ماذا بقي لدينا من معايير الفضيلة؟

حجم الخط
0

لقد كان وما زال مجتمع الفضيلة أو المجتمع المثالي utopia هو حلم النفس البشرية السوية منذ بدء الخليقة فقد جاء الأنبياء جميعا للنهوض بالبشر وتخليصهم من نوازع السوء ليتمكنوا من عبادة خالقهم والتعايش مع بعضهم ضمن إطار منظم يتفقون عليه، ومن المجتمعات من وجدت ضالتها في الدين فجعلت من نصوصه شريعة لتسيير حياة المجتمع والناس، ومنها من كانت له علاقة إشكالية وصلت الى حد القطيعة مع الدين في أوروبا واستبداله بالنظم المدنية civil law وذلك بعد أن أخطأ الكهنوت وأساءوا استخدام سلطاتهم في تفسير وتطبيق النص المقدس، فكانت النتيجة استحداث العلمانية secularism وحصر الدين في المعابد كخيار شخصي يمكن الأخذ به أو إهماله!

و لقد عرقت البشرية شرقا وغربا كثيرا من المنظرين في فلسفة الفضيلة وأشهرهم أفلاطون وكان للعرب منظروهم كالفارابي وابن خلدون كما وعاش العرب مجتمع الفضيلة حقيقة واقعة في المجتمع النبوي وعهود الخلافات الراشدة وليس معنى ذلك أن هذه المجتمعات كانت ملائكية منزهة عن العيوب بنسبة 100′ ولكنها مجتمعات غلب خيرها على شرها ومصلحوها على مفسديها وحكمها قانون ينطبق على القوي قبل الضعيف، غير أن الدولة الفاضلة ومن أشكالها الدولة الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان أصبحت حلما بعيد المنال في السياق العربي الذي وقع سنوات طويلة في شرك الملك العضود والقسري والوراثي الذي ذمه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه كشكل من أشكال الحكم الفاسد الى أن تعود الشعوب الى رشدها فيعود الحكم لينتظم على منهج الله وسنة رسوله، ولم يستطع العرب الفكاك من هذا الحكم في بعض دولهم الا بتضحيات كبيرة وجهود جبارة، بل إن هذا الحكم قد استوطن في نفوس بعض الشعوب حتى أحبت وتعايشت مع ذلتها ورضيت بقسمة ضيزى يرى فيها الحاكم لنفسه ما لا يراه لشعبه وزينت خنوعها بأسماء الولاء والإخلاص مع أن الولاء الحقيقي فوق البشر ولا يكون الا لله.

لقد وضع المهاتما غاندي من خبرته وخبرة شعبه في التعامل مع الاستعمار، وينطبق على الاستعمار الخارجي الاستبداد المحلي من ذوي السلطان، سبع مخاطر تستهدف الفضيلة في نفس الإنسان وتحول دون قيام المجتمع الإنساني المميز، ولو قسنا هذه المعايير لوجدناه للأسف مستشرية في دولنا وبين شعوبنا وهي ما يحول حقا دون التغيير فالبشر هم مادة وشرارة ووقود الإصلاح وبدونهم لن يكون هناك نهضة ولا تحسين، أما المعيار الأول للفساد وانتفاء الفضيلة عند غاندي فهو: الإثراء دون عمل أو جهد، والثاني: تحصيل المتعة دون ضمير، والثالث: تحصيل العلم دون مؤهلات شخصية، والرابع: العمل بدون أخلاق، والخامس: الاكتشاف والاختراع بدون قلب يحمي صاحبه من تضخم الأنا، والسادس: التدين من غير ممارسة وتضحية، والسابع: ممارسة السياسة من غير مبادىء!

في مجتمعاتنا الكثير من المصلحين ولكن بهذه المعايير لدينا أيضا الكثير من الفساد والخبث الظاهر على السطح والمتحكم بحياة البشر. إن معايير الفضيلة كما هي سنن الله تنطبق على الجميع، المسلم والكافر، بل إن الكافر لو أخذها بقوة وعزيمة يستحق نصر الله وتوفيقه أكثر من المسلم الظالم المفرط. إن عمارة النفس الإنسانية هي الخطوة الأولى في عمارة الأرض وليس معنى ذلك أن نتناسى أهمية الحكم في إقامة المجتمع الفاضل فالله يزع ويثبت بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولكنهما خطان متوازيان، وصلاح القاعدة البشرية صلاحٌ لرأس الهرم، فالحاكم بشر وهو إفراز من مجتمعه إن صلح فقد صلح من قبله لأن من وراءه شعبا كان يقول له: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، وإن فسد فلأن من وراءه من يقولون له: اعمل ما شئت فإنك فوق المساءلة.

الشعب هم أساس الحكم صلاحا أو فسادا وما لم يتغيروا فإن الإصلاح جعجعة فارغة لا طحن فيها وأرض بور لن تنبت ثمرا.

د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية