لندن ـ «القدس العربي»: صدم نادي النصر السعودي عالم كرة القدم، بإعلان توصله إلى اتفاق مع الأسطورة كريستيانو رونالدو، بموجبه أصبح الهداف التاريخي لكرة القدم، لاعبا لـ”العالمي”
لمدة موسمين ونصف الموسم، مقابل راتب أقل ما يُقال عنه خيالي، قيمته تقدر بنحو 200 مليون يورو في الموسم الواحد، أو نصف مليار دولار طوال مدة العقد، بالإضافة إلى 100 مليون أخرى، في صورة مكافأة نظير التوقيع المجاني، والسؤال الذي يفرض نفسه وسنحاول الإجابة عليه ببساطة شديدة، لماذا أنفق النصر أو الدولة السعودية هذه المبالغ، التي لم يتقاضاها أي رياضي آخر في كل العصور؟
مكاسب فورية
قبل وصول الدون إلى العاصمة الرياض، بيوم واحد، كان كبير الشرق الأوسط وأفريقيا النادي الأهلي، يتفاخر بامتلاكه أكبر عدد متابعين عبر منصة “انستغرام”، بحوالي 9 مليون متابع، لكن مع نهاية الأسبوع الماضي، انقلبت الأمور رأسا على عقب، بتخطي حساب “العالمي” عدد متابعين نادي القرن في الماما أفريكا، ضمن المكاسب الفورية، التي جناها الرئيس مسلي آل معمر ومجلسه المعاون، مثل الحصول على 3 عقود رعاية، بقيمة تزيد على 100 مليون يورو، وذلك حتى يوم الخميس الماضي، ناهيك عن عشرات الشركات والعلامات التجارية، سواء داخل المملكة أو خارجها، التي ستحاول استغلال وجود الدون في المنطقة، فضلا عن الأرباح القياسية المنتظرة، من الطفرة في بيع تذاكر العالمي، سواء في الحصص التدريبية أو المباريات الرسمية، بجانب الامتيازات المتوقعة من حقوق البث التلفزيوني، بعد ضمان وصول نسبة المشاهدة إلى أرقام خرافية. هذا ولم نتحدث عن مبيعات القميص الأصفر رقم 7، بعد نفاد الكمية الأولى قبل توزيعها على متاجر النادي، وهذا إن دل على شيء، فحتما سيدل على المكاسب المهولة، التي ستنعش خزينة النادي، مقابل الاستفادة من الاستثمار في حقوق صورة رونالدو وعلامته التجارية طوال فترة وجوده في “مرسول بارك”، بخلاف المكاسب الفنية والعقلية والخبرة، التي سينقلها الدون الى غرفة خلع الملابس، ومع الوقت ستتحول إلى دستور بالنسبة للأجيال القادمة.
بريميرليغ العرب
من مكاسب النصف مليار يورو، الشعبية الطاغية التي سيحظى بها الدوري السعودي في كل أرجاء العالم، وذلك بفضل ما يُعرف بشعب كريستيانو رونالدو، الذي يُقدر بمئات الملايين عبر صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا في حد ذاته، سيأخذ أسعار النقل التلفزيوني للدوري، إلى مستويات تاريخية، غير أنه سيفتح الباب على مصراعيه لقدوم المزيد من الأساطير والأسماء اللامعة في أوروبا، سواء للعالمي أو غريمه التقليدي الهلال أو باقي المنافسين، الذين سيكون لهم نصيب من الانتعاشة الاقتصادية في عصر صاروخ ماديرا. والآن يتردد في العديد من الصحف المحلية والعالمية، أن وسطاء النصر، وصلوا إلى مراحل متقدمة في المفاوضات مع وكيل أعمال متوسط ميدان تشلسي نغولو كانتي، وبالمثل أسطورة ريال مدريد سابقا وقلب دفاع باريس سان جيرمان حاليا سيرخيو راموس. وأبعد من ذلك، يقولون في المحيط الإعلامي المحسوب على الزعيم الهلالي، إن الإدارة تخطط للرد بالمثل، بنقل ليونيل ميسي إلى الجزء الأزرق في العاصمة الرياض، كجزء من خطة على نفس مستوى طموحات منافس المدينة، بشراء صفقات من الطراز العالمي، لمنع حدوث فجوة مع النصر من جانب، وحفاظا على فرصه في الاحتفاظ بلقب دوري أبطال آسيا، وهذا في حد ذاته، سيقفز بمستوى المنافسة في الدوري، ليصبح “بريميرليغ العرب”، قولا وفعلا.
ما وراء الصفقة
هنا يكمن مربط الفرس، بالأبعاد والمكاسب المستقبلية للدولة السعودية من صفقة رونالدو، مثل الاستفادة من قاعدته الجماهيرية، التي لا تقارن بأي رياضي آخر داخل المملكة وفي الشرق الأوسط، للترويج للملف المنتظر، لإقامة كأس العالم 2030 في السعودية، وذلك استنادا إلى المصادر الصحافية، التي تؤكد أنه سيكون سفير المملكة في ملف استضافة كأس العالم، وسفيرا سياحيا للدولة النفطية، ضمن الخطة الطموحة، التي تستهدف الوصول لـ100 مليون زائر بحلول العام 2030، مع الانفتاح غير المسبوق للدولة، بالجرعة الترفيهية الضخمة في السنوات الماضية، شاملة الحفلات الصاخبة، والتركيز على إحياء الأماكن التاريخية والتراثية. ولا يخفى على أحد، أن وجود أشهر وأغنى رياضي في العالم في السعودية، سيساهم في تحقيق الهدف المنشود، بزيادة تعريف العالم بالثقافة والتاريخ السعودي، وأيضا سيثير فضول متابعيه، لاستكشاف ومحاكاة مغامراته في الأماكن التاريخية والتراثية في البلاد، وقبل أي شيء، هو استثمار رياضي، يحاكي الاستثمارات الرياضية الضخمة، آخرها الاستحواذ على أسهم نيوكاسل يونايتد في الدوري الإنكليزي الممتاز، ضمن خطة تنويع الاقتصاد، استعدادا لحقبة ما بعد مليارات براميل النفط. وكل ما سبق، سيعجل بنسف الصورة الغربية النمطية على المنطقة الخليجية والعربية، بعد نجاح قطر في تغيير هذه النظرة، بتنظيم أفضل نسخة كأس عالم في التاريخ.
وتقول شبكة “الأناضول”، إن تعاقد النصر مع رونالدو، أشبه بالتجسيد العملي للرسالة الناعمة، التي أطلقتها السعودية منذ سنوات، بتسهيل قوانين السياحة الترفيهية والسياحية، بعد عقود من الاعتماد على السياحة الدينية، وكل ذلك، لإقناع عائلات المشاهير في الغرب للإقامة بحرية في المملكة، بعد الطفرة الكبيرة في المرافق السكنية والتعليمية، التي تفوق البنية التحتية في بعض الدول الصناعية الكبرى، مع وضع الصفقة برمتها، في إطار التنافس الاستثماري الرياضي بين الدول الخليجية الرائدة في هذا المجال، قطر والإمارات والسعودية، إما بشراء أندية عالمية في الدوريات الأوروبية الكبرى، وإما بتجنيد مشاهير الرياضة في حملات الترويج للسياحة والبطولات الكبرى، أي أن صفقة القرن، أكبر من مجرد صفقة لاعب كرة القدم، بل بداية لعهد جديد للرياضة وكرة القدم السعودية، ستظهر ملامحه في المستقبل القريب، بالصفقات المدوية المنتظرة في الأسابيع المتبقية على غلق النافذة الشتوية، أو في فصل الصيف على أقصى تقدير، تنفيذا للتوجهات العليا، التي تتطلع لوضع الدوري السعودي ضمن قائمة الدوريات العشرة الأفضل عالميا قبل 2030. كل ما سبق، يفسر لك عزيزي القارئ الأسباب التي دفعت النصر، أو الدولة السعودية لإغراء أشهر رياضي في العالم باللعب في الدوري المحلي، مقابل هذه الملايين، التي توازي ميزانية خاصة لشراء ناد في أوروبا، وفي نفس الوقت جعلت رونالدو يرفع الراية البيضاء في مفاوضات جس النبض قبل مونديال قطر 2022، والسؤال الآن: هل أهدر العالمي تلك الملايين؟ أم سيجني من ورائها أرباحاً قياسية؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام.