئيس الدولة من لدن حزب معارض (حزب الدعوة دموي التاريخ) لم يخف اللباس الأيراني الذي كان يرتديه، ولا الأهداف الأساس التي كان يتغيؤها. وبصرف النظر عن حيثيات القضية مادة المحاكمة، وبغض الطرف عن التجاوزات التي قد تكون وردت من بين ظهراني قضاة محكمة الثورة في حينه، فان الحكم بالاعدام علي الرئيس العراقي وانتشاء حكومة الاحتلال العميلة بذلك، انما أذكته رواسب الثأر الدفين أكثر من التفاخر باصدار حكم عادل علي رجل أدين بأحداث كاد الناس ينسونها بالجملة والتفصيل. ما الذي كان بمقدور المرء أن ينتظر من نشوة المالكي وحزبه وهو الذي كان خلف محاولة الاغتيال من عشر سنين مضت؟ ما تري كان المنتظر سماعه منه، وهو الذي تنبأ بالحكم والمحاكمة لا تزال جارية، وطلب من العراقيين عدم الغلو في التعبير عن فرحتهم والمحكمة لم تعمد بعد الي النطق بالحكم؟ اذا كان من الظلم والجور أن يحاكم رئيس دولة شرعي وبلده تحت الاحتلال دونما توفره علي الضمانات الدنيا التي يوفرها له مركزه الي حين اعتقاله واعتباره أسير حرب، فانه من الظلم والجور أيضا ادانته في قضية اجتزئت من سياقها التاريخي وتعومل معها في المطلق.هل من المنطقي أن يتضافر علي الرجل الأغراب وذوو القربي لادانته بمحاكمة لم يعترف بشرعيتها وعدالتها الا الاحتلال وحكومة الاحتلال؟ هل من المنطقي ادانة الرجل علي جرم ارتكب من عشر سنوات، في الوقت الذي ترتكب عشرات مثله من لدن ميليشيات معروفة، علي مرأي وبصر الاحتلال وحكومة الاحتلال دونما قدرة علي الحركة؟ كيف يحاكم صدام حسين (ويحكم بالاعدام) علي عمليات قتل وتهجير وترحيل قسري مر عليها عقد من الزمن، وحالات القتل المتضاعفة والتهجير بالقوة والترحيل المقصود تطاول مئات الآلاف من العراقيين كل يوم، من لدن ميليشيات وعصابات قتل وتنظيمات تبدو كالأشباح من قوي الجيش والشرطة، دونما أن تستطيع حكومة العراق الجديد تحريك ساكن؟ هل من المعقول، والمقبول أخلاقيا، أن ينتظر المرء قدوم نخب جديدة بعد عقود من الزمن حتي يكون بالمستطاع (ولربما علي خلفية الثأر الطائفي والسياسي أيضا) فتح ملفات ما قام به الاحتلال، ومتابعة جرائم الميليشيات، وتقديم من هم بالسلطة اليوم للمحاكمة وادانتهم بنفس الجرم؟ كنا (وكان غيرنا أيضا) يتعشم في أن تكون هذه المحاكمة عنوان مصالحة العراق مع ماضيه وتصفية ما شابه من تجاوزات دونما ضغينة أو حقد أو رواسب ثأر، فعراق اليوم لا يحتمل راهنه فما بالك أن نزايد عليه بما أخرت يداه. لكن ضيق الأفق وترتيبات الاحتلال وحسابات الجوار لا تري في ذلك مصلحة، بل تعتبر الأمر مجرد مزايدات وظلما لضحايا التاريخ .ما عنوان معادلة المصالحة الوطنية المزعومة التي تدعو لها حكومة الاحتلال، وهي تعتزم تنفيذ حكم الاعدام في طرف المعادلة التي تجاهد فصائل كبري من المقاومة العراقية اليوم باسمه، أو تحت لواء الجيش الذي كان قائده العام؟ ولئن كنا متأكدين أن الحكومة اياها لن تستطيع ولا لديها الجرأة علي تنفيذ حكم الاعدام في الرئيس العراقي اللهم الا اذا أشر لها بذلك الأمريكان، فاننا متأكدون بالآن ذاته بأن تنفيذه لن يقدم الراهــــن العـــراقي بشيء، بقدر ما سيسهم في تعقيد المسألة العراقية ودفع مـــداها الي أتون المجهول:ـ فالمقاومة العراقية تعتبر الاحتلال أصل المشكل ورافده الأساس، في حين يعتبر الاحتلال والحكومة الدائرة في فلكه أعضاءها (المقاومة أقصد) مجرد ارهابيين أو بعثيين أو ظلاميين مع اعترافهم الضمني بها والتطلع الي محاورتها. ـ والمقاومة تعتبر الرئيس صدام حسين جزءا من الحل وليس جزءا من المشكل، في حين يراهن الاحتلال وحكومة الاحتلال علي قصم ظهرها عبر تنفيذ الاعدام فيه، والظهور بالتالي بمظهر الفاعل الأقوي. ألم يتحسر مئات الآلاف من العراقيين علي زمن الرئيس صدام حسين حين كان الأمن والعرض والمال محفوظا والكرامة مصانة الي أبعد الحدود؟ ـ والمقاومة تراهن علي ذاتها ولا تراهن علي الأمريكان كما تراهن عليهم حكومة الاحتلال، متناسية أنه سيأتي عليها يوم (وعلي الطالباني والحكيم والمالكي) ستتعامل معهم الادارة الأمريكية كما تعاملت مع عميلها المدلل (احمد الجلبي) الذي انقلبت عليه بمجرد انتهاء وظيفته، فاخترقت عليه مكاتبه وتابعته جهرا وعلانية. ماذا يفيد اعدام الرئيس صدام حسين بالمحصلة؟ لن يفيد الرجل بكل تأكيد وهو الذي حمل روحه بين كفيه منذ الصغر، وبكل الأحوال فاذا لم يمت شنقا، فبالتأكيد كان سيموت من بين ظهراني المقاومة، أو جراء وشاية عميل متلهف الي بعض المال؟ لن يضيره الموت وهو في أرذل العمر بكل الأحوال. وبقدر ما لا يضيره، فانه بالقطع لن يضيرنا في ظل هذا الزمن الأمريكي المجبول علي الدم والانتقام، وفي ظل هذا الزمن العراقي الرديء… والعربي الرسمي الأردأ.ہ باحث وأكاديمي من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية