ماذا تعلم الأول من الثاني في مضمون القصيدة وشكلها؟ ذكرى السيّاب وت. س. إليوت

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
7

بين نهاية سنة وولادة أُخرى تُوفّيَ شاعران كبيران من شعراء القرن العشرين: توفي الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السيّاب (1926- 1964) ليلة ميلاد السيد المسيح. وقد هزّت هذه المصادفة أحد شعراء لبنان فكتب يقول: بموته وُلدَ لنا شاعرٌ كبير. وقد يوحي هذا لبعض محبّي شعر السيّاب أن الشاعر لم يَنل حقّه من الاحتفاء بشعره أثناء حياته، ولكن تجرّد كثيرون للإشادة به بعد موته. وبعد اثني عشر يوما تُوفّيَ الشاعر الأمريكي-البريطاني إليوت (1888- 1964) الذي، على النقيض من السيّاب، قد ملأ الدنيا الأدبية في أوروبا وأمريكا وشغل الناس فيها دراسةً وتحليلاً وإعجاباً. ولا أحسب أن إليوت كان قد سمع بالسيّاب، أو بالشعر العراقي أساسا.ً ولكن السيّاب كان شديد الإعجاب بالشاعر إليوت ،على الرغم من ضعف حصيلته اللغوية في الإنكَليزية، حتى بعد تخرّجه في دار المعلمين العالية، وقد قضى أول سنتين في قسم اللغة العربية، ودَفعته حماستُه الشديدة للإطّلاع على الشعر الإنكَليزي، وما تُرجم إلى الإنكَليزية من شعر عالمي، إلى الإنتقال إلى قسم اللغة الإنكَليزية، وكان ذلك مُمكناً في تلكَ الأيّام؛ ولو أنني أحسب أنه لم يجد بذلك القسم ما يروي غليله من النزر اليسير من الشعر الذي كان يقدّمه القسم، وأنا شاهدٌ من أهلها. لكن السيّاب، وأنا هنا أكرِّر ما قلتُه قبل حوالي 30 سنة من أن السيّاب كان ذا خبرةٍ بالحياة أكبر من ثقافته، لكن موهِبته كانت أكبَر من الإثنين معاً. لذلك راح يسعى بجهوده الخاصة وبقراءة ما تيسّر له من كتب في حدود حصيلته في اللغة الإنكَليزية، وبالاتصال والتعلّم من أستاذ وأديب كبير هو المرحوم جبرا ابراهيم جبرا، الذي كان مركز اهتمام الأدباء والشعراء في بغداد منذ قدومه إليها بعد نكبة 1948. كان وَلعُ السيّاب الجديد بالإطّلاع على الشعر الأجنبي قد قاده في مرحلةٍ مبكِّرةٍ من حياته إلى ترجمة بعض القصائد من الشعر الأجنبي إلى اللغة العربية. والأهم من هذا كله اهتمامه الكبير بالشاعر إليوت الذي تعلم منه استعمال الصوَر بدل التشبيهات المألوفة في الشعر العربي التراثي والحديث معاً ، إذ كان شعر إليوت يتميز بكثرة الصوَر، وهو الذي كان يمثل الأسلوب الصُوَري “إيماجست” وليس التصويري، كما شاع خطأً، وهو ما دعاه إليوت “المعادل الموضوعي” أي جعل الصورة معادلاً للفكرة. وقد أفرط السيّاب باستعمال الصُوَر في قصائده التي تعود إلى أواسط الخمسينات من القرن الماضي. وقد ألحّ السيّاب على الإفادة من شاعرةٍ إنكَليزيةٍ شهيرةٍ في تلك الفترة، هي الأرستقراطية إيدث سِتوِل، وبخاصةٍ في قصيدتها بعنوان “ما زال يهطل المطر” التي تصف سقوط القذائف الألمانية على لندن في الحرب العالمية الثانية، مما كان يُدعى بالإسم الألماني “بلتْزْ” أي الهجوم الصاعق. لكن سقوط المطر في قصيدة سِتول كان يرمز إلى قطرات الدم الهاطلة من جسد المسيح على الصليب، أي رمز السلام المصلوب. ولا أحسب أن السيّاب قد استوعب رموز القصيدة المسيحية في جوهرها، لكنه أُعجبَ بالعبارة التي تتردد بإيقاعٍ عجيب: ما زال يهطل المطر، فاستخدمها في قصيدته الشهيرة “أنشوده المطر”.

وأهمية الشاعر إليوت بالنسبة للمتأدّب العربي والشاعر بخاصة هو هذا التأكيد الشديد على اتّساع الثقافة. فقد وُلد إليوت في سانت لويس بولاية ميزوري الجنوبية وكان جدّه مؤسس الجامعة في تلك المدينة. وقد نشأ إليوت في محيط ثقافي دفعه إلى جامعة هارفرد حيث درس لدى كبار الأساتذة والفلاسفة في تلك الجامعة العريقة. ولم يكتَف بما تيسر له هناك بل ذهب إلى أعرق الجامعات الأوروبية مثل أُكسفورد والسوربون وماربورغ الألمانية، وكان يقرأ بالفرنسية والألمانية إلى جانب الإغريقية واللاتينية، ثم استمر في التوسّع بدراسة الشعر بتلك اللغات. ونجد نتيجة تلك الحصيلة الثقافية والشعرية في كتاب نشره عام 1920 بعنوان “الغابة المقدّسة” وهو مجموعة من الدراسات في شتى فنون الأدب والثقافة، ربما كان أبرَزُها بالنسبة للمتأدِّب العربي مقالة “التراث والمَوهبة الفردية” التي يؤكد فيها رأيه الذي بقي يؤكّد عليه، وهو أن الشاعر الذي يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من العمر عليه أن يكتب وفي نُخاع العظم منه أفضل ما قاله الشعراء منذ هوميروس إلى الشعراء المعاصرين، بمن فيهم شعراء لغته بالذات. وقد يبدو هذا الرأي مستحيلَ التطبيق، لكننا نتذكّر ما يُروى عن أبي نواس أنه قال: ما نطقتُ بالشعر حتى حفظتُ لستّين من شاعرات العرب، فما رأيك بالشعراء!

بدأ اهتمام المتأدّبين العرب بشعر إليوت في حدود أواسط القرن العشرين. فقد بدأ شاعرٌ مثل توفيق صايغ الفلسطيني-اللبناني بترجمة بعض قصائد إليوت مثل “رباعيات أربع” التي وجدها غالبية القرّاء قصيدةً في غاية الصعوبة. وفي مصر بدأ متأدّبون آخرون بترجمة بعض المختارات، لم تكُن مُوفّقةً في الغالب. وكان الحديث بين المتأدّبين في مصر يدور في الغالب حول قصيدة إليوت الكبرى “الأرض اليباب” التي ترجموها “الأرض الخراب” وهو خطأ كبير بقي راسخاً في أذهان الجيل. والسبب عدم إدراك الفرق المُهم بين الخراب واليباب. فالقاموس يقول: دارُهم خراب وأرضهم يباب. الدار الخراب لا يرجى إصلاحها، بل يمكن إعادة بنائها. أمّا الأرض اليباب فهي الأرض التي انحبس عنها المطر، فصارت يباباً لا تُنبت زرعاً. فإذا نزل عليها المطر أينَعَت وأنبتت زرعاً، وهو معنى الحياة. وهذا بالضبط موضوع قصيدة إليوت الكبرى التي يقول فيها إن الحياة، وبخاصة بعد الحرب العالمية الأولى، قد غدت يباباً لا حياةَ فيها. والسبب في رأي الشاعر أننا قد نسينا التراث والإيمان. فإذا استرجعنا هذين العنصرين الأساسيين للحياة عادت الأرض إلى الإنبات وعادت إليها الحياة.

أدخل إليوت أسلوب “الشعر الحر” في الكتابة الشعرية و هو الأسلوب الذي يخلو من الوزن والقافية في التراث الشعري على امتداد القرن التاسع عشر. وقد تلقّف المتأدّبون العرب هذا الأسلوب في كتابة الشعر وعدّوه تطويراً كبيراً في الشكل، لأنه تحرّر من قيود الوزن والقافية. لكن التطوير في كتابة الشعر ليس جديدا في تراث الشعر العربي. ويمكن القول إن التطوير قد بدأ منذ العصر الجاهلي، كما نجد في بعض المعلقات التي لا تلتزم التعبير عن الفكرة أو الصورة في بيت واحد دون إكمال ذلك بالبيت اللاحق. والتطوير في استعمال التفعيلات في البيت الواحد نجده عند “ديك الجنّ الحمصي” في العصر الأموي. ففي قصيدةٍ معروفةٍ استعمل الشاعر تفعيلة الرجز “مستفعلن” بشكل جديد، فنظم شطراً بثلاث تفعيلات وانتقل إلى عجز البيت بتفعيله واحدة:

قولي لطيفك ينثني عن مضجعي      وقتَ المنام

كي استريح وتنطفي  نارٌ تأجّجُ        في العظام

ويستمر على هذه الحال على امتداد القصيدة. وفي الأندلس لدينا مثال الموشح والزجل، وهما تطوير واضح في شكل القصيدة وفي موضوعاتها معاً، مع التزام شرطَي الوزن والقافية، ولو على غير النمط التراثي. والمثال الأوضح على التطوير في كتابة الشعر العربي يبدأ، كما هو معلوم، في شعر نازك الملائكة منذ عام 1947 مما دُعيَ خطأً باسم الشعر الحر، لأن ما كتبَته نازك ومن تبعها من شعراء النصف الثاني من القرن العشرين، مثل السيّاب والبيّاتي وكوكبة من شعراء الحداثة، هو شعرٌ يلتزم الوزن والقافية ولكن بترتيبٍ مغاير لما نجده الشعر العربي التراثي. لكن شعراء الحداثة العرب أفادوا كثيراً من شعر إليوت، وبخاصةٍ في كثرة استعمال الصور والإشارات إلى الأساطير الشرقية والغربية، مع الإبقاء على الوزن والقافية، ولو بتشكيل جديد. ويبقى أثر إليوت في الشعراء العرب أثراً ثقافياً بالدرجة الأولى، وهذا ليس مما يُمكنُ التقليل من قيمته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية