الحوار أساسا بنية ثقافية يقوم عليها المجتمع، من هنا تأتي اهميته، يمكن للمجتمع أن يفرز حوارا دون تقبله لبنية الحوار أساسا، فيكون حوار طرشان.
ما نشهده اليوم من برامج حوارية عربية، هي من باب التكيف مع العصر المعاش دون القبول الحقيقي به كبنية ثقافية داخل المجتمع، القبول بالحوار كبنية ثقافية يستلزم التسليم بنتائجه والإقرار بها، ثم الحوار يبدأ أولا مع القريب، أي الشعوب بمعنى ان يبدأ النظام بمجتمعه أولا، نسمع ونرى حوارا عن المشرق في المغرب، وحوارا عن المغرب في المشرق، فتعميم الحوار بسطحية كعدم وجوده أساسا، تهرب الأنظمة عن مستحقاتها تجاه شعوبها بتبني الحوار في الفضائيات، حوار للتصدير فقط، بينما البنية الثقافية، توجيه من النظام وإنصات من الشعب. في المجتمع الحواري تختفي الأفضليات وراءه كفضيلة عامة وشمولية، تسمى الأنظمة ما تدعو اليه حوارا وفي الحقيقة هو حوار فاسد وشروطه فاسدة لعدم وجود المواساة والارضية التعادلية اللازمة له. الوسائل الاعلامية الحديثة هي التي دفعت بالحوار كضرورة للعصر. لا يمكن التهرب منها أو مراقبتها بالشكل السابق، ولكن عالمنا العربي حينما إستورد تكنولوجيا الإتصال وشبكاته إستخدمها كأبن غير شرعي لبنيته الثقافية طبعا التي ترفض الحوار أساسا تحت دعاوى شتى، فجعلها سطحا لقاع صلد وشكلا لجسم مشوه في داخله، فبدلا من تأثيره فيها أثرت هي فيه بأن جعلته حوارا لتأكيد مشروعية أنظمته وبخصوصية وضعها بين الأمم. عندما إفتتحت قناة الجزيزة عصر الحوار العربي، بدأ الحوار على شكل شتيمة وروح إنتقامية، لأنه أتى بعد الكارثة ولم يأت قبلها أو اثناءها، لذلك كان بنية صوتية لواقع كارثي متماسك، أتى الجميع للدوحة للحديث عن مأساتهم مع أنظمتهم، وكان تنفيسا لهم وللمشاهد العربي، الذي يستنفذ الرأي المعاكس وغيره طاقته السلبية في الليل لتعود إليه في الصباح التالي. الوضع الداخلي لكل بلد لا تمسه أجهزتها الإعلامية التابعة لها بشكل أو بآخر، لأنها ليست نابعة أساسا من بنيتها الثقافية، فمجتمع الرأي الواحد كيف ينتج رأيا معاكسا مثلا ومجتمع الرأي الحكومي كيف يصدر أكثر من رأي. فلذلك كان لابد من الثورات وتعديل البنية الثقافية وتصفية جذورها الاستبدادية، العقد السابق عقد قناة ‘الجزيرة’ كان إرهاصات لما قبل الثورة ثورة القنوات والشبكات الاتصالية. يبقى الرهان على بنية المجتمع وقدرتها على الإستفادة بشكل أو بآخر من هذه الارهاصات وما بعدها، شعوب ستتقدم وشعوب ستتأخر حسب قدرتها وشارعها وحيويته ونظامها وبصيرته، ولكن من يسرع سيصل أولا وكما أن السلحفاة كذلك ستصل ولو بعد حين ولكنها ستخسر كثيرا لأن وصولها يعني للآخرين بداية جديدة ونفس آخر وأفق جديد.
عبدالعزيز الخاطر [email protected]