لندن ـ «القدس العربي»: بصرف النظر عن الفوز المسكن الذي تحقق على حساب بنفيكا في الجولة الأخيرة لدوري أبطال أوروبا وما سيحدث أمام ليفربول في المباراة التي تُقام وقت كتابة هذه الكلمات، تتفق الأغلبية الكاسحة من جماهير تشلسي، على أن الأمور لا تسير على ما يرام منذ بداية الموسم الجديد، أو كما يُقال على نطاق واسع في وسائل الإعلام ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي، بأن البلوز يسير بسرعة الصاروخ إلى الوراء، على عكس أغلب التوقعات في فترة ما قبل الموسم، بأن فخر عاصمة الضباب سيعود للمنافسة بكل قوة وشراسة على لقب البريميرليغ وباقي الألقاب المحلية، بعد الصحوة المتأخرة في نهاية الموسم الماضي، التي أسفرت عن تتويج المدرب إنزو ماريسكا ورجاله بلقب كأس العالم للأندية، بانتصار مدو على حساب بطل دوري أبطال أوروبا باريس سان جيرمان وصل قوامه لثلاثية نظيفة في نهائي المونديال الأمريكي، وسبقها خطف كأس المؤتمر الأوروبي، كما أنهى موسم البريميرليغ ضمن المراكز المؤهلة للكأس ذات الأذنين، لكن على أرض الواقع، يبدو وكأن بطل العالم ما زال بعيدا أو غير مؤهل بعد لمزاحمة ليفربول وآرسنال ومانشستر سيتي على لقب البريميرليغ، والأمر لا يتعلق فقط بالنتائج المخيبة لآمال المشجعين في أول 6 جولات، بل أيضا بعلامات الاستفهام الكثيرة حول التراجع المخيف في أداء الفريق مقارنة بالنسخة الرنانة التي كان عليها في بلاد العم سام في بداية الصيف، وهذا التقرير سيسلط الضوء على الأسباب الجوهرية وراء البداية الخجولة للأسود اللندنية.
صداع الدفاع
بعد السقوط المؤلم أمام برايتون بنتيجة 3-1 في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، والذي جاء بعد أسبوع من الهزيمة أمام الكبير الغريق مانشستر يونايتد بهدف مقابل اثنين، قالت صحيفة «ذا صن» في تقرير خاص، إن أصحاب القميص الأزرق، يعانون من أزمة لا يُستهان بها على مستوى الدفاع، على خلفية الانتكاسة التي ألمت بالمدافع الأول ليفي كولويل، وبسببها اضطر المدرب الإيطالي للاعتماد على الثنائي توسون أدارابايو القادم من فولهام، وتريفو تشالوبا، الذي حاولت الإدارة نفسها التخلص منه سابقا، وعلى ما يبدو أن هذه المحاولة، أثرت بشكل سلبي على معنوياته، أو على أقل تقدير أفقدته الكثير من ثقته بنفسه، ليستمر في ارتكاب هكذا هفوات مثل التي كلفته الطرد أمام برايتون، وما زاد الطين بلة، أنه بعد إصابة توسون، أجبر المدرب ماريسكا على الاعتماد على الثنائي الشاب جوش أتشيامبونغ ويوريل هاتو في المباراة الأخيرة، في ما يمكن اعتباره ظاهريا أشبه بالحالة الاضطرارية، سواء مع لعنة الإصابات أو الأخطاء الفردية التي سنعود للحديث عنها لاحقا، لكن كلمة السر تكمن في إشكالية النقص العددي الحاد على مركز قلب الدفاع، ولعل جماهير النادي تتذكر التصريحات التي أدلى بها ماريسكا بعد التأكد من غياب كولويل لفترة طويلة، حين أشار إلى حاجة الفريق إلى بديل على نفس الجودة والكفاءة، قبل أن يتراجع عن تلك التصريحات في وقت لاحق، ربما جاءت تحت ضغوط من الإدارة الأمريكية المستحوذة على «ستامفورد بريدج»، وربما لاقتناعه بأن البريق المونديالي سيمتد لفترة طويلة، لكن الشيء المؤكد أن الفريق بدأ يدفع ثمن الاستهانة بملف المدافع السوبر في الميركاتو الصيفي الأخير، على عكس عدو الشمال آرسنال، الذي عزز كتيبته الدفاعية بضم بيرو هينكابي وقبله كريستيان موسكيرا من خفافيش فالنسيا، برفقة الحرس القديم ساليبا وغابرييل وكالافيوري وتيمبر، تجسيدا للمعنى الحرفي للجودة العالية والعمق اللازمين في خط دفاع الفريق الذي يبحث عن المنافسة أو الفوز بلقب البريميرليغ، لكن بالنسبة لتشلسي، فلا يملك الجودة الكافية على مستوى خط الدفاع، أو في أضعف الإيمان وضعه على مسافة قريبة من دفاع الثلاثي الطامع في البريميرليغ هذا الموسم، بالرغم من الاستثمارات الضخمة في مراكز أخرى.
الحارس وبالمر
مشكلة أخرى يعاني منها المدرب إنزو ماريسكا في الآونة الأخرى، وتكمن في علامات الاستفهام الكثيرة حول أداء الحارس روبرت سانشيز، الذي يجسد حالة الفريق بأكمله في الأشهر القليلة الماضية، فكما وصل إلى قمة مستواه مع الجميع في الأمتار الأخيرة للموسم الماضي، يعيش الآن أتعس أوقاته في «ستامفورد بريدج»، وذلك من قبل حتى الهفوة العجيبة التي ارتكبها أمام الشياطين الحمر، وعلى إثرها تم طرده من قمة «أولد ترافورد» في الدقائق الأولى، ولو أن طرده في تلك الليلة، أعاد فتح الباب على مصراعيه حول مستوى حراسة المرمى في البلوز في السنوات القليلة الماضية، وسط مطالبات بأن تقوم الإدارة بصفقة تتماشى مع جودة المشروع وطموحات الفريق في العودة إلى ما كان عليه في حقبة طيب الذكر رومان آبراموفيتش، على اعتبار أنه من السمات الأساسية في شخصية البلوز في الألفية الجديدة، أن يكون لديه واحد من 3 لـ5 أفضل حراس مرمى في العالم، على غرار الأسطورة بيتر تشيك والاخطبوط البلجيكي تيبو كورتوا، حتى في فترة إدوارد ميندي القصيرة، ظهر خلالها في أفضل مستوياته على الإطلاق، خاصة في موسمه الأول الذي لعب فيه دورا مهما في تتويج الفريق بالأميرة الأوروبية الثانية في تاريخه على حساب مانشستر سيتي، وآنذاك كان يُصنف الحارس السنغالي كواحد من حراس الصفوة في البريميرليغ والدوريات الأوروبية الكبرى.
وهي الميزة التي يفتقدها الفريق في الوقت الحالي، هذا بخلاف الشكوك التي تُثار مؤخرا حول فلسفة المدرب وإستراتيجيته الهجومية، من باب أن الفريق لم يتقدم إلى الأمام خطوة واحدة، أو بالأحرى لم يتحسن كثيرا عن فترة المدرب السابق ماوريسيو بوتشيتينو، حين كان يُطلق على تشلسي «فريق كول بالمر»، لتأثيره الكبير في صحوة الفريق المتأخرة في موسمه الأول في «ستامفورد بريدج» بعد قدومه من مانشستر سيتي في صفقة تخطت حاجز الـ50 مليون جنيه إسترليني، والآن وبالرغم من الوفرة العددية على مستوى المواهب الواعدة وأصحاب الحلول الفردية الاستثنائية من نوعية إستيفاو وبيدرو نيتو وليام ديلاب وغارناتشو وجيمي غيتينز، إلا أن إصابة الفتى الإنكليزي الأخيرة، كشفت بما لا يدع أي مجال للشك، أنه يمثل أكثر من 60 لـ70% من القوة الضاربة في خط الهجوم، وما ضاعف من ورطة ماريسكا، تلك الانتكاسة السيئة التي تعرض لها ليام ديلاب، وعلى إثرها سيغيب عن الملاعب لفترة ليست بالقصيرة، ما عجل بانكشاف التشققات والضعف الكبير في خط الهجوم، تارة لعدم قدرة إستيفاو على تحمل الضغوط الإعلامية والجماهيرية لتعويض غياب بالمر، وتارة لتأثر جواو بيدرو، بسفره إلى مرتفعات بوليفيا في التوقف الدولي، ما جعله يبدو وكأنه فاقدا للحيوية في الآونة الأخيرة، مقارنة بالنسخة المشرقة التي كان عليها في بداية الموسم، حتى بيدرو نيتو، ما زال بعيدا عن مستواه والإيجابية المعروفة عنه في الثلث الأخير من الملعب، شأنه شأن غيتينز وغارناتشو، اللذين كلفا الخزينة ما يزيد على 90 مليون إسترليني، لكن حتى الآن لم يقدم أي منهما أوراق اعتماده، بصناعة الفارق والتأثير الذي يغير المعادلة على طريقة كفاراتسخيليا بعد انتقاله من نابولي إلى باريس سان جيرمان في الشتاء الماضي.
ضريبة المونديال
كل ما سبق أدى إلى الخلل الذي جعل تشلسي يظهر في صورة الفريق الذي يعتمد على اللحظات الفردية لنجومه، وليس على منظومة هجومية أو أفكار تكتيكية جماعية متفق عليها مع المدرب، والدليل على ذلك أن الجماهير تشعر وكأن الفريق يكافح من أجل هز شباك الخصوم، أو بلغة كرة القدم «الأهداف تأتي بصعوبة وبشق الأنفس»، حتى انتصاراته الماضية على حساب كريستال بالاس وفولهام وبنفيكا، وصفتها الجماهير بـ«الانتصارات المسكنة»، كونها لم تعبر عن قوة الفريق، وهو ما أعاد التساؤلات حول مئات الملايين التي أنفقتها الإدارة لبناء هذا المشروع، مع استمرار مأساة البلوز مع البدايات الصعبة، التي تكلفه الخروج المبكر من دائرة المنافسة على اللقب، وذلك في الوقت الذي كان يحلم فيه الجميع في الحي الغربي بعودة الأمور إلى نصابها الصحيح، بفضل الدفعة المعنوية الهائلة التي تحصل عليها ماريسكا ورجاله بعد معانقة كأس العالم للأندية، قبل أن تتحول هذه الأحلام إلى كوابيس في الأسابيع القليلة الماضية، كضريبة للإرهاق البدني والنفسي على اللاعبين، بعد رحلات السفر الطويلة منذ يونيو/ حزيران الماضي وحتى هذه اللحظة، مع تلاحم المباريات الدولية للمنتخبات بالتزامن ضغط جدول مباريات الأندية الأوروبية على المستوى المحلي وفي المسابقات القارية، وهذا يفسر تفشي فيروس الإصابات في غرفة خلع الملابس أكثر من أي وقت مضى، والأسوأ على الإطلاق، ما يُعرف بالإرهاق الذهني، الذي يدفع اللاعبين لاتخاذ قرارات كارثية، مثل سلسلة البطاقات الحمراء أمام مانشستر يونايتد وبرايتون وبنفيكا، والتي كان قد استهلها نيكولاس جاكسون بطرده مرتين أمام نيوكاسل وفلامنغو في نهاية الموسم الماضي، فهل يا ترى سيتمكن إنزو ماريسكا من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح؟ أم سيكتفي بمشاهدة آرسنال ومانشستر سيتي يطاردان حامل اللقب ليفربول على صدارة البريميرليغ؟ هذا ما سيجيب عنه المدرب الإيطالي وفريقه في المرحلة القادمة.