ماذا تقدم العمارة والمدينة العربيين الى العالم؟

حجم الخط
0

د. وليد أحمد السيد

هذا سؤال طرحته الدكتورة مريم يونس من الهابيتات في المؤتمر المنعقد من 7 9 ايار/مايو 2012 في مدينة الكويت، وهو المؤتمر الدولي الأول الذي ينظم بالتعاون مع الهابيتات وحكومة الكويت. وفي الحقيقة كان طرح السؤال حول المدينة العربية تحديدا وبشكل ‘يكاد يكون استفزازيا’ تحفيزيا. فالدكتورة مريم كأحد الراعين الأساسيين للمنتدى الحضري العالمي أو (World Urban Forum) طرحت التساؤل من باب ‘تحفيز المؤتمرين’ في ختام أعمال المؤتمر وبعد جلساته التي طرحت قضايا البيئة والتحول البيئي والمناخي والاسكان المنظم والعشوائي ودور انظمة الحكم البلدية في التحكم في مشروعات الحفاظ والتطوير، وكذلك من أجل بلورة فكرة واضحة من الداعمين لتوجهات المدينة العربية وفكرتها قبل التوجه للمشاركة في المنتدى السادس المزمع عقده نهاية العام.

في التساؤل العديد من التلميحات الظاهرة والباطنة. فهو يشير باطنا إلى الكثير من التخبط في سياسات الإدارة التي تعاني منها المدن العربية وكذلك إلى النزعات المتجاذبة بين عوامل التراث وبين الحداثة. كما يشير بقوة إلى مسألة هوية العمارة|المدينة العربية وبوصلتها التي يجب أن تعلنها بوضوح في مطلع الألفية الثالثة وضمن أطر العولمة، هل تريد أن تكون نموذجا تتصارع فيه قوى التراث مع المعاصرة في مختلف المجالات والطبقات؟ أم هل تعمل الإدارات المتعاقبة، وليس الإدارة الواحدة كما تفضح معطيات الواقع، على تطوير بيئات عمرانية تنتمي لمدرسة التراث والأصالة وبخاصة مع تنامي التوجهات العمرانية في الكثير من المدن العربية التي راحت تواكب الحداثة وعلا وجهها شبكات ‘اخطبوطية’ من الطرقات السريعة التي باتت تحيلها لمدن ‘كوزموبوليتان’ تتناثر فيها الخطط الفيزيائية العمرانية كما تناثرت فيها المنظومة الاجتماعية وتقطعت، وغدت أشبه ما تكون ‘بالقرية العالمية’ التي تعتمد أنماط الاستهلاك والتجاور المجتمعي لمغتربين لا يكاد قاطن منهم يعرف الآخر؟ أم هل هناك ثمة خطط وسياسات منهجية تحكم وتيرة النمو والتطور في ملامح العمارة المدينة العربية، أم أن التطوير ومشاريع النمو غير مضبوطة بسياسات استشرافية، وتسير خبط عشواء وبمعزل عن أية خطط مرحلية للتخطيط المنظم الذي تحكمه ضوابط ومعايير تستقرئ الواقع وتمهد له قراءت وحوار مستمر ضمن أسس اقتصادية وديموغرافية ونقل ومواصلات ومنظومات اجتماعية وسياسية، لا تعمل فقط على تغيير الواقع الحسي والفضاء العمراني ولكن تجترح حلولا عبقرية للبيئات المتعددة التي يحويها فضاء العمارة والمدينة العربية؟ سؤال طويل وشائك ومتشعب كما هو واقع حال العمارة والتصميم والتخطيط الحضري والبيئة، وبخاصة مع توجه العالم المعاصر لتوظيف مفاهيم الإستدامة والعمارة الخضراء الصديقة للبيئة، ناهيك عن المفاهيم الكلاسيكية لتخطيط المدن، لكن هذا السؤال بات يطالع كل الجالسين على طاولة الحوار الأكاديمي والمهني في المنتديات والمؤتمرات، وهو سؤال ينبثق من رحم النقد والتحليل ومراجعات علاقة الذات بالذات قبل الآخر.

وفي نفس الوقت قد يبدو السؤال غير ذي ارتباطات فعلية، فقد يقول قائل بأن العمارة عموما هي ظرفية تخضع لمعادلات متغيرة بها منظومات من المكان والزمان و’البيئات’، وليس البيئة الواحدة، التي تزوغ عن الإدراك السطحي، بما يجعل لكل ‘عمارة’ خصوصية تجعل من التقاطعات بين العمارة ‘المحلية’ والعمارة العالمية محدودة بدرجة تحيل السؤال المطروح لما يؤول للرفض أساسا. وبهذا المنطق فالعمارة العربية لها قاعدة وخصوصية تنطلق منها، وليست معنية أساسا بأن تعرّف نفسها للعالم أكثر مما تعرّف نفسها به كل أنماط العمارة الأخرى في العالم.

وقد يقفز أحد المتحمسين للعمارة والمدينة العربية، وبخاصة في مضمونها الإسلامي، أو ما يعرف في أدبيات وخطاب العمارة العربية بما يسمى ‘بالمدينة الإسلامية’ ليستعرض بمداخلة مطولة ‘مجد’ المدينة العربية الكلاسيكية، في المدن التقليدية، المحدودة ظرفا وزمانا ومكانا ومن نواحي فيزيائية وديموغرافية، ليحاضر في المستمعين والحاضرين في ‘الأسس’ والآليات التي قامت عليها تلك المدن، ليمد هذه الأسس والآليات، التي قد يربطها بالتشريع الإسلامي، لمحاولة جسر الهوة بين الماضي وبين الحاضر المتناقضين جوهرا ومضمونا وشكلا – في أحسن الأحوال، أو يتبنى النموذج الكلاسيكي، قلبا وقالبا، ليمده لينوب عن الحاضر والمستقبل، ضاربا بعرض الحائط أية محاولة لقراءة الحاضر بمعطياته. وأيا كان الموقف من مثل هذه المداخلات، التي تحفل بها أدبيات الخطاب الأكاديمي الكلاسيكي في مرحلة السبعينيات والثمانينيات، وهي ‘مرحلة تجاوزها العالم العربي’، قبل الغربي، بحسب تعبير أحد الزملاء من جامعة بيركلي بكاليفورنيا، وهو من أحد منظري الخطاب النقدي في تحليل المدينة العربية والأسس التي قامت عليها فلا يمكن الوقوف طويلا عند هذه القراءات لوحدها ولا بد من وقفة جماعية لمراجعة الماضي والحاضر واستشراف المستقبل. وهذه الوقفة، او الوقفات، لا بد أن تكون منوطة بمجلس تخطيطي على مستوى الوطن العربي، وكما اقترح احد المؤتمرين في البيان الختامي للندوة بضرورة تشكيل هيئة تخطيطية عليا على مستوى الوطن العربي مهمتها تشريعية ونظرية فلسفية قبل أن تنبثق عنها أية لجان اقليمية لها أية صفة تنفيذية أو مراقبية.

ومن هنا، ومن ناحية أخرى يثير التساؤل الرئيس تساؤلات أخرى نوعية في هوية الجهة والمؤسسة التي تطرح أسئلة بهذا الحجم والوزن، في غياب ‘هيئة’ ترصد وتنقد وتراقب بوصلة العمارة العربية ومتعلقات وإشكالات الهوية والتغريب، وسؤال الثقافة ومساجلات التراث والأصالة في مقابل عوامل وتداعيات الحداثة. وبهذا المعنى، ولأن طرح السؤال جاء على خلفية العروض التي تم تقديمها من قبل الباحثين والأكاديميين والمهنيين لدراسات وأبحاث وقراءات لواقع العمارة العربية في ضوء الإدارات المحلية، والتي أظهرت بوضوح تضارب السياسات وأنظمة الإدارات المحلية في ضبط إيقاع المدن العربية موقع المناقشة. فمن ناحية تبدو سياسات التطوير في الكثير من المدن العربية ‘غير تراكمية’ حيث تتعاقب، وتتضارب وتتناسخ، سياسات التطوير، بما يحيل الكثير من المشاريع لعمليات استقطاب ‘إداري’ غالبا ما ينتهي بها المطاف إلى الكواليس المعتمة والأدراج وأرفف المكاتب المغلقة فيما تمتلئ أرصدة متنفذين في صناعة القرار وشبكة من المستفيدين من القرارات التخطيطية الارتجالية والبراغماتية، وهو ما يفتح المجال للنقطة التالية.

فهناك موضوع مسكوت عنه لم تتطرق له أيا من الأوراق المقدمة، فضلا عن أن تداوله، قبل ما يسمى ‘بالربيع العربي’ والهبة الشعبية العربي لاسترداد الحقوق العامة والملكيات الشعبية الضائعة في مقابل تغول ‘الكراسي’ على المال العام وموارد الامة هو موضوع الفساد. وبرغم أن مسألة ‘تسييس’ العمارة هي أمر يتجنب الخوض فيه معظم المعماريين والمخططين، ونقصد هنا ‘بتسييس العمارة’ ربطها بنقد صناعة القرار ومساءلة العلاقة ‘الأبوية’السلطوية’ غير المتكافئة بين الساسة ومن بيدهم مقاليد المال العام من جهة وبين ميزانيات مشاريع التطوير. تسييس العمارة بهذا المعنى كان ويظل جانبا يكاد يحرم الكلام فيه، فخيوطه متشعبة ومتشابكة وتصل وتنتهي في الغالب، بشبهات الفساد التي ترتبط بها، إلى دوائر عالية، ومافيات من صناعة القرار لا تتيح للنقد أو المحاسبة أو المساءلة بمنظور النقد المعماري من محاولة الربط بين فشل الإدارة في مشاريع التطوير وبين منظومات الفساد ومافيات التغول على المال العام وهي أخطر ما يهدد مستقبل المدن العربية التي تعاني من مشاكل غير مسبوقة من الإزدحام والإكتظاظ والبطالة وضعف النمو وغياب أطر التنمية التي تستشرف المستقبل.

والسؤال الأساسي يثير الكثير من التساؤلات الفرعية لكن تظل الإجابة عنه برسم التفكير والسجال. وقد يكون ذات السؤال وغيره من المحاور الأساسية التي ستثار في الإجتماع السنوي الأول لهيئة نقاد العمارة العربية، الذي سيعقد في 9 يوليو بلندن في جامعة لندن، بحضور أساتذة ومفكرين وأكاديميين وباحثين عرب من مختلف جامعات العالم بالإضافة لأعضاء الهيئة التأسيسية. وهيئة نقاد العمارة العربية هي مبادرة غير مسبوقة في تاريخ العمارة العربية الحديث للجلوس على طاولة البحث، قام على انشائها وتأسيسها بلندن في 17 سبتمبر 2012 الصديق المعماري مشاري بن عبد الله النعيم، أستاذ النقد المعماري بجامعة الدمام وكاتب هذه السطور، وبمشاركة العديد من الأكاديميين والباحثين والمعماريين المهتمين بتطوير العمارة وتأطير النقد المعماري وتفعيل الإطار الثقافي العام الذي تتحرك فيه العمارة العربية وضمن إحداثياته وبما يحدد البوصلة التي تستشرف آفاق المستقبل مع استخلاص دروس الماضي، وبالطبع قراءة الواقع قراءة تأملية نقدية تحليلية.

في معرض الرد على السؤال، بما يسمح به وقت الجلسة الختامية للمؤتمر، جاءت الإجابة أننا في الوقت الحاضر لا نتكلم عن ‘مدينة’ عربية واحدة كإسم ‘جنس’، بل يمكن القول أنها مدن عربية متعددة تتدرج في طواعيتها لعوامل التراث والتغريب بدرجات متفاوتة. ومن هنا يصعب القول أن هناك ‘نموذجا’ واحدا للمدينة العربية يمكن ‘طيّه’ وحمله والذهاب به للمنتدى السادس بإيطاليا والتباهي به أمام العالم. هذا لم يكن مطلقا الحال في واقع العمارة ربما خلال التاريخ. ما يمكن قوله أن المدينة العربية تحوي الكثير من الثراء الضمني الذي يمكن البحث في أطره لاستخلاص أرضية يمكن الإنطلاق منها. لكن ذلك كله مرهون بالعقلية السياسية وطبيعة إدارة المدينة التي تتحكم بدفة الفكر الذي يمكن أن تنطلق له وجهة المدينة بطابعها الحسي وتنظيمها وانعكاس ذلك كله على رؤية أهلها للماضي وعلاقته بالحاضر والمستقبل. فالمدينة لم تعد ذلك ‘الفضاء’ الفيزيائي المحدود الذي يمكن خلاله تقنين وقولبة، وربما تحجيم وحجب الداخل عن الخارج، ما يحدث في الواقع هو تداخل غير محدود مرئي ولا مرئي بين المدن، ناهيك عن الثقافات، حيث باتت المدن مسرحا للتعددية الإثنية والثقافية.

من هنا فنقطة الإرتكاز الأساسية التي يمكن البحث فيها في هوية المدينة العربية، وهو ما أكد عليه كاتب هذه السطور في معرض الإجابة، هي البوصلة المرجعية ونقطة التلاقي والقاسم المشترك بين ‘المدن العربية’ على امتدادها الجغرافي وهي الإنتماء ‘التراثي’ والثقافي الواحد، والنابع من خصوصية الدين واللغة والعادات والتقاليد والأعراف المجتمعية الأصيلة، والتي بالرجوع لها كنقاط إسناد مرجعية يمكن البدء في حل سؤال الهوية وتفكيك معادلة التراث والحداثة لبلورة المقياس الذي يمكن أن يشكل نقطة العودة والتحكم في نقاط الإبتعاد عن المركز الذي سجلته بعض المدن العربية التي سجلت شأوا بعيدا مفرطا في الحداثة والتغريب.

النقطة الختامية لهذه السطور وبعد هذه الخطوط العريضة التي ترسم ملامح السؤال قبل أن تطرح أية إجابات، هي ضرورة الإنخراط الفاعل في حوار ونقاش وجدل ومداخلات مستمرة مع الذات أولا، في الندوات المتخصصة والمؤتمرات والمحافل العالمية والمحلية والإقليمية، ومع الآخر، في المنتديات العالمية حيث تتقاطع الأفكار والخبرات والتجارب والدروس التي يمكن أو تستفاد من ‘المدن’ والعمارة كأسماء ‘جنس’ تنتمي للثقافة العالمية التي تؤطرها الخبرة والريادة والبحث المستمر في العلوم التي أنزلها الخالق للبشرية والتي بها تسمو أمم باحثة مجدة على أمم راقدة تتغنى بماضيها وترفض الآخر قلبا وقالبا. ومن هنا كان تأسيس هيئة نقاد العمارة العربية والسعي نحو انعقاد اجتماعها السنوي الأول في لندن في التاسع من يوليو هذا الصيف، هو خطوة أولى على طريق عهد واعد، يؤسس للحوار والنقد، بعيدا عن التمحور حول شخوص سادت فضاء العمارة العربية وأدبياتها لعقود وقدمت لأمجادها الشخصية أكثر مما قدمت لمناهج العمارة وأسس البحث فيها ونقدها وتأسيس المنهج وتقعيد النقد هما من أهداف هيئة نقاد العمارة العربية السامية وما ترنو إليه!

لندن في 21 مايو 2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية