ماذا بعد مؤتمر ‘عدم الإنعزال’ ؟

حجم الخط
0

د. عصام نعمان ليس مؤتمر دول عدم الإنحياز دقيقاً في تسميته ولا في ممارسات اعضائه. عدم الإنحياز كان مطلوباً ايام كان العالم منقسماً بين معسكرين ، غربي رأسمالي وشرقي اشتراكي. بعد انهيار الإتحاد السوفياتي ، بقي معسكر واحد بل قطب وحيد يتحكم بالعالم هو الولايات المتحدة الاميركية، فأي معنى ، بعدُ ، لعدم الإنحياز ؟في ظل الوحدانية القطبية انحسر تأثير حركة عدم الإنحياز ، بل اصبح الإنحياز خياراً لدول عدة كانت اشتهرت بإستقلاليتها عن حلفي الاطلسي ووارسو. مصر ، بعد رحيل جمال عبد الناصر وفي ظل انور السادات وحسني مبارك ، انحازت كلياً الى جانب الولايات المتحدة . يوغوسلافيا ، بعد رحيل تيتو وتفكك نظامها الفدرالي ، انحازت دويلاتها الوليدة الى اوروبا واميركا . الهند ، بعد رحيل نهرو وابنته انديرا غاندي ، خففت كثيراً من عدم انحيازها بإنتهاز سياسة اكثر توازناً مع الولايات المتحدة واكثر إعتدالاً مع الصين.في القمة السادسة عشرة للمؤتمر ، حاول بعض كبريات دوله نفخ الروح في جسده المترهل بغية إعادة رسم دوره العالمي بعدما شلّته متغيرات دولية وثورية متعددة خلال السنين الثلاثين الماضية ، فهل نجحت ؟ لعل الجواب عن السؤال يبدأ برصد ممارسات كبرى دول المنطقة التي ينشغل العالم بأزماتها ومشاكلها المستعصية.ايران ، التي آلت اليها رئاسة المؤتمر وادارته في السنوات الثلاث القادمة ، نجحت في فك عزلتها الدولية. ذلك ان اجتماع رؤساء 120 دولة في عاصمتها يشكّل بحد ذاته إنهاء مدّوياً لعزلة حاولت اميركا واوروبا فرضها عليها منذ اندلاع ثورتها العام 1979. غير ان لإيران اهدافاً اعلى من فك العزلة . مرشدها الاعلى السيد علي خامنئي اختصرها بالقول إن العالم ‘يمر بفترة إنتقالية الى نظام دولي جديد ، وبمقدور حركة عدم الإنحياز ، ويجب عليها ، ان تمارس دوراً جديداً ‘.على الصعيد السياسي ، نجحت ايران في كسر الجليد بينها وبين مصر بإستقبالها اول رئيس مصري يزورها منذ نحو 30 عاما. الرئيس محمود احمدي نجاد ونظيره الرئيس محمد مرسي بحثا سويةً الازمة السورية ، وتوافقا على رفض التدخل الخارجي والحلول العسكرية ، وترفيع مستوى التمثيل الديبلوماسي بين البلدين ، وتأكيدهما ان البلدين تجمعهما شراكة استراتيجية.غير ان مرسي لم يجارِ احمدي نجاد في الموقف من الازمة السورية. فقد دعا دولَ الحركة الى ‘التضامن مع نضال ابناء سوريا الحبيبة ضد نظام قمعي فقد شرعيته’. موقفه النافر بدا متناقضاً مع دعوته السابقة في مؤتمر التعاون الإسلامي في مكة المكرمة الى تشكيل لجنة رباعية من مصر وايران وتركيا والسعودية مهمتها ايجاد تسوية للأزمة السورية.بينما كان مرسي يلقي خطابه انسحب الوفد السوري برئاسة رئيس الحكومة وائل الحلقي. وزير الخارجية وليد المعلم انتقد كلام مرسي ‘ لعدم تمسكه بالمبادىء التي تمّ إنشاء حركة عدم الإنحياز على اساسها’، لافتاً الى أن سوريا ‘كانت تؤمّل بأن تكون مصر حاضنة للحل العربي والتوجهات السلمية لمنع سفك الدم السوري’.طهران صدمها كلام مرسي . هي الاخرى كانت تؤمّل بتطوير مبادرته حول اللجنة الرباعية لتسوية الازمة السورية . ومع ذلك ، استوعبت الصدمة وحاولت تطويقها بطريقتين: الاولى ، استقبال السيد خامنئي لرئيس الوزراء السوري واشارته الى أن بعض الدول يفتقر الى رؤية صحيحة الى ما يجري في سوريا والى دور اميركا في تأجيج الأزمة. الثانية ، حرص احمدي نجاد على الإجتماع الى مرسي مدة 40 دقيقة اتفقا خلالها ، بحسب نائب وزير الخارجية الإيراني امير عبد الله اللهيان ، ‘على ضرورة تسوية الأزمة السورية بالطرق الديبلوماسية ومنع اي تدخل اجنبي’.الى ذلك ، عزا بيان للرئاسة الإيرانية الى احمدي نجاد قوله لمرسي ‘إن المجازر التي ترتكب في سوريا لا تفيد بشيء ، وينبغي إجراء انتخابات حرة ، وفي الوقت ذاته منع اي تدخل للحلف الاطلسي ودول الإستكبار’ ، وان مرسي شدد على ان ‘المشاكل في سوريا لا يمكن حلها إلاّ بمساعدة الدول المؤثرة في المنطقة ومنها ايران’.اكثر من ذلك ، توافق الرئيسان الإيراني والمصري على ان بلديهما ‘شريكان استراتيجيان’. وقد اكد احمدي نجاد ان بلاده ‘مستعدة لتقديم مساعدتها الى الشعب المصري’. كما تقاطع موقفا الرئيسين من قضية فلسطين ، ولاسيما لجهة المصالحة الوطنية ودعم طلب ضم فلسطين للامم المتحدة ، والتنديد بسيطرة الدول الكبرى على مجلس الأمن الدولي وادارة العالم من خلال ممارسة حق النقض ‘الفيتو’.اتفاق مرسي واحمدي نجاد على ‘ضرورة تسوية الازمة السورية بالطرق الديبلوماسية ومنع اي تدخل اجنبي’، رَفَعَ منسوب امل رئيس حكومة العراق نوري المالكي بأن تكون مبادرته لتسوية الأزمة السورية توليفاً لمبادرتي الرئيسين الإيراني والمصري حول ايجاد تسوية لها. مبادرة المالكي تضمنت تشكيل حكومة انتقالية تضم جميع مكوّنات الشعب السوري على ان تتفق الاطراف على الشخصية التي تترأسها ، واختيار شخصية سورية مقبولة لدى الجميع للتفاوض مع المعارضة بهدف الوصول الى حل للأزمة ، واجراء حوار وطني بين كافة الاطراف بإشراف جامعة الدول العربية ، ووقف العنف من جميع الاطراف ، ودعوة جميع الدول لعدم التدخل في الشأن السوري الداخلي.كلمة الامين العام للامم المتحدة بان كي مون كانت متوازنة بصورة عامة. فقد حثّ جميع الاطراف في سوريا على وقف العنف ، وقال ‘إن اي طرف له تأثير يجب ان يكون جزءاً من حل ازمتها’.من مجمل ما جرى في قمة دول عدم الإنحياز يمكن الخلوص الى إستنتاجات ثلاثة رئيسة :اولها ، لا وجود لسياسة عدم انحياز حقيقية . بالعكس ، ثمة انحياز واضح لدول عدّة الى سياسة الولايات المتحدة والإمبريالية المعولمة.ثانيها ، ان التوصيف الأدق لدول ‘عدم الإنحياز’ ، في الوقت الحاضر، هو عدم الإنعزال . ذلك ان بعضاً منها ، وخصوصاً ايران ، تمكّنت من فك عزلتها المزمنة ، وبعضها الآخر غادر موقف النأي بالنفس عن الازمات التي تعصف بعالمنا المعاصر ، ولاسيما في منطقة الشرق الاوسط. لقد اضحى معظم الدول النامية في آسيا وافريقيا ، اكثر انخراطاً في قضايا العالم وإن لم يصبح اقل إرتهاناً للدول الكبرى المهيمنة . ولعل عدم الإرتهان هو ما يجب ان يكون هدفاً لحركة ‘عدم الإنحياز’ ، وخصوصاً الدول النامية.ثالثها ، ان دعوة ايران دول ‘عدم الإنحياز’ الى المشاركة في ادارة العالم تبدو طموحة جداً ولا تتناسب مع حجم اقتصادات هذه الدول وفعاليتها في العلاقات الدولية المعاصرة . لكن نظرة متأنية الى دروس يقظة الشعوب في معظم اقطار وطننا العربي منذ مطلع العام 2011 تشي بحقيقة لافتة هي صعود مفهوم ميزان الإرادات وتقدّمه على مفهوم ميزان القوى كعامل مقرر في توجيه الصراعات وحسمها . ولا شك في ان تفعيل الدعوة الى المشاركة العامة والمساواة في الحقوق بين الشعوب وتضامنها في هذا السبيل من شأنه إنضاج حركة الإنتقال الى نظام عالمي جديد والطريـق ما زالـت طويلـة . ‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية