من الكلام المأثور عن الهنود الحمر الأمريكيّين ما جاء على لسان الزعيم شِف جوزيف في خطاب ألقاه في واشنطن أمام الرئيس الأمريكي رودرفورد هايس (1877-1881) ونشرته مجلة North American Review. في هذا الخطاب – الذي يشرح فيه، من وجهة نظر أخلاقية، الأسباب التي دفعت بشعبه ‘الأنوف المثقوبة’ إلى الوقوف في وجه فيالق الجيش الأمريكي، وتبرير خيار رؤية ‘شق عصا الطاعة ‘ ضد السلطات الرسمية يقول: ‘ الرجل الأبيض يملك، مقارنة بنا، كثيرا من الكلمات يستعملها لوصف رؤيته للأشياء، لكنّ الحقيقةَ لغةٌ لا تحتاج إلى كلمات كثيرة’ (غودار فيليب، خمس خطابات شق عصا الطاعة، بالفرنسية 2012 ص 10). ماذا يعني هذا الكلام؟ هل الحقيقة تكتفي بنفسها وليست بحاجة إلى كلام وألفاظ وخطب لتقديمها للناس وشرحها والدفاع عنها، لما تكون مهدّدة أو ضحية استغلال ما أو ظلم أو تزوير وتلفيق..؟ يقال في صواب تام، وهذا شيء معروف في كل لغات العالم: الحقيقة واضحة وضوح الشمس في النهار، ولا تخفى إلا على من يرفض رؤيتها. أجل هذا شيء صحيح ولا يختلف عليه اثنان، وغالبا ما نلوذ بالعقل وندعو المستنكرين للحقائق الواضحة أن يستعملوه ليكونوا راشدين في أقوالهم وأحكامهم وحكيمين في تصرفاتهم. نعم ، لكن هل هذا شيء كاف وفعال أم أننا دائما بحاجة إلى شيء آخر؟ الكل يتفق حاليا على تفسير أسباب انحطاط العرب والمسلمين في الكثير من الميادين، مثل العلوم والاقتصاد والنظم السياسية وحقوق الانسان.. الخ، بغياب الرؤى الفكرية المنسجمة والمناهج العقلية في التعامل مع القضايا الاجتماعية والمسائل الدينية والموروثات التاريخية، بل إنّ استعمال العقل أمام الآخر ومواجهة المعارضين بأفكار منفتحة ومواقف ذكية متنورة ومتسامحة وواثقة بذاتها وغير خائفة من الاختلاف في الآراء والعقائد والفلسفات الأخرى، شيءٌ يكاد يكون منعدما أو مستحيلا في محيط العلاقات بين الجماعات والمذاهب التي تكوّن الفضاء الفكري والسياسي والعقدي في المنطقة العربية والإسلامية، وأيضا في افريقيا الوسطى وجنوب السودان على سبيل المثال لا الحصر. فعوض أن تقبل الجهاتُ المتنازعة في ما بينها من أنظمة حاكمة أو أحزاب سياسية أو جماعات دينية أو طوائف إثنية بالاستماع لبعضها بعضا، والجلوس حول طاولات الحوار والتعرّف على مطالب الآخر وأسباب معارضته لها أو اختلافه معها، فتكون لغةُ العقل هي الغالبة وأضواء الفكر هي الناشطة، نرى كلّ واحدة منها تفضل اللجوء إلى القوة فتقوم بعرض عضلاتها لترهيب الأخرى، أمّا السلطات الحاكمة فلا تعرف إلا لغة الهراوات والعنف والسجون في مواجهة مطالب المعارضين والمحتجين. الخوف من فقدان السلطة أو الجري وراءها وكل ما يوجد في دائرتها من مصالح وامتيازات وثروات وخدمات وتشريفات وفرص تحقيق رغبات الذات في أن تكون سيّدة على الآخرين الطائعين، كل هذا يدفع بالخصوم والأعداء في دنيا العرب والمنتمين للإسلام إلى أن يكونوا عبيدَ التطرف والتعصب والتزمت والانغلاق، فلا يحتكمون عموما إلا إلى لغة الاقصاء والتهميش، أو التكفير والشيطنة، فيلجأ الكثير منهم إلى السلاح والقتل. هنا يضيف شف جوزيف كلاما كأنه يوجّهه ليس فقط إلى الرجل الأبيض في زمانه (الغرب عموما وأمريكا خصوصا) وإنما أيضا إلى العرب والمسلمين في يومنا هذا، حيث لا حرمة لدماء الانسان العربي والمسلم التي تُستباحُ إراقتُها تحت كل الذرائع بكل شراسة ووقاحة وجبن: ‘لو كنا فتحنا قلوبَنا لكُنا تجنّبنا إراقة الكثير من الدماء ولما غرقنا في الهموم والآلام’. عندما يطالب الصحافي المصري فهمي هويدي أبناء بلده حكاما ومحكومين (السلطات والمعارضة من جماعة الإخوان بالخصوص) بالرجوع إلى العقل لتفادي الانزلاق في هاوية التدمير وإشعال النيران وسلب الأرواح البشرية ودفع الوطن إلى الهاوية السحيقة، فهو محقّ في دعواه الوطنية البناءة هاته، غير أن الاحتكام إلى العقل وحده لا يكفي للخروج من المأزق شبه التراجيدي التي وقعت مصر في حباله. لابد، علاوة على اللجوء إلى العقل، من ‘فتح القلوب’ للآخرين واستقبال الحياة بروح متسامحة تحب الخير للجميع، من دون حقد وكراهية أو هاجس الانتقام والعنف. لقد أصابنا الشللُ والعمى ليس فقط في رؤيتنا الفكرية وطاقة حاستنا العقلية، بل تعدّتهما هذه الآفات والعاهات والأمراض إلى منطقة الأفئدة، حيث تحيا القلوبُ فأصبحنا مشلولين نفسيا ومصابين بالعمى الروحي وضللنا بالتالي الطريقَ وتهنا، من دون بوصلة ولا دليل. هذه هي الحقيقة وهي تقول لنا مخاطبة فينا إنسانيتنا التامة والكاملة: أنا ظلالُ الاستقرار والأمن والسلام، وأنا أجنحةُ الرخاء والازدهار والنمو والانتعاش، إن تصرفتم بذكاء وفطنة واستعملتم لتسيير شؤونكم وحل نزاعاتكم أضواءَ عقولكم. وأنا نعمةُ المودة والرحمة، وهبةُ الحبّ والسعادة إن فتحتم قلوبَكم لبعضكم بعضا وكنتم متسامحين في ما بينكم. والعفو عند المقدرة هو أسمى درجة في سُلّم البرّ، وأكبر قوّة أخلاقية وانشراح صدريّ يتنافس عليه العظماءُ من القادة والساسة ذوي العقول المنفتحة المُشِعة، والمشاريع المستقبلية المتحضرة.