لندن ـ «القدس العربي»:
بلغة الأرقام والإحصائيات، استهل المدرب الألماني توماس توخيل، مشواره مع المنتخب الإنكليزي على أكمل وجه، بقيادة الأسود الثلاثة لتحقيق العلامة الكاملة في أول مباراتين في التصفيات الأوروبية المؤهلة لكأس العالم أمريكا الشمالية 2026، بدأت بتجاوز المنتخب الألباني بثنائية نظيفة في المباراة الافتتاحية للمجموعة الحادية عشر، التي احتضنها ملعب «ويمبلي» في بداية عطلة مارس/ آذار، ثم بافتراس مولدوفا على نفس الملعب بثلاثية كانت قابلة للضعفين، لكن داخل المستطيل الأخضر، كانت هناك علامات استفهام حول الأداء الفردي لبعض اللاعبين، وأيضا على جودة المنظومة الجماعية، بما في ذلك ما كان يفقتر إليه منتخب مهد كرة القدم تحت قيادة عراّبه السابق غاريث ساوثغيت، من إبداع وشغف وهوية وأسلوب لعب واضح، وباقي المصطلحات التي استخدمها توخيل نفسه في تحليله لأداء المنتخب الإنكليزي في نهائيات كأس الأمم الأوروبية الأخيرة التي أقيمت في بلاده، وخسرها منتخبه الحالي أمام نظيره الإسباني في المباراة النهائي، ولو أن هذا لا يعني بالضرورة، أن مدرب تشيلسي الأسبق، لم يخرج بالكثير من الدروس المستفادة في أول معسكر في مشروعه الجديد، وفي هذا التقرير دعونا نسلط الضوء على الدروس التي استخلصها المدرب الجديد في مهمة رسمية مع الإنكليز.
كاين والاكتشاف
لا يُخفى على أحد، أن أمير توتنهام السابق وبايرن ميونيخ الحالي هاري كاين، كان قد تعرض لموجة جديدة من الانتقادات اللاذعة، وصلت لحد وصفه من قبل بعض الصحف والمواقع الرياضية بـ«أكبر عقبة» للمنتخب، لكن كما جرت العادة، سرعان ما تكفل صاحب الـ31 عاما، بحق الرد والدفاع عن نفسه، بتسجيل هدفين في أول مباراتين تحت قيادة توخيل، ليصل إلى هدفه الدولي رقم 71 في 105 مباراة بقميص المنتخب على مدار عقد من الزمان، مؤكدا أن صحوته الأخيرة مع الزعيم البافاري ليست من قبل الصدفة، حيث وقع على 10 أهداف من مشاركته في 11 مباراة في دوري الأبطال، بالإضافة إلى 21 هدفا يتصدر بهم قائمة هدافي الدوري الألماني هذا الموسم، وقبل هذا وذاك، تمكن من هز شباك خصوم منتخب بلاده تسع مرات في آخر 16 مباراة دولية، دليلا على تأثيره الكبير على نتائج المنتخب، في ظل غياب الأسماء التي تملك من الجودة والخبرة ما يكفي لمنافسته على مكان في التشكيل الأساسي أو حتى على مقاعد البدلاء، فيما يمكن اعتباره بمثابة الدرس الأول الذي خرج به توخيل من أول مباراتين، وهو أن هاري كاين، ما زال الخيار رقم 1 في خط الهجوم حتى إشعار آخر، أو على أقل تقدير إلى أن يجد جديد في الأشهر الخمسة عشر المتبقية على الرحلة المتجهة إلى أمريكا الشمالية في صيفية العام المقبل، أما اكتشاف توخيل الحقيقي في أول مباراتين، والذي أثار إعجاب الكثير من النقاد والمتابعين، هو رهانه على خريج أكاديمية آرسنال مايلز لويس سكيلي في مركز الظهير الأيسر في طريقة 3-4-3 ومشتقاتها، بالرغم من أن مركزه الأصلي في وسط الملعب.
واعتقد البعض أن المدرب الألماني، خاطر بإشراك صاحب الـ18 عاما، الذي خاض 14 مباراة مع ناديه اللندني في البريميرليغ، في مركز الظهير الأيسر، لكن الظروف القهرية التي خلطت أوراق المدرب قبل الاستقرار على القائمة النهائية لأول مباراتين في التصفيات، بتجدد معاناة الزجاجي لوك شاو مع لعنة الإصابة، ومعه أيضا ظهير نيوكاسل يونايتد لويس هال، أجبرته على ضرورة التفكير خارج الصندوق، فكان له ما أراد، بإخراج أفضل ما لدى سكيلي في بدايته السلسة للغاية أمام ألبانيا في قلب قبلة كرة القدم، ما اعتبرت على نطاق واسع أشبه بشهادة ميلاد اللاعب مع منتخب بلاده، وفي رواية أخرى الحل السحري الذي سيخلص المدرب الألماني من كابوس مركز الظهير الأيسر، الذي كان يمثل «مشكلة مزمنة» بالنسبة للمدرب السابق غاريث ساوثغيت، وهذا باعتراف مدرب بايرن ميونيخ السابق، الذي وصف مراهق آرسنال بـ«اللاعب المذهل» و«الشخصية المذهلة»، وذلك في رده على سؤال أحد الصحافيين حول أداء سكيلي، قائلا «لقد كان مذهلا في المعسكر التدريبي. إنه يمتلك ثقة لا حدود لها في نفسه، ويتميز بروح الدعابة، ولديه شخصية متفتحة وناضج، لا يختلف أداؤه الرائع داخل الملعب عن أدائه خارجه. لقد انخرط وسط المجموعة على الفور، وهو أمر مثير للإعجاب للغاية. إنه يتصرف بشكل تلقائي ويمتلك ثقة كبيرة في نفسه، وهذه هي طريقته في لعب كرة القدم، لقد قدم أداء رائعا، مليئاً بالشجاعة والجودة، بل وأكثر من ذلك، بفضل ركضه السريع خلف خط الدفاع، وقدرته على حسم نتيجة هذه المباراة لصالحنا».
من مباراة لأخرى مع ريال مدريد، يثبت الفتى الإنكليزي جود بيلينغهام، أنه واحد من أفضل لاعبي العالم في الوقت الراهن، كلاعب يجمع بين الكاريزما والحضور القوي وبين الموهبة المتفجرة في وسط الملعب، ويظهر ذلك بوضوح في قيادته وتأثيره على لاعبين أكبر منه سنا وأكثر منه شهرة، مثل مشاهد تعنيف زميله البرازيلي فينيسيوس جونيور وبدرجة أقل الميغا ستار الفرنسي كيليان مبابي، لكن مع منتخب بلاده، عادة ما تتحول رغبته الجامحة وهوسه بالوصول إلى قمة هرم النجاح في مسيرته الكروية في سن مبكرة، إلى نقطة سلبية أثناء دفاعه عن ألوان منتخب بلادي، وأحيانا ما تؤذي مصلحة الجماعة، بتلك الطريقة التي أجبر خلالها مدربه توماس توخيل لاستبداله في الشوط الثاني أمام لاتفيا، وتحديدا بعد دقائق من نجاته من البطاقة الحمراء المؤكدة، إثر اعتراضه بشدة على قرار الحكم باحتساب مخالفة ضده بعد تدخله المتهور على لاعب المنافس رايفيس جوركوفسكيس، في لقطة كان يستحق عليها البطاقة الصفراء الثانية، ومن ثم مغادرة الملعب وإلزام منتخبه على استكمال المباراة بعشرة لاعبين، في وقت كانت تشير النتيجة إلى تقدم المنتخب الإنكليزي بهدف نظيف، ولهذا اعترف توخيل صراحة في حديثه مع الإعلاميين بعد المباراة أن منتخبه «كان محظوظا للغاية» بقرار الحكم، بالتغاضي عن طرد نجم ريال مدريد، قائلا: «كانت البطاقة الحمراء ستقلب المباراة رأسا على عقب، لذلك قررنا إخراجه على الفور. لم أرد المخاطرة»، كمؤشر أو علامة على أن صاحب الـ21 عاما، في طريقة ليكون مصدر قلق، إن لم يكن قد تحول بالفعل إلى مصدر قلق، والأمل أن يتحدث معه المدرب بشأن سلوكه العدواني، حتى لا تكون العواقب الوخيمة في قادم المواعيد، بالأحرى عندما يلعب تحت ضغوط جماهيرية وإعلامية أكبر أمام خصوم أقوياء سواء من القارة البيضاء أو أحد عمالقة أمريكا الجنوبية، والعكس بالنسبة للمدافع إزري كونسا، الذي عبر عن نفسه كما ينبغي في أول مباراتين تحت قيادة المدرب الجديد، وفي غياب أصحاب الخبرات العريضة أمثال جون ستونز وهاري ماغواير بداعي الإصابة، إلى جانب تجاهل مدافع إيفرتون غاراد برانثويت لأسباب فنية، مقارنة مثلا بأداء مارك غويهي، الذي خيب الآمال نوعا ما، بهفواته الغريبة في المباراة الثانية أمام لاتفيا، وبطبيعة الحال، إذا حافظ نجم أستون فيلا على مستواه التصاعدي في «الفيلا بارك» ومعدلاته البدنية الرائعة، فبنسبة كبيرة، سيكون من الأسماء المفضلة في تشكيل توخيل الأساسي في المرحلة القادمة، أو على الأقل بديل على نفس مستوى وكفاءة الأساسيين وأصحاب الخبرات الدولية الكبيرة.
الشريك والخاسرون
وشملت مكاسب توخيل في أول مباراتين، ما وصفت بالشراكة المذهلة التي شكلها عملاق نيوكاسل يونايتد دان بيرن برفقة إزري كونسا في قلب الدفاع، كأفضل مكافأة بعد مساهمته في قيادة جيوش المدينة للفوز على ليفربول في المباراة النهائية لكأس الرابطة، والمثير أنه سجل حضوره الأول بقميص منتخب بلاده بعمر 32 عاما، كأول لاعب يفعلها منذ العام 2010، لكن بالنظر إلى الخاسرين، أو بعبارة أخرى أكثر صراحة «أكثر من خيبوا الآمال»، سنجد في مقدمتهم جناح مانشستر سيتي فل فودن، الذي أخفق في استغلال الفرصة التي قد لا تأتي إليه في المرحلة القادمة، بغياب بوكايو ساكا وكول بالمر بداعي الإصابة، وتجلى ذلك في ظهوره الباهت أمام ألبانيا، رغم اعتماد توخيل عليه في مركز الجناح الأيمن، مستكملا عروضه المتواضعة هذا الموسم سواء مع ناديه السكاي بلوز أو منتخب بلاده، وبدرجة أقل العائد من الموت الكروي ماركوس راشفورد، الذي حاول قدر المستطاع استقبال تمريرات بيليغهام خلف المدافعين، بجانب تحركاته ونشاطه بوجه عام في الثلث الأخير من الملعب، عكس فودين، الذي بالكاد لم يشعر أحد بغيابه في المباراة الثانية، مع ظهور جارود بوين بمستوى أفضل من فودن، وهذا يفسر انتقاد المدرب للثنائي راشفورد وفودن، بقوله «نأمل في تأثير أكبر في هذه المراكز. المزيد من المراوغات والاختراقات الهجومية نحو منطقة الجزاء. بشكل عام، كان ذلك مفقودا. تأتي الفرص من التحركات الصغيرة خلف الدفاع، وهذا ما كان ينقصنا. لم يكونوا حاسمين كما يجب أن يكونوا»، لكن مع عودة ساكا وبالمر في قادم المواعيد، بنسبة كبير سيجد توخيل ما يبحث عنه في الثلث الأخير من الملعب، كجزء من طموحه المشروع، بتحويل المنتخب الإنكليزي من مدرسة محافظة تميل إلى الجُبن الكروي إلى قوة هائلة تتماشى مع لقب الأسود الثلاثة، وبالتبعية يحقق الهدف المنشود بإنهاء عقود الجفاف والحرمان من الألقاب الكبرى منذ آخر تتويج بالمونديال في منتصف حقبة ستينات القرن الماضي.