الآن عرف العالم أن حل القضية الفلسطينية يتقدم على ما عداه من أولويات في الشرق الأوسط، وعرفت إسرائيل أنه لا صواريخها ولا قنابلها النووية ستحقق لها الأمان، ولا اتفاقيات التطبيع الأخيرة التي عقدتها برعاية ترامب يمكن أن تكون بديلا عن إقامة سلام عادل وتسوية القضية الفلسطينية على أساس قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن. الآن سقطت الفرضية السياسية التي قامت عليها اتفاقيات التطبيع الجديدة التي تم توقيعها تحت مسمى «اتفاقيات العهد الإبراهيمي» بأن التطبيع هو طريق السلام، وأن القضية الفلسطينية ستحل نفسها بنفسها أو «ستتحلل» كما يتوهم بنيامين نتنياهو.
وقد ضغطت الإدارة الأمريكية بكل قوتها من أجل أن تحصل هذه الاتفاقيات على دفعة كبيرة قبل الانتخابات الأخيرة، فتم توقيع اتفاقيات بين إسرائيل وأربع دول عربية خلال أشهر قليلة، ومضت إسرائيل بقوة في عمليات الاستيطان، ومحاولة توسيع حدودها الشرقية إلى غور الأردن، وابتلاع القدس الشرقية بحصارها من خارجها، واختراقها من داخلها، بتهجير سكان الأحياء القديمة مجموعة وراء مجموعة. وقد اصطدمت إسرائيل بالأردن في محاولتها التمدد شرقا، كما اصطدمت بأهالي حي الشيخ جراح في محاولة اختراق المدينة القديمة من داخلها، ثم اشتعلت جبهة غزة في حرب صواريخ، لترسم خطوطا جديدة للهوية الفلسطينية غطت كل أرض فلسطين من النهر إلى البحر. ولم تستطع إسرائيل بعد أحد عشر يوما من القصف بأحدث الطائرات والقنابل والصواريخ أن تجبر غزة على الاستسلام، وقبلت أخيرا بوقف «غير مشروط» للأعمال «العدائية» بوساطة لعبت فيها مصر، دورا رئيسيا مباشرا على الأرض.
المقاومة تفضح المتواطئين
أثبتت المقاومة أنها أقوى من اتفاقيات التطبيع، كما أنها في الوقت نفسه فضحت المطبعين المتواطئين الذين يسيرون على درب نتنياهو، خصوصا في الإمارات والبحرين. ونستطيع أن نميز بين فريقين من الدول العربية التي ترتبط بعلاقات رسمية مع إسرائيل. فريق طرح التطبيع جانبا ووقف قدر ما يستطيع مع المقاومة الفلسطينية يضم مصر والأردن والمغرب، وفريق آخر حافظ على إخلاصه لمفهوم نتنياهو عن التطبيع، ووقف ضد المقاومة ماديا ومعنويا بصورة مكشوفة ومخزية كانت على رأسه الإمارات ومعها البحرين.
ومع ذلك يمكن القول إن تأثير اتفاقيات التطبيع على الموقف العام للدول العربية تجاه القضية الفلسطينية كان محدودا فما يزال الموقف مبنيا على تأييد حل الدولتين، حتى في الدول المتواطئة التي تخاذلت في دعم الفلسطينيين أو وقفت ضدهم. وفي مقابل تفاوت مواقف الحكومات، فإن الشعوب العربية أثبتت أن تضامنها مع الشعب الفلسطيني لا حدود له، رغم كل القيود، فانطلقت مسيرات ومؤتمرات وقوافل التضامن إعلانا لنصرة غزة من بغداد إلى الدار البيضاء ومن لبنان إلى السودان.
أربعة اختبارات للتقييم
ونستطيع تقييم مواقف الدول العربية تجاه انتفاضة الأقصى والعدوان الإسرائيلي الأخيرعلى غزة من خلال أربعة اختبارات رئيسية، هي الضغط من أجل وقف العدوان، ومدى تقديم المساعدات العاجلة، ومدى المشاركة في العمل الدبلوماسي، ثم مدى الإلتزام بالمشاركة في إعادة الإعمار بعد وقف القتال.
الضغط لوقف العدوان
هذا هو الاختبار الأول، وفيه لعبت الدبلوماسية المصرية والأردنية والقطرية دورا رئيسيا في الوساطة من داخل المنطقة للتوصل إلى اتفاق لوقف العدوان على غزة، ومنع إسرائيل من تنفيذ الإخلاء القسري لأهالي حي الشيخ جراح. وقد لعب الانقسام العربي دورا في إضعاف الضغوط في الأيام الأولى، حيث ظهر تيار سياسي وإعلامي عربي، خصوصا في الإمارات والبحرين، وبعض أجهزة الإعلام والشخصيات المرتبطة بالإمارات في مصر، يروج لفكرة أن تلك هي حرب «حماس» وليست حرب الشعب الفلسطيني، ووصل الأمر إلى درجة شن حرب إعلامية ومعنوية ضد الفلسطينيين، بينما كانت القنابل والصواريخ الإسرائيلية تهدم بيوتهم، وتقتل أطفالهم وتدمر معالم بلدهم ومرافقها الأساسية. وعندما تعرضت الإمارات لانتقادات بسبب موقفها، فإن المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة الدكتور قرقاش اتهم المنتقدين بأنهم «يتاجرون بمعاناة الشعب الفلسطيني». لكن الإمارات لم تعلن إجراء واحدا تثبت به أنها لا تستفيد من معاناة الفلسطينيين، ولا تتخذ من هذه المعاناة مناسبة لتأكيد ولائها لإسرائيل وتضامنها مع نتنياهو في ضرباته ضدهم. وقد اكتفت مؤخرا بإصدار بيان تعلن فيه انضمامها «إلى الداعين للتهدئة ووقف إطلاق النار على الجانبين».
ومن المهم أن نوضح أن اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل لا تمنع اتخاذ إجراءات مشروعة وقانونية في العلاقات بين الدول، مثل الاحتجاج واستدعاء السفراء، وتقديم المساعدات والتعاون مع المعتدى عليه، وإدانة المعتدي، وتخفيض مستوى العلاقات، وغير ذلك من الإجراءات «الطبيعية والقانونية» في وقت وجود نزاع أو خلاف بين دولتين، بما في ذلك الإجراءات ذات الطابع الاقتصادي.
تقديم المساعدات
الاختبار الثاني لتقييم مواقف الدول العربية من انتفاضة الأقصى والحرب على غزة يتعلق بالتضامن مع الشعب الفلسطيني وتقديم المساعدات العاجلة، خصوصا الأغذية والأدوية. ويتضح من متابعة ردود الفعل العربية، أن التضامن المعنوي كان واضحا وعبر عن نفسه في شكل تظاهرات ومسيرات في الأردن والعراق والكويت والمغرب وتونس ولبنان والسودان. وعلى الرغم من أن مصر تحظر المسيرات لأسباب أمنية، مع سريان حال الطوارئ، فإن عددا من الأحزاب والنقابات استطاع أن ينظم مؤتمرات وحملات لجمع المساعدات داخل مقراتها الرسمية، ومنها أحزاب المصري الديمقراطي والتحالف الشعبي والمحافظين والنقابة العامة للأطباء ونقابة الصيادلة وغيرهم. وفتحت نقابة الأطباء باب التطوع للمشاركة في علاج المصابين في غزة. وعلى الرغم من اتفاق التطبيع فإن الحكومة المصرية فتحت معبر رفح، واستقبلت عشرات المصابين من غزة لعلاجهم في مستشفيات قريبة في العريش وبير العبد والاسماعيلية وغيرها، كمل أرسلت شحنات كبيرة من الأدوية والأغذية والاحتياجات الإنسانية العاجلة. وكذلك فعلت المملكة المغربية التي أرسلت أكثر من 30 طنا من الأدوية والأغذية بالطائرات إلى عمان، ومنها إلى القدس والضفة الغربية. وقدم الأردن سيلا من المساعدات المستمرة لدعم صمود الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وتم دعم مستشفى المقاصد الخيرية في القدس بالأجهزة والأدوية اللازمة لعلاج جرحى الحرب، كما تم الإعلان عن إرسال مستشفى ميداني كامل لعلاج مصابي القصف الإسرائيلي في غزة. وقد غابت الإمارات ودول الخليج باستثناء قطر عن تقديم مساعدات مادية للفلسطينيين خلال الحرب، بل ان مصادر المقاومة الفلسطينية رددت أن الإمارات هددت بوقف تمويل المشروعات التي كانت قد بدأت في تمويلها في غزة منذ عدة أشهر.
المجهود الدبلوماسي
أما الاختبار الثالث فإنه يتعلق بمدى مشاركة الدول العربية في جهود الوساطة السياسية من أجل تحقيق حل طويل المدى بعد وقف القتال. وسوف نلاحظ أن الدول الخليجية الثلاث الإمارات والسعودية والبحرين تركز مجهودها الدبلوماسي إقليميا وفي المحافل الدولية على إدانة السياسة الإيرانية، وتجاهل العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، بينما كانت مصر والأردن وقطر وتونس تلعب دورا محوريا في ترتيب مواقف دولية مساندة للقضية الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وفي المشاورات مع فرنسا وروسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي. وغابت الإمارات والبحرين عن ساحة العمل الدبلوماسي المساند للقضية الفلسطينية خلال الأسبوعين الأخيرين. ومع ذلك فإن البيانات الرسمية الصادرة عن هذه الدول ما تزال تؤكد حتى الآن انحيازها لفكرة «حل الدولتين» كحل نهائي للقضية الفلسطينية. وربما تفتح تطورات ما بعد وقف القتال الباب أمام هذه الدول لمراجعة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية، والمشاركة بالقوة الكافية في المجهود الدبلوماسي العربي والدولي لمساندة التوصل إلى تسوية دائمة تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني وتحقق السلام في المنطقة.
المشاركة في الإعمار
اما الاختبار الرابع الذي يكشف موقف الدول العربية بعد العدوان الإسرائيلي على غزة، فإنه يتعلق بمدى تقديم المساعدات للإعمار وإعادة بناء ما خربته الحرب. وقد بادرت مصر بإعلان تقديم مساعدات لإعادة الإعمار في غزة بقيمة 500 مليون دولار. ومن الصعب حاليا تقدير الخسائر الاقتصادية التي تعرضت لها غزة، لكن ذلك سيتكشف بعد انتهاء حصر الخسائر، وتقدير تكلفة إعادة البناء. وتتحمل الدول العربية والمجتمع الدولي والولايات المتحدة بشكل خاص، مسؤولية جوهرية في إعادة بناء ما خربته إسرائيل في غزة، وتوفير مقومات البنية الأساسية الكافية لتقليل بقاء غزة تحت رحمة الضغوط الإسرائيلية خصوصا في قطاعات المياه والكهرباء والطيران والموانئ.
وعلى ضوء هذه الاختبارات الأربعة، فإننا نستنتج أن اتفاقيات التطبيع لم تمنع مصر من قيادة جهود الوساطة لوقف الهجوم الإسرائيلي على غزة، ولا منعت الأردن من تقديم الدعم والمساعدات، كما أن العلاقات غير الرسمية مع إسرائيل لم تمنع قطر من تقديم المساعدات والمشاركة في المجهود السياسي. وعلى النقيض من ذلك فإن الرغبة في الانتقام من حماس، حتى لو كان ذلك على حساب الشعب الفلسطيني، كان هو محرك السياسة في دول أخرى تجاه الشعب الفلسطيني.