ماذا ستفعل الشيوعية لو اجتاحت لبنان… ومن أزعج نوم الأغنية السياسية الجميل؟

حجم الخط
0

محمد منصور ‘أكثر من أي زمان هيدا زمانكأقرب من أي مكان… هونه مكانكحاجة تفتش عن كيان… هيدا كيانك!’ هذا الكلام ليس عن الحرية والديمقراطية التي تتضح حاجة العرب الماسة إليها يوماً بعد آخر وهم يرون هزائمهم وتقهقر نخبهم، وتجبر أنظمة حكمهم وتغول أجهزة قمعها… وهذا الكلام ليس موجهاً للشباب العربي المهمش في بلدان أممت فيها السياسة ودجنت فيها الشبيبة… وهو ليس عن فلسفة التعايش والتسامح، ولا عن الدعوة إلى عقد اجتماعي جديد… هذا الكلام هو مقطع من أغنية لخالد الهبر، أحد نجوم الأغنية السياسية البائدة في لبنان… وهو كما قال الهبر في الفيلم الذي بثته عنه قناة (الجزيرة) أخيراً: موجه إلى الحزب الشيوعي اللبناني، الذي يعتقد السيد الهبر أن هذا الزمان هو زمانه فعلاً، وأن لبنان الطائفي والمنقسم والمشتت، بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى العقيدة الشيوعية كي تطهره من أمراض التشرذم ورذائل الطائفية، ومن التبعية للإمبريالية الأمريكية، وتبث فيه روح المقاومة.

زمن الشيوعية: ضرورة أم كارثة؟ ‘ يبدو خالد الهبر في هذه الأغنية وكأنه خارج من نومة أهل الكهف… كأنه لم يشاهد عشرات الأفلام السينمائية التي هجت الشيوعية في بلدان المنشأ، وأظهرت وجهها القمعي القبيح، وجرائمها بحق الإنسان والخصوصية الفردية والحق بالحرية والاختلاف.. كأنه لم يقرأ أياً من الكتب والمذكرات والروايات التي لا تجد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال جدار برلين، إعلاماً مضجراً ينعتها بالشبهات والتبعية للإمبريالية ومعاداة الشعوب… كأنه لم ير ما خلفته الشيوعية وراءها من ركام بلدان مفككة متفاوتة المصائر والأقدار، لم تنجح الشيوعية خلال أكثر من سبعة عقود من الحكم المطلق أن تجعل منها بلداً واحداً متماسكاً، قادراً على الاستمرار والبقاء.. بل لم تستطع أن تحمي روسيا نفسها من التضخم والعجز الاقتصادي وحكم المافيات وبروز الحساسيات القومية. فإذا لم تستطع هذه الشيوعية المخلصة (بتشديد اللام طبعاً)، أن تصمد في بلدان المنشأ، وأن تستمر ليكون (هيدا زمنها) فكيف يمكن بالله عليكم أن يكون (هيدا زمنها) في لبنان؟ لم تكن الشيوعية يوماً حلاً علمانياً لأمراض الطائفية.. لأنها عادت الناس في أقدس معتقداتهم وهو: الله، وصادرت حقهم في ممارسة عباداتهم الروحية، لكنها كانت على الدوام حليفة عبادة الفرد، ونظم الديكتاتورية والشمولية، لدرجة أنها تحالفت مع أنظمة عربية سجنت مناضلين شيوعيين سنين طويلة، لم يرفع الاتحاد السوفييتي في عز مجده صوتاً للمطالبة بالإفراج عنهم، ما دامت تلك الأنظمة الاستبدادية حليفة له، وماشية في ركابه. ماذا نتذكر وماذا ننسى من فضائل شيوعية؟ الأكاذيب أم تجارة الشعارات أم تزوير إرادة الشعوب أم تحويل المساجد والكنائس في دول القوقاز إلى بارات وملاه ليلية يا أستاذ خالد الهبر.. فهل هذه هي الشيوعية التي تريدها حلا ناجعاً لأمراض لبنان الطائفية والمذهبية؟

الأغنية السياسية: امتحان الزمن القاسي ‘ على أية حال لا تبدو حال الفنان خالد الهبر الفنية بأفضل من حال الشيوعية سياسياً واجتماعياً في العالم كله.. وربما لهذا كان مناسباً أن تنسحب عبارة (هيدا زمانك) على عموم الفيلم الوثائقي الذي يروي سيرة الفنان خالد الهبر، كما فعلت كاتبة السيناريو ومخرجة الفيلم ديالا قشمر… فصورة الأغنية السياسية التي ارتبطت بسيرة الفنان الهبر وغيره في سورية ولبنان ومصر، هي صورة من عهد مضى.. عهد ازدهرت فيه الأغنية السياسية على وقع صخب الحركات اليسارية الشيوعية وما أشاعته في الأوساط الثقافية العربية من ظواهر اختلط فيها الشعاراتي بالدعائي، ثم انفض الناس من حولها، واضمحل أثرها، إلا من ذاكرة بعض الرفاق القدامى الذين مازالوا يطربون لذكريات (أيامهم البائدة) على وقع هذه الأغنية أو تلك.

طبعاً تراث الأغنية السياسية الذي نرى صورة من صوره في هذا الفيلم الوثائقي لم يخلُ من بعض الالتماعات… كأغنية (شارع الحمرا) لخالد الهبر، التي نرى فيها الملمس الواقعي لأغنية الحياة اليومية التي أبدعها سيد درويش: (يا شارع الحمرا يا شارع الألوان/ يا مصيدة القلوب وخسارة الجوعان/ يا شارع الثقافة التجار والبياعين/ الكيلو بخمسة البطاطا وبثلاثة الفنانين) لكن هذه الالتماعات النادرة في كلمات بعض الأغاني التي كان يكتبها الهبر على الأغلب، لم تتسن لها ألحان عظيمة دائماً، كما لم يقيض لها صوت قادر… فخالد الهبر مثله مثل كثير من الفنانين الذين قدموا الأغنية السياسية في فورة المد الشيوعي في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين لم يكن ذا صوت عظيم، ولم يكن حتى مؤدياً استثنائياً… وصوته الذي ليست فيه عيوب، ولا يأسرك بمزايا؛ أقرب ما يكون شبهاً بأصوات مرددي الكورس… أما المحصلة العامة لتجربته فهي كما قال أحد ضيوف هذا الفيلم: (خالد متأثر بالأغنية الفرنسية من حيث ثقل النص، وبالأغنية البرازيلية من حيث الموسيقى… وبالتجربة الرحبانية من حيث الكتابة واللحن معاً) لكن هذه المؤثرات التي تحتاج الى موهبة عظيمة كي تهضمها وتعيد إنتاجها، لم يتح لها ما تحتاجه، فبقيت مؤثرات شتى في تجربة فنية هي ابنة المرحلة السياسية أكثر منها ابنة فن قادر على البقاء في ذاكرة الأجيال والصمود في وجه الزمن، وسواء كانت الأغنية السياسية التي قدمها خالد الهبر هي: خبرية أم تحليل سياسي… وسواء اتخذت شكل الشعارات في حملها القضايا والحقائق البسيطة، وسواء اكتست بمشاعر الحب أم صخب الشعارات أم حرارة المسخرة، فإنها في كل الأحوال أغنية رفاق مناضلين يعتبرون الفن منشورا سياسياً أكثر منه كلمات عظيمة ولحناً معبراً وأداء فذاً… وبالطبع فلا زمن هذه الأغنية التي تفتقر لكثير من مقومات البقاء الفني ستعود، ولا زمن الشيوعيين سيُظلم علينا من جديد… ويمكن لبعض ضيوف الفيلم أن يقولوا برومانسية نضالية ساذجة ان خالد الهبر (عم يجرب يخلي الشيوعيين يرجعوا ليأخذوا دورهم من جديد) كما يمكن لهم أن يجلسوا في لحظة نشوة فيترنموا بتلك الأغنيات ويرقصوا على وقع معانيها، لكننا في كل الأحوال أمام حالة استعادية يائسة لفن ولى وزمن ولى… ومن أسف أن عمل المخرجة وكاتبة السيناريو ديالا قشمر، انساق وراء أوهام أغنية (هيدا زمانك) ليترجمها في وثائقي يفتقر لأي بعد تحليلي من وجهة نظر أخرى لا ترى في الفن تراث رفاق مناضلين من أعضاء حزبنا وحسب. إعلام إنكار الأزمات: الاستهانة بالحد الأدنى ‘ الإعلام الرسمي في معظم بلداننا العربية هو مجرد كورس للهتاف الأجوف في الأفراح، وتعبير حقيقي عن مفهوم الكارثة في الأزمات… يظل يكذب على نفسه وعلى الناس وعلى النظام الذي يمثله، حتى تتفاقم الأمور وتتعاظم الأخطاء، ويبلغ السيل الزبي بالناس، فيما هو غارق في نشر تصريحات التكذيب، لمصادر رسمية ضبابية الملامح ترفض الكشف عن اسمها، وتوزيع التهم على الجهات الخارجية، وعلى المصطادين في الماء العكر الذين يقدمون تبريرات وتأويلات مغرضة لأي أزمة. لم يحدث مرة أن اعترف أي إعلام رسمي بحقيقة الأوضاع على أرض الواقع… بأخطاء الحكومة أو تقصيرها أو عجزها أو استفحال الفساد في مؤسساتها، وباحتمال أن يكون ذلك هو أحد أسباب هذه الأزمة أو تلك الانتفاضة الشعبية، وليس نظريات التآمر الخارجي. الإعلام التونسي لم يشذ وللأسف عن بقية الإعلام الرسمي العربي في طريقة تعاطيه مع أحداث الانتفاضة الشعبية في منطقة سيدي بوزيد، التي امتدت إلى العاصمة التونسية على شكل مظاهرات واحتجاجات، لم تحل الرقابة الحديدية في منع تسرب أخبارها وصورها عبر الانترنت وكاميرات الهواتف النقالة وكل وسائل الاتصال التي تكسر يوماً بعد آخر قيود الرقابات، وتجعل قدرة الإعلام الرسمي على الكذب وإخفاء المعلومات وتمويه الحقائق، أصعب وأكثر كلفة. نأمل أن يجتمع وزراء الإعلام العرب ليضعوا ميثاق شرف يلزم الإعلام الرسمي العربي بحد أدنى (لا نطمع بأكثر من الحد الأدنى) من الموضوعية في تغطية الأزمات المحلية التي قد تعصف بهذا البلد العربي أو ذاك لسبب أو لآخر… لأن أحداث سيدي بوزيد كشفت أن هذا الإعلام يزداد عقماً وتكلساً وبعداً عن مشاهديه، وعن سماع صوت الشعب الذي يفترض أن يمثله، والإصغاء إلى نداءاته في المطالبة بالحياة الحرة الكريمة التي لا تأكل فيها البطالة أحلام الشباب، وتسد في وجوههم منافذ الأمل والحياة.

ناقد فني من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية