ماذا سيكون موقف الأردن من الذكريين المقبلتين.. اغتيال رابين ومرور 30 سنة على السلام؟

حجم الخط
0

ثلاثة مواطنين يرتدون الزي العسكري الأردني تسللوا إلى منطقة البحر الميت في إسرائيل قرب القرية الزراعية “ناؤوت هكيكار”. الخطة: تنفيذ عملية باستخدام مسدسات “غلوك” على موقع عسكري إسرائيلي. لشدة الحظ، انكشفت الخطة في توقيت دقيق. تم إطلاق النار على اثنين من القتلة وصفيا. أما الثالث فنجح في الهرب إلى الأردن. أصيب جندي ومقاتل احتياط أثناء ملاحقة المخربين.
سارع الناطق العسكري الأردني للإعلان بأنهم ليسوا جنوداً أردنيين. وفوراً، كشف الناطق بلسان حركة الإخوان المسلمين في الأردن هوية اثنين من المخربين والوصيتين اللتين تركاها قبل تسللهما إلى إسرائيل، وذكرتا الثأر لغزة. وهما من أبناء “الجماعة”، كما قال الناطق بلسان الإخوان معاذ الخوالدة.
هذه سنة قاسية في العلاقات الأردنية الإسرائيلية. قبل خمسة أسابيع، أقدم سائق شاحنة أردني على قتل ثلاثة إسرائيليين، من عاملي جسر اللنبي في منطقة فحص وتفتيش الشاحنات الأردنية التي تخرج يومياً إلى قطاع غزة. عضو البرلمان الأردني، عماد العدوان، أمسك به مع أسلحة كثيرة وكميات من الذهب، اعتزم تهريبها لمنظمات إرهاب في الضفة الغربية. لم تكن هذه هي أول مرة له، لكنها المرة التي أمسك به متلبساً، واعتقل وحقق معه، وبضغط أردني أعيد إلى عمان وقدم إلى محكمة عسكرية وألغيت عضويته في البرلمان.
يصعب التصديق، لكن في السبت القريب ستمر ذكرى 30 سنة على التوقيع على اتفاقات السلام. من يتذكر المقابلة الأولى التي اختار الملك حسين أن يمنحها لـ “يديعوت احرونوت” وأعلن فيها بأن “هذا سيكون سلاماً فريداً من نوعه”. وفور الحدث، تذكر صورة الملك حسين وهو يشعل سيجارة لرئيس الوزراء إسحق رابين الراحل ويوضح بأن “الأردن دولة مرآة لإسرائيل”.
كل الكلمات الطيبة والوعود اللامعة لم تنجح؛ فقد قتل رابين، ومات الملك حسين بالسرطان، وتغيرت الصورة. قال الملك عبد الله لصحيفة بريطانية إن “الفترة الأصعب عليّ هي بسبب نتنياهو”. العلاقات بردت، والسيئ يلحقه الأسوأ. ومبنى السفارة الإسرائيلية بحي الرابية في عمان أصبح مركزاً لمظاهرات مئات وأحياناً آلاف الأردنيين الغاضبين. أتذكر جيداً اليوم الذي أطلق فيه رجل أمن إسرائيلي النار فقتل أردنيين في شقته. نتنياهو، دون أن يفحص تفاصيل الحدث، استدعى السفير والحارس إلى مكتبه لعناق أمام الكاميرات. والأردنيون تميزوا غضباً.
اتفاق السلام مع الأردن كان يستهدف تحويل العلاقات السرية بين الدولتين، التي ولدت قبل عشرات السنين من ذلك، إلى صيغة الأخت الكبرى والصغرى. منذ الحرب في غزة وفتح الجبهة حيال حزب الله، تبذل إيران جهداً خاصاً في الأردن، بهدف إغلاق جبهة ضد إسرائيل. الأردن لا ينثني. وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، سيئ الصيت عندنا بسبب تصريحاته الحادة ضد إسرائيل، نهض بعد هجمة الصواريخ الإيرانية في نيسان، وسافر إلى طهران ليوضح لهم “لا تحاولوا مهاجمة إسرائيل من أراضي المملكة”. كان هذا إغلاقاً للدائرة بعد أن حذر الملك عبد الله، قبل أكثر من 20 سنة من خطر “الهلال الشيعي” على حساب دول المنطقة.
الملك عبد الله يصمت منذ سنة. تحتله مكانه الملكة رانيا، ابنة لفلسطينيين، بتصريحات لاذعة تجاه إسرائيل. ينبغي أن نتفهم وضع الأردن، مع الانقسام بين البدو والفلسطينيين، ومئات آلاف اللاجئين، والوضع الاقتصادي السيئ، والحرد مع السعودية؛ كي نستوعب عمق المشكلة. على إسرائيل أن تجري حساباً – هل من الأفضل مواصلة العيش مع مملكة أردنية باردة، ام ترك الفلسطينيين يسيطرون على الضفة الشرقية ليصبحوا جيراننا الجدد على طول الحدود الطويلة؟

أعود مرة أخرى إلى رابين الراحل وإلى الملك حسين، الله يرحمه، كي أشير إلى منظومة علاقات قريبة وخاصة جداً. كان يطيب لرابين التحدث بشغف وسراً عن علاقاته مع الملك. مستشاره الكبير، ايتان هابر الراحل، أقام منظومة علاقات وثيقة مع مدير المكتب الملكي، الجنرال علي شكري. كان صعباً ألا يتأثر المرء عندما يشاهد في قصر الملك إسرائيليين يربتون على كتف مسؤولين أردنيين أو ولي العهد الأمير عبد الله في أروقة الكريا في تل أبيب. التقيت به “صدفة” وتصافحنا بحرارة.
إيهود باراك ونفتالي بينيت أيضاً عرفا كيف يقدران الأهمية الخاصة للسلام مع الأردن، الحدود الطويلة، 308 كيلومترات، التي تفصل بين الدولتين والجنود من الطرفين دون علاقات ودية قريبة على نحو خاص. شاحنات البضائع انتقلت من إسرائيل إلى الأردن، وعبره انتقلت من دول الخليج أيضاً. مسار موازٍ تقرر بين الأردن والضفة الغربية في الاتجاهين.
الملك عبد الله، مثل أبيه، حلم بعلاقات وثيقة. لكن عندما جاء نتنياهو توقفت الخطوات دفعة واحدة. عقدت لقاءات في المستوى العالي، لكن الملك لم يخفِ استياءه. أما نتنياهو، بالمقابل، فألمح بنيته لمنح السعودية الرعاية “الأردنية” على المسجد الأقصى في شرقي القدس، حيث قتل الملك عبد الله، جد الملك حسين. كما أن محاولة زيارة ولي العهد، الأمير حسين، لم تنجح، واضطر للعودة على عقبيه مع مجموعة الحراس الذين رافقوه وهو يستشيط غضباً. ثمة أمر مشابه حصل للسفير الأردني في إسرائيل، غسان المجالي. جاء السفير، وأوقف، وبعد عدة أيام عاد مرة أخرى، بعد أن فهمت محافل رفيعة المستوى جداً في إسرائيل حساسية الحدث.
لا توجد اليوم علاقات علنية بين الدولتين. لا تزال ارتباطات الجيش قائمة، لكنها هبطت درجة على الأقل. حدثان سيتمان قريباً لإحياء 30 سنة على السلام الآن. في إحداهما، في معهد بحوث الأمن القومي، أوضح بأنه لن يكون حضور أردني، بأمر من عمان. في الحدث الثاني، في يوم الذكرى لاغتيال رابين، ثمة إمكانية تدرس حول جلب مجموعة صغيرة للحديث بشغف عما كان عليه السلام. أجريت مؤخراً محاولة لزيارة المملكة، اصطدمت بوجوه جامدة. لا تأتي، حذرني مصدر أردني كبير جداً، “وإذا أصررت على المجيء فلا تأتي إليّ ولا تهاتفيني؛ لأنك ستورطيننا، أنا وأنت”.
سمدار بيري
يديعوت أحرونوت 22/10/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية